شهدت الأوساط الأكاديمية والفنية العراقية مناقشة رسالة الدراسات العليا الموسومة «لامركزية المعنى فى هوية أداء الممثل المسرحى العراقي»، للباحث زين العابدين عبد المطلب أحمد الشايع، وهى دراسة تتناول واحدًا من الموضوعات المهمة فى المسرح المعاصر، والمتصل بتحولات أداء الممثل، وتعدد أساليبه، وانتقاله من النموذج التقليدى القائم على مركزية الشخصية والمعنى إلى أنماط أدائية أكثر انفتاحًا وتفكيكًا وتعددًا فى إنتاج الدلالة.وجرت المناقشة بحضور لجنة علمية متخصصة، ترأسها الأستاذ المساعد الدكتور زين العابدين جاسم محمد، وشارك فيها الأستاذ المساعد الدكتور تمار ميثم جهاد، إلى جانب الأستاذ الدكتور أسعد عبد الرضا حسين، فيما أشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور حيدر صالح دشر، الذى أكد الباحث فى كلمته الافتتاحية وختام المناقشة دوره فى توجيهه ومتابعته خلال مراحل إعداد البحث.وتنطلق الرسالة من ملاحظة أساسية تتمثل فى أن الممثل المسرحى المعاصر لم يعد مقيدًا بمركز أدائى واحد أو بأسلوب تمثيلى ثابت، وإنما أصبح قادرًا على الانتقال بين حالات وهويات وأساليب متعددة، بما يتيح إنتاج معانٍ مختلفة ومتباينة داخل العرض الواحد. ومن هنا جاء اهتمام الباحث بمفهوم «لامركزية المعنى» بوصفه مدخلًا لفهم التحولات التى طرأت على هوية أداء الممثل المسرحى العراقى.ويرى الباحث أن التحولات التى شهدتها المناهج والأساليب الأدائية منذ مطلع القرن العشرين، مرورًا بالحداثة وما بعدها، أسهمت فى إعادة النظر فى وظيفة الممثل وفى طبيعة العلاقة بين الجسد والصوت والشخصية والمعنى. فلم يعد الممثل مجرد أداة لنقل النص أو تجسيد شخصية محددة وفق بناء تقليدى، بل أصبح شريكًا أساسيًا فى إنتاج الدلالة، من خلال الحركة والصوت والإيقاع والصمت والإشارة، فضلًا عن قدرته على الانتقال بين مستويات أدائية متعددة.وتتمثل مشكلة البحث فى السؤال عن الكيفية التى يستطيع من خلالها الممثل المسرحى العراقى اكتشاف التقنيات والمهارات الأدائية التى تمنح أداءه هوية أسلوبية تتصف بلامركزية المعنى عند تقديم الشخصية المسرحية.وتكتسب الدراسة أهميتها، بحسب الباحث، من إمكانية الإفادة منها فى المجال الأكاديمى، ولا سيما لطلبة معاهد وكليات الفنون الجميلة وأقسام الفنون المسرحية، من خلال تقديم تصور لمفهوم الأداء التمثيلى اللامركزى وتشكله فى هوية الممثل. كما يمكن أن تفيد الممثلين العاملين فى الفرق المسرحية والمؤسسات الثقافية، من خلال مساعدتهم على تطوير أدواتهم بما يتناسب مع متطلبات العروض المسرحية المعاصرة.وحدد الباحث دراسته زمنيًا بالفترة من 2015 إلى 2025، ومكانيًا بالعروض المسرحية المقدمة فى العراق، بينما تمثل الحد الموضوعى فى دراسة لامركزية المعنى فى هوية أداء الممثل المسرحى العراقى، ودورها فى بناء الشخصية وإنتاج الدلالة.وتوقف البحث عند ثلاثة مفاهيم رئيسية هي: اللامركزية، والمعنى، والهوية.ويعرف الباحث اللا مركزية، إجرائيًا، بأنها تحول وانزياح فى آليات فعل الأداء عن مركزية الأداء التقليدى، بما يمنح الممثل مساحة أكبر لانتقاء أفعاله وصياغة دلالاته من خلال الجسد والصوت وتعدد المستويات الأدائية.أما المعنى، فيراه دلالة مركبة تتجاوز العلامات المباشرة والسطحية، لتكشف عن مضمرات أعمق ينتجها فعل التمثيل.بينما ترتبط الهوية بالبنية التى تحدد شكل وأسلوب ومهارات أداء الممثل داخل فضاء العرض. وبحسب هذا التصور، فإن انتقال الممثل بين حالات وتحولات أدائية مختلفة يمكن أن ينتج هويات متعددة بدلًا من هوية أدائية واحدة ثابتة.ويتكون البحث من أربعة فصول. تناول الفصل الأول الإطار المنهجى، وشمل مشكلة البحث وأهميته وهدفه وحدوده، إلى جانب تحديد المصطلحات. بينما خصص الباحث الفصل الثانى للإطار النظرى، وقسمه إلى ثلاثة مباحث تناولت لا مركزية المعنى فى الفلسفة والمسرح، وهوية أداء الممثل المسرحى ولا مركزية المعنى فى المسرح العالمى، وتمثلات لا مركزية المعنى لدى الممثل فى التجارب المسرحية العالمية.ومن خلال الإطار النظرى، توصل الباحث إلى مجموعة من المؤشرات، من أبرزها أن أداء الممثل اللامركزى يقوم على إرجاء المعنى وتأجيله وفتح المجال أمام تعدد الدلالات، عبر عمليات مستمرة من الهدم والبناء والتحول فى الأفعال الجسدية والصوتية.كما أشار إلى إمكانية توظيف الممثل الصمت والصرخات والهمهمات والحركات والإشارات، إلى جانب تفكيك العلاقة التقليدية بين الكلام والحركة، من أجل إنتاج لغة مسرحية تتسم بالتعدد والتشفير. وفى هذا السياق، لا يعود الجسد مجرد وسيلة مصاحبة للحوار، وإنما يتحول إلى لغة قائمة بذاتها يمكن أن تنتج مجموعة من المعانى لدى المتلقى.واعتمد الباحث فى الفصل الثالث المنهج الوصفى التحليلى فى دراسة نماذج مختارة من العروض المسرحية العراقية، بعد تحديد مجتمع البحث والعينة بطريقة قصدية، والاستعانة بآراء الخبراء للتأكد من صدق أداة البحث وثباتها.وشملت عينة الدراسة ثلاث مسرحيات هي: «بيت أبو عبد الله»، و«الجدار»، و«كثب»، حيث قام الباحث بتحليل آليات الأداء وأساليب الممثلين وعلاقتها بإنتاج المعنى وتشكيل الهوية الأدائية.وفى الفصل الرابع عرض الباحث النتائج التى توصل إليها، ومن أبرزها أن أداء الممثل أنس عبد الصمد اتسم بهوية أدائية تحمل ملامح لامركزية المعنى، من خلال توظيف الحركات الجسدية السريعة والبطيئة، والصراخ المتقطع والهمهمات غير المفهومة، بما أسهم فى تشكيل أداء متشظٍ ومتعدد الدلالات.كما رصد البحث فى أداء الممثلة آلاء نجم حالة من التنافر وعدم الترابط التقليدى بين الحوار والحركة، من خلال مزج الأداء التمثيلى بالرقص، وهو ما أدى إلى تشكيل هوية أدائية لامركزية، وفتح أمام المتلقى مستويات متعددة لتأويل معاناة المرأة وما تعرضت له من سلب للحقوق.وفى عرض «كثب»، كشف التحليل عن تنوع أسلوبى هجين فى أداء الممثلين، جمع بين اللعب التمثيلى والبوح الذاتى والتوجه المباشر إلى الجمهور والحركة فى فضاء العرض. ولم يلتزم الأداء بهوية أسلوبية واحدة، بل اتسم بالتنوع والفوضى الجسدية والأفعال المتناثرة، بما عبّر عن حالات الكبت الداخلى والاغتراب الإنسانى.وخلص الباحث إلى أن تغليب لغة الجسد على الحوار المنطوق يمكن أن يسهم فى بناء هوية أدائية لامركزية المعنى، من خلال الحركات الرمزية التى تفتح المجال أمام تعدد الدلالات. كما رأى أن لامركزية المعنى تمثل عملية مستمرة لإعادة تشكيل الهوية الأدائية، وتدفع الممثل إلى الابتكار ومواكبة التحولات التى يشهدها المسرح فى تقنياته وأساليبه.وتؤكد الرسالة، فى مجملها، أن الممثل العراقى المعاصر يمتلك إمكانات واسعة لتجاوز النموذج التقليدى فى الأداء، وأن تحرير الجسد والصوت من سلطة المعنى الواحد يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام العملية الإبداعية. فالممثل، وفق رؤية الدراسة، لا يكتفى بتجسيد الشخصية، وإنما يشارك فى صناعة شبكة من الدلالات المتغيرة، التى تتشكل من خلال العلاقة بين جسده وصوته والفضاء والمتلقى.وتأتى أهمية هذه الدراسة فى كونها تربط بين التحولات النظرية فى مفهوم المعنى وبين الممارسة الأدائية للممثل العراقى، محاولةً الكشف عن الكيفية التى يمكن بها للأداء أن يتحول إلى مساحة مفتوحة للتأويل، وأن تصبح هوية الممثل نفسها قابلة للتشكل وإعادة البناء وفق طبيعة العرض ورؤيته الجمالية والفكرية.واختتمت الرسالة بالتوصيات والمقترحات، وقائمة المصادر والمراجع والملاحق، إلى جانب خلاصة البحث باللغة الإنجليزية، لتقدم بذلك إضافة إلى الدراسات الأكاديمية التى تتناول الممثل وتقنيات الأداء فى المسرح العراقى المعاصر، وتفتح المجال أمام دراسات أخرى تتتبع تحولات الأداء وعلاقته بالاتجاهات المسرحية الجديدة.