حين يغيب الجسد، يبقى الأثر شاهدًا على رحلة فنان وهب عمره للفن الحقيقى، فهناك أسماء لا ترحل من الذاكرة، لأنها صنعت حضورًا تجاوز حدود الزمن، وكتبت تاريخها بالإبداع والصدق والإلتزام. ومن بين هذه الأسماء يظل الفنان المصرى، الذى ترك بصمة إنسانية وفنية خالدة لتظل سيرته مصدر إلهام للأجيال، وتبقى أعماله شاهدًا على موهبة استثنائية آمنت بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.. إنه الفنان القدير الغائب الحاضر عبدالعزيز مخيون. نظم المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، برئاسة المخرج عادل حسان، وبالتعاون مع المهن التمثيلية برئاسة الدكتور أشرف ذكى، وبإشراف قطاع المسرح برئاسة الدكتور أيمن الشيوى، احتفالية خاصة بعنوان «عبدالعزيز مخيون.. حضور السيرة»، وذلك يوم الثلاثاء الموافق 21 يوليو 2026، على خشبة المسرح القومى بالعتبة، احتفاء بمسيرة الفنان الكبير الراحل عبدالعزيز مخيون، أحد أبرز رموز المسرح والسينما والدراما المصرية، فى إطار حرص وزارة الثقافة على تكريم المبدعين الذين تركوا بصمات خالدة فى تاريخ الفن المصرى.أقيمت الاحتفالية تزامنًا مع ذكرى الأربعين لرحيل الفنان الكبير، وشهدت حضور عدد من الفنانين والمثقفين ومحبى الراحل، الذين حرصوا على المشاركة فى أمسية اتسمت بالوفاء واستعادة محطات مضيئة من مشواره الفنى والإنسانى الذى أمتد لعقود وقدم خلالها أعمالًا ستظل راسخة فى ذاكرة الجمهور، من بينهم د. أشرف ذكى نقيب المهن التمثيلية، الفنان القدير أيمن عزب وحرمه، الفنان القدير حسن العدل، الفنان القدير ياسر على ماهر، الفنانة القديرة عفاف شعيب، الفنانة القدير سلوى محمد على، الفنان يوسف إسماعيل، المخرج المسرحى أحمد إسماعيل، الفنانة الشابة يسرا اللوزى، الكاتب إبراهيم عبدالمجيد، الناقدة سامية حبيب، الناقد المسرحى محمد بهجت، الكاتب جرجس شكرى، الصحفى حاتم جمال الدين، وأسرة الراحل وأقاربه الذين حضروا من محافظة البحيرة. أكد المخرج عادل حسان، مدير المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية،أن الاحتفالية من ضمن استراتيجية المركز الرامية إلى الحفاظ على الذاكرة الفنية المصرية، وتوثيق مسيرة رموزها، وتعريف الأجيال الجديدة بما قدموه من إسهامات أثرت الحركة المسرحية والثقافية، مشيرًا إلى أن تكريم المبدعين يمثل فى جوهره تكريما لقيمة الفن المصرى ورسالة وفاء لمن صنعوا تاريخه. وأضاف أن الاحتفالية جاءت بمبادرة من أبناء الفنان الراحل، الذين شاركوا فى إعداد برنامجها، كما حظيت بدعم كبير من الدكتور أشرف ذكى، نقيب المهن التمثيلية، والدكتور أيمن الشيوى رئيس قطاع المسرح، وإيمانًا بأهمية الاحتفاء بقامات الفن المصرى، وتخليد سيرتهم الإبداعية. تضمن برنامج الاحتفال تقديم العرض الفنى «عبدالعزيز مخيون.. حضور السيرة» الذى كتبه الدكتور محمد أمين عبدالصمد، وصاغ موسيقاه وألحانه أحمد الناصر، غناء وإخراج الفنان ماهر محمود، وشارك فى تقديمه الفنان ياسر عزت، حيث استعرض العرض أبرز المحطات الفنية والإنسانية فى حياة الراحل، مستلهمًا مسيرته الحافلة بالعطاء، وما قدمه من أعمال تركت أثرًا عميقًا فى وجدان الجمهور. قال الفنان ماهر محمود مخرج الحفل، انطلقت رؤيتى الإخراجية من الحضور الإنسانى مستوحاة من عنوان العرض نفسه» حضور السيرة» كان مخيون فنانًا يهمس بقوة، يجسد الإنسان المصرى الذى حمل هموم القرية إلى المدينة، المثقف الذى عاش السياسة والفن بصدق، والممثل الذى يتقمص الشخصيات بعمق دون مبالغة.وتابع محمود، رؤيتى كانت مسرحية – سينمائية، تجمع بين خشبة المسرح القومى (رمز الدولة والتراث) وبين الذاكرة البصرية للشاشة. لم أريد احتفالية استعراضية صاخبة، بل مرثية تأملية تعيد إحياء الغائب الحاضر، استخدمنا الإضاءة الخافتة، نقطى ارتكاز للديكور يمين وشمال المسرح تشير إلى متعلقاته واهتماماته الصيد والكمانجة والعود وعشقه للطابع البدوى، تخيلتها انتقالات بطيئة لتخلق شعورًا بأن مخيون «يحضر» بيننًا دون أن يظهر جسديًا طوال الوقت، كأنه روح تتجسد فى ذاكرتنا الجماعية. وكشف ماهر محمود، حرصت على أن تكون الفقرات رحلة زمنية وليست سردًا تقليديًا، قسمنا العرض إلى محطات تعكس أبعاد شخصيته الريف والجذور بدأنا بمسرح الفلاحين الذى أسسه، مع شهادات ومقاطع تعبر عن التزامه بنقل الفن الجاد إلى القرية، الإخراج الموسيقى تذكر دراسته فى فرنسا وعمله مخرجًا مسرحيًا، الختام لحظة تأملية تجمع بين الفنان ياسر عزت ووفاء الحكيم ونبذة عن أعماله فى السينما والدراما مع موسيقى أحمد الناصر لتعبر عن «الإرث الحى». وتابع محمود، كل فقرة كانت مزيجًا من الأداء الحى+ المقاطع المصورة+ الشهادات، ليصبح العرض مرآة لمسيرته: فن يخدم الإنسان، لا العكس. أشار ماهر إلى أن اختيار المقاطع كان دراميًا أرشيفيًا، تعاونت مع كاتب النص د.محمد أمين عبدالصمد وقمت ببحث لإختيار مشاهد لا تظهر فقط المهارة التمثيلية، بل اللحظات التى تكشف عن جوهر الشخصية، تسجيلات من مسرح الفلاحين مواد شخصية محدودة (صور عائلية، لقطات من مقابلات) لتعزيز الجانب الإنسانى، تجنبنا الطول أو الاستعراض، كل مقطع يخدم سياقًا دراميًا فيه يتخللها غناء المطربة الآء الشربينى بصوتها الشجى خلال العرض الحى، ويدمج مع الإضاءة التى حققها المبدع عمرو حلمى والموسيقى لتصبح جزءًا من نسيج واحد. وختاما قال المخرج ماهر محمود، الهدف كان أن يخرج الجمهور وقد شاهد مخيون من جديد، لا أن يتذكره فقط كان العرض احتفاء بالذكرى الأربعين، يؤكد أن سيرته لا تنتهى برحيله، شكرا لكل من شارك فى إحياء هذا الإرث، ولروح الفنان الكبير الذى علم جيلًا كيف يكون الفن رسالة.قال الفنان ياسر عزت، إن الدافع الأكبر وراء مشاركته فى عرض عبدالعزيز مخيون كان رغبته الصادقة فى الإسهام بتكريم قامة فنية كبيرة أثرت الفن المصرى والعربى، مؤكدًا أن الفنان الراحل عبدالعزيز مخيون قد الكثير للفن، وبعد أحد أبرز الفنانين الذين يكن لهم التقدير والإعجاب. وأضاف عزت، أن الجانب الآخر الذى شجعه على المشاركة هو جودة السيناريو، موضحًا أنه كتب بحرفية شديدة وبأسلوب ملهم لمحبى الفنان الراحل، وهو ما منحه حماسًا كبيرًا لخوض التجربة والمشاركة فى هذا العمل التكريمى. وأوضح ياسر عزت، أنه كان يمتلك معلومات مسبقة عن الفنان عبدالعزيز مخيون ومسيرته الفنية، إلا أن موافقته على تجسيد الشخصية دفعته إلى البحث بشكل أعمق فحرص على مشاهدة لقاءاته التليفزيونية والتعرف على تفاصيل نشأته فى مدينة أبو حمص، وهو ما ساعده كثيرًا فى الاقتراب من الشخصية وتقديمها بصورة صادقة، مشيرًا إلى أن المخرج ماهر محمود كان له دور كبير فى توجيهه خلال مراحل العمل. وكشف عزت أنه لم تجمعه أى أعمال فنية سابقة بالفنان الراحل عبدالعزيز مخيون، رغم أنه كان يتمنى العمل معه يومًا ما، مؤكدًا أنه ينتمى فنيًا إلى المدرسة التى يمثلها مخيون، والتى تقوم على احترام الفن وتقديم أعمال ذات قيمة ورسالة. وأشار الفنان ياسر عزت، إلى أن الرسالة الأساسية التى يقدمها العرض تستهدف تعريف الأجيال الجديدة من الفنانين بقيمة الإصرار على تحقيق الحلم، مؤكدًا أن مسيرة الفنان الراحل عبدالعزيز مخيون تمثل نموذجًا ملهمًا لكل فنان يسعى تحقيق هدفه والتمسك بمبادئه، وأضاف أن مخيون لم يكن يقدم أعمالًا فنية لمجرد الظهور، بل كان حريصًا على أن تعبر أعماله عن هموم البسطاء وتعكس الواقع المصرى بكل صدق، وهو ما يجعل تجربته درسًا مهمًا لكل فنان يبحث عن فن يبقى فى وجدان الجمهور ويعيش معهم. وتابع عزت، أن أبرز المحطات الملهمة فى مسيرة الفنان الراحل تجربته المسرحية مع أهالى مسقط رأسه بمدينة أبو حمص، حيث قدم معهم عملًا تناول قضاياهم ومشكلاتهم، وشارك أبناء المنطقة أنفسهم فى التمثيل معتبرًا أن هذه التجربة تجسد المعنى الحقيقى للفن المرتبط بالمجتمع وتحمل رسالة إنسانية وفنية بالغة الأهمية. وأكد الفنان ياسر عزت، أن مشاركته فى عرض «عبدالعزيز مخيون.. حضور السيرة» تمثل أول تعاون له مع المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية فى تقديم عمل يوثق السيرة الذاتية لأحد رموز الفن المصرى، مشيدًا بالدور الكبير الذى يقوم به المركز فى تسليط الضوء على الفنانين من مختلف الأجيال، والحفاظ على تاريخهم الفنى.وأضاف عزت أنه، ومن خلال حواره مع المخرج عادل حسان، مدير المركز القومى للمسرح، تعرف على الجهود المبذولة لإنشاء أرشيف رقمي(ديجيتال) يوثق مسيرة أغلب الفنانين المصريين من خلال تسجيل جميع البيانات المتعلقة بهم وفى مقدمتها أعمالهم الفنية وبداياتهم الإبداعية. واستشهد بتجربة الفنان خالد الصاوى، التى تتضمن توثيق مسيرته منذ خطواته الأولى على خشبة المسرح الهناجر وصولًا إلى أبرز أعماله.واختتم عزت حديثه معربًا عن أمله فى أن يحظى بعد مشوار فنى طويل، بأن تكون سيرته ضمن أرشيف المركز، مؤكدًا أن المركز القومى للمسرح يقدم أنشطة ثقافية وفنية متنوعة، وأن ما يقدمه من جهود فى التوثيق والحفاظ على ذاكرة الفن المصرى بعد عملًا مهمًا وملموسًا يستحق كل التقدير. شارك المركز أيضا بمعرضًا فنيًا ضم مقتنيات الراحل الشخصية وألبوم الصور الخاصة بأهم أعماله الفنية سواء المسرحية والسينمائية والدراما. واختتمت الاحتفالية بالتأكيد على أن الفنان عبدالعزيز مخيون سيظل حاضرًا فى ذاكرة الفن المصرى بما قدمه من أعمال متميزة،وبما جسده من قيم فنية وإنسانية رفيعة، لتبقى سيرته مصدر إلهام للأجيال الجديدة من الفنانين والمبدعين.