مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى يحتفى بتجربة المخرج العراقى الراحل عونى كرومى بدورته الـ33

مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى يحتفى بتجربة المخرج العراقى الراحل عونى كرومى بدورته الـ33

العدد 995 صدر بتاريخ 21سبتمبر2026

احتفى مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، برئاسة الدكتور سامح مهران، بتجربة المخرج والباحث والأكاديمى العراقى الراحل عونى كرومى، فى ندوة أقيمت تحت عنوان «رد الجميل»، وأدارها المسرحى والناقد العراقى بشار عليوى، بمشاركة عدد من المسرحيين والنقاد والباحثين العراقيين، وهم الدكتور محمد سيف، ورياض موسى سكران، والدكتور نورس عادل، إلى جانب جبار جودى نقيب الفنانين العراقيين، والدكتور سامح مهران، رئيس المهرجان. 
فى البداية، استعاد بشار عليوى، تجربة عونى كرومى بعد عشرين عامًا على رحيله، متوقفًا أمام الوصف الذى ارتبط باسمه باعتباره”وسط الثقافات” ومطرحًا السؤال حول ما الذى فعله كرومى حتى استحق هذا الوصف. 
وقال عليوى، إن الاجتماع حول عونى كرومى اليوم لا يقوم على المحبة وحدها، لأن المحبة لا تصنع معرفة، مؤكدًا أن تجربة الراحل أكبر من ذلك وتحتاج إلى قراءة وتأمل فى مسيرته المسرحية والفكرية والأكاديمية. 
وأوضح أن كرومى عندما انتقل مرة أخرى إلى ألمانيا فى مرحلة أخرى من حياته، لم يصبح المسرح الألمانى بالنسبة إليه مكانًا للمنفى فقط، وإنما مساحة جديدة للعمل والحوار وتوقف عند مشروع «طرق الحرير» مع مسرح الرور، الذى تعامل فيه المسرح مع نفسه باعتباره وسيطًا للحوار بين الثقافات، بينما تحرك كرومى بين المسرح الألمانى والعراقى والعربى، مستفيدًا من معرفته العميقة بهذه الفضاءات، وأسهم فى تعريف المتلقى بالممارسة البريختية. 
وأشار إلى إحدى العبارات التى وجدها أثناء بحثه فى المصادر الألمانية عن كرومى، والتى وصفته بأنه سفير بين الثقافات، دافع عن الحوار، وأقام السلام، وجمع فنانين على بناء الجسور، معتبرًا أن كلمة «الجسور» تختصر الكثير من تجربة كرومى، خاصة فى ضوء مقولته المسرح لا يعيش إلا إذا دخل فى حوار مع قضايا الناس. 
وأضاف أن كرومى رحل منذ عشرين عامًا، ومع ذلك يجتمع المسرحيون من بلدان مختلفة للحديث عنه وإعادة قراءة تجربته واستعادة دروسه وعروضه ومواقفه، وهو ما يؤكد أن مشروعه المسرحى لم ينتبه برحيله. 
وأكد عليوى، أن عنوان الندوة «ردل الجميل» يحمل الكثير مما يريد المسرحيون قوله لعونى كرومى، إلا أن رد الجميل إليه لا يكون بمجرد تذكره، وإنما بإعادة قراءاته، ومن هنا تأتى هذه الندوة  التى يشارك فيها عدد من الباحثين والأساتذة والأصدقاء من العراق، ليقرأ كل منهم تجربة كرومى من زاوية مختلفة. 
محمد سيف: عونى كرومى كان يمشى بين طلابه وكأنهم أصدقاؤه. استهل الباحث والمخرج والممثل والدراماتورج والناقد المسرحى العراقى الدكتور محمد سيف، حديثه بالإشارة إلى عدد من الآباء المؤسسين للمسرح العراقى، ومن بينهم إبراهيم جلال، وجاسم العبودى، وقاسم محمد،وسامى عبد الحميد، مؤكدًا أن هؤلاء المخرجين والأساتذة علموًا أجيالًا من المسرحين أن المسرح علاقة إنسانية أولًا وقبل كل شىء. 
وقال سيف، إن الصفات الكثيرة التى ميزت عونى كرومى أنه كان دائمًا محاطًا بالطلبة، حتى إن يراه يمشى معهم لا يشعر بأنهم تلامذته، وإنما أصدقاؤه. وأضاف أنه عندما كان يزور كرومى فى تمرين مسرحى، كان يجد الممثل والمخرج والسينوغراف وصاحب الإضاءة يعملون معًا على العرض المسرحى، فى صورة تشبه المختبر المسرحى الحديث فى أوروبا. 
واستشهد سيف بتجارب مخرجين مثل: روبرت ويلسون، موضحًا أن بعض هذه التجارب لا تبدأ من النص بقدر ما تبدأ من الخشبة، ومن العلاقة بين عناصر العرض المختلفة، سواء العناصر الإنسانية أو المادية أو التقنية، مؤكدًا أن هذا هو ما كان عونى كرومى يعمل عليه منذ سنوات طويلة.
وأشار إلى أن هذا النوع من العلاقة بين المخرج وفرق العمل لم تكن له فى ذلك الوقت قراءات نقدية كثيرة، لكن كرومى كان يعمل بهذه الطريقة، ويتحرك مع الفنانين باعتباره واحدًا منهم، قائلًا إنهم كانوا يتعلمون منه بقدر ما كان يتعلم منهم. 
وأكد سيف أن تواضع كرومى لم يقلل من احترام الآخرين له، وإنما عمق حضوره، موضحًا أن هذا التواضع كان يصل إلى درجة تجعل من حوله يشعرون بالحرج أمام ما يطرحه من أفكار. 
وأضاف سيف، أن كرومى كان دائمًا يدفعه إلى النظر إلى ما هو أبعد حتى عند التعامل مع قصيدة شعبية عراقية، وهو ما كان يفعله بنفسه فى أعماله، ومن بينها “طبل الغرام” حيث لا يدرى المتلقى العراق بصورة مباشرة بكل تفاصيله، وإنما يرى الخوف والحرب والصراع والدمار، رغم أن المادة مرتبطة بنص بريخت المأخوذ عن شكسبير. 

رياض موسى سكران: عونى كرومى كان جسرًا لكل التناقضات.. وجسر للحوار مع الآخر
تحدث الدكتور رياض موسى سكران الأستاذ بكلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، غن تجربته مع أستاذه عونى كرومى، مؤكدًا أن مرور عشرين عامًا على رحيله لم ينه، بحسب وصفه، وكان يمثل جسرًا لكل التناقضات وجسرًا للحوار مع الآخر، قبل أن يتأسس مفهوم حوار الثقافات بين الدول والشعوب المختلفة، وصولًا إلى تأسيس حوار الإنسان مع ذاته. 
وأوضح سكران أن ورقته حملت عنوان”فتى الترنيمة يفترض التحليل” مستعيدًا من خلالها صورة عونى كرومى فى بداياته، ومشيرًا إلى أن تجربته ارتبطت منذ البداية بالشيخ العراقى والحنين والغربة ومكابدة الإنسان لأسئلته. 
وأضاف أن طلبة المسرح كانوا يجلسون فى زوايا وأركان البيت البغدادى، بينما يظهر كرومى وسط هذا الفضاء وكأنه روح تبحث عن ملاذ ومكان ووطن، مشيرًا إلى أن هذه الصورة ظلت مرتبطة فى ذاكرته بتجربة الراحل. 
وأكد أن كرومى كان، من خلال مجمل تجاربه يبوح ويؤشر ويكتب للقيم الإنسانية والمثيل العليا، ولذلك كان مسرحه، فى نظره “مسرح حياة”  
التجريب فى البدايات، وأوضح سكران أن ملامح رؤية كرومى بدأت تتبلور منذ شبابه المبكر، مع ميل واضح إلى أن التجريب، مشيرًا إلى أنه امتلك جرأة واندفاعًا دفعاه إلى إصدار بيان فى الإخراج والمسرح والتجارب المسرحية وهو دون العشرين من عمره، دعا فيه إلى التجريب والتجديد والتعاطى مع المناهج والرؤى الحديثة. 
وأوضح أن الجمهور لم يشعر بمرور الوقت خلال العرض بسبب التدفق الإيقاعى الذى شمل مجمل عناصر بنية العرض، مشيرًا كذلك إلى تجربة “الذباب والبرغوث” التى قدمها كرومى فى غرفة بلا خشبة، وجعل الجمهور يجلس على الأرض، بينما دار التمثيل حوله، مستخدمًا مفردات مسرحية بسيطة، من بينها شواهد القبور وغطاء أسود وبعض الحبال التى أوحت بخيمة. 
وأشار إلى أن فضاء العرض نفسه كان ضاغطًا من خلال مفردات مثل الأسلاك وأجهزة الراديو والتليفزيون والحسابات، وهى مفردات خلقت فى مجموعتها شعورًا بالاختناق لدى الجمهور، وضغطت عليه من كل جانب، ليدفعه ذلك إلى البحث عن خلاص روحه والاتجاه نحو الغربة والمنفى، وهو الهاجس الذى كان حاضرًا فى تجربة كرومى.

نورس عادل: كرومى امتلك مشروعًا مسرحيًا يتجاوز حدود التجربة الفردية. 
تحدث الدكتور نورس عادل، أستاذ النقد المسرحى بكلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، مؤكدًا فى البداية أنه يحمل أمانة من عائلة الراحل عونى كرومى، أرسلتها ابنته رؤى تتقدم بالشكر إلى المسرحيين فى مصر وإلى الشعب المصرى، ومن خلالهم إلى الدكتور سامح مهران والدكتور محمد سمير الخطيب، على هذا الموقف الذى وصفه بالنيل، لأنه يعيد التفكير فى الماضى والتاريخ، مؤكدا أن التاريخ والماضى هما المستقبل فى كل الأحوال. 
ورأى أن عونى كرومى ينتمى إلى هذه الفئة وأن الحديث عنه يقود إلى سؤال فلسفى معقد، فكما يصعب وصف جيل من بعيد لأن مفردات الجمال والجلال تتداخل كلما اقتربنا منه، فإن تجربة كرومى تتسع إلى درجة تجعل وصفها فى كلمات محدودة أمرًا شديد الصعوبة. 
المخرج والدراما تورج
وقال نورس عادل، إن القراءة المكثفة لتجربة كرومى دفعته إلى سؤال آخر: من هو عونى كرومى وسط هؤلاء الآباء المؤسسين؟ 
وأشار إلى أن أحد أسباب تشكل هذه الفكرة لديه هو دراسة كرومى فى ألمانيا، وفى بيئة ارتبطت بتجربة برتولت بريخت، إلى جانب عمله فى بغداد بصفة درماتورج ومساعد مخرج مع أستاذه الألمانى فيرنر، الذى حضر إلى بغداد وقدم عرضًا مسرحيًا هناك. 
وفى ختام كلمته، استعاد نورس عادل حضور مصر فى تجربة كرومى، مشيرًا إلى أنه فى العقد الأخير من حياته، وفى أحد كراسات المعرض والبوستر الموثق، وجه إلى مصر ثلاث مرات عبارة «شكرًا شكرًا لمصر».

جبار جودى: كل عرض لعونى كرومى كان مختلفًا عن الآخر
وعقب ذلك، تحدث الدكتور جبار جودى، نقيب الفنانين العراقيين، مستعيدًا جانبًا من علاقته بتجربة عونى كرومى، ومشيرًا إلى أنه حالفه الحظ فى أن يكون قريبا من بعض مشروعاته، خاصة فى عام 2002، عندما أسهم كرومى فى مجىء فرقة مسرح الرواد إلى بغداد، حيث قدمت أربعة عروض على مسرح الرشيد. 
وأشار جودى إلى أنه شاهد أربعة عروض مسرحية للراحل، كان أولها «صراخ الصمت الأخرس» الذى قدم عام 1986 على مسرح الستين كرسى، وبطولة رائد محسن ورضا ذياب، معتبرًا إياه واحدا من أكثر العروض التى أدهشته فى حياته. 

سامح مهران: مسرح الهناجر استضاف ثلاثة من أهم المخرجين العراقيين
وفى تعقيبه على الندوة، قال الدكتور سامح مهران، رئيس مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، إن مسرح الهناجر فى عصره الذهبى استضاف ثلاثة من أهم المخرجين العراقيين. 
وأوضح أن أول هؤلاء كان جواد الأسدى الذى قدم مسرحية «شباك وفيليا» ثم عونى كرومى الذى قدم «مأساة الحلاج» على مسرح الهناجر، ثم المخرج الكبير قاسم محمد الذى قدم «منطق الطير».
وأكد مهران أن علاقة المسرح المصرى بالمخرجين العراقيين كانت علاقة وطيدة وأصيلة، مشيرًا إلى أن معرفته الشخصية بعونى كرومى بدأت من خلال صديقه الذى درس معه فى ألمانيا، الدكتور يسرى خميس الذى وصفه بأنه أحد أهم عظماء المسرح المصرى، رغم أنه لم يحصل على ما يستحقه من تقدير. 
وأضاف أن يسرى خميس ترجم أعمال بيتر فايس كاملة، وأنه كان السبب فى تعرفه عن قرب إلى عونى كرومى. 
وأشار مهران إلى أن التعارف بينهما تحول منذ اللقاء الأول إلى صداقة، وإلى حوارات مسرحية وفكرية عميقة، مؤكدًا أن استعادة تجربة عونى كرومى فى القاهرة اليوم تؤكد عمق العلاقة التاريخية بين المسرح المصرى والمسرح العراقى،وتعيد فتح الحوار حول تجربة مخرج ترك أثرًا ممتدًا فى المسرح العربى.
 


تغريد حسن