فى قاعة سينما الحضارة.. معنى جديد للقراءة المسرحية

فى قاعة سينما الحضارة.. معنى جديد للقراءة المسرحية

العدد 982 صدر بتاريخ 22يونيو2026

استمتعت كثيرًا بمشاهدتى قراءة مسرحية لنص كنت قد أحببته كثيرًا منذ أن قرأته للمرة الأولى، هو (النصف الثانى من الطريق) للكاتب والمخرج أحمد رجائى، بينما تولى إخراجه هذه المرة المخرج القدير أيمن عبدالرحمن، ضمن فعاليات المهرجان القومى للمسرح المصرى.
فى البداية، لا بد من التذكير بأن عروض القراءة المسرحية ليست بالبساطة التى قد يتصورها البعض. فالممثلون يقفون أو يجلسون أمام الجمهور حاملين نسخهم الورقية من النص، فى مشهد يقترب ظاهريًا مما نعرفه فى المسرح باسم «بروفة الترابيزة». غير أن المهمة هنا أكثر تعقيدًا؛ إذ يتعين عليهم نقل المشاعر والانفعالات وبناء الشخصيات وإشعال خيال المتلقى دون الاستعانة بديكور أو أزياء أو إكسسوارات أو مؤثرات بصرية. هم والجمهور فقط، وبينهما نص يسعى إلى أن يتحول إلى عالم كامل.
فى هذا النوع من العروض يصبح المتفرج شريكًا أساسيًا فى العملية الإبداعية، إذ يُطلب منه أن يستكمل بخياله العناصر الغائبة، وأن يشارك فى بناء الفضاء المسرحى الذى لا تراه العين بقدر ما تتخيله.
وعلى الرغم من معرفتى بقدرات أيمن عبدالرحمن الإخراجية، فقد ذهبت إلى العرض بشيء من القلق. يعود ذلك أولًا إلى أن فن القراءة المسرحية لا يزال جديدًا نسبيًا على الحياة المسرحية المصرية، ولم تتح له بعد الفرصة الكافية لترسيخ تقاليده لدى جمهور المسرح. أما السبب الثانى فيتعلق بطبيعة نص أحمد رجائى نفسه، وهو نص يعتمد على التداخل بين الواقع والتمثيل، وتتوزع فيه الشخصية الرئيسية عبر ثلاثة أجيال، كما تتشابك داخله الأزمنة والمستويات الدرامية بصورة تجعل متابعته بحاجة إلى قدر من الوضوح البصرى الذى توفره عادة عناصر العرض التقليدية.
لهذا كله دخلت قاعة سينما الحضارة متوجسًا، لكن هذا التوجس سرعان ما تبدد مع المشاهد الأولى. فقد نجح العرض منذ بدايته فى فرض منطقه الخاص، وأقنع جمهوره بالدخول إلى عالمه. ومع توالى الأحداث ازداد استمتاعى، وازداد معه اطمئنانى إلى أن الرهان قد كُسب بالفعل.
ولعل أكثر ما أكد ذلك هو تفاعل الجمهور مع العرض؛ فقد حضرت الضحكات فى مواضعها، وتعالت التصفيقات فى اللحظات المؤثرة، بما عكس قدرة فريق العمل على الحفاظ على انتباه المتلقين وإشراكهم وجدانيًا فى الأحداث. وبين الحين والآخر كنت أجد نفسى أردد بصمت: «برافو أيمن».
غير أن الإنصاف يقتضى الإشارة إلى أن نجاح هذه التجربة لم يكن ثمرة الإخراج وحده، بل جاء نتيجة تناغم واضح بين جميع عناصر الفريق. فقد أحسن أيمن عبد الرحمن اختيار مجموعة من الممثلين الشباب، بعضهم يواجه الجمهور للمرة الأولى، مستندين إلى خبرات فنية راسخة مثل أحمد مختار وسعيد صديق، اللذين قدما نموذجًا لما يمكن أن يضيفه الفنان الخبير إلى زملائه وإلى العرض بأكمله.
كما كان من ذكاء المخرج أن يستعين بالفنان ماهر عبيد، الذى جاءت فواصله الغنائية بمثابة جسور درامية ربطت بين المشاهد، وأضافت إلى العرض قدرًا من الحيوية والمتعة، دون أن تفقده طبيعته الخاصة بوصفه قراءة مسرحية.
لقد أكدت هذه التجربة أن القراءة المسرحية ليست مجرد بديل اقتصادى للعرض التقليدى، بل شكل فنى قائم بذاته، يمتلك أدواته الخاصة وقدرته على التواصل والتأثير متى توافرت له الرؤية الإخراجية الواعية والأداء الصادق.
تحية لأيمن عبدالرحمن وفريقه بالكامل، وتحية خاصة للفنانين أحمد مختار وسعيد صديق وماهر عبيد، الذين قدموا درسًا مهمًا فى معنى الاحتراف، وفى كيفية أن يقف الفنان الكبير إلى جوار الأجيال الجديدة، يمنحها الثقة والخبرة والمساندة. 
تحية مفعمة بحب كبير لكل من رشا سامى، محمد سعيد، خلود عادل، أيمن إسماعيل، محمود فارس، وليد أدفاوى، سارة الشرقاوى، شيماء ربيع، ريم العزب، والطفل أحمد مروان.
شكرًا لواضع الموسيقى عبد السلام شاكر، والملحنة ليالى، ومساعد الإخراج إبراهيم كامل.
وأخيرًا الشكر كل الشكر إلى الفنان محمد رياض على هذه التجربة التى تُحسب ضمن الإضافات المهمة لدورة هذا العام من المهرجان القومى للمسرح المصرى. خاصة أن النص الذى قدم هو نص فائز بالمركز الثانى منذ عامين فى مسابقة النصوص المسرحية التى يقيمها المهرجان، وقد علمت أن ثمانية نصوص أخرى ستقدم بالطريقة نفسها وفى محافظات مختلفة.


محمد الروبي