مسرح الأقاليم وصناعة المستقبل الثقافى للأمة:حين طالعتُ مقال الكاتبة «سارة ريدجواى» عن المسرح الإقليمى فى المملكة المتحدة وأيرلندا، لم أتعامل معه بوصفه تقريرًا تعريفيًا عن عدد من المسارح المحلية أو استعراضًا لبعض التجارب الفنية الناجحة، بل قرأته باعتباره دفاعًا ضمنيًا عن أحد أهم المفاهيم الثقافية فى التاريخ المسرحى الحديث: حق المجتمع فى إنتاج ثقافته من داخل بيئته المحلية، لا باعتباره متلقيًا سلبيًا لما يُنتج فى العواصم الكبرى.يكشف المقال منذ بدايته عن معضلة تاريخية صاحبت الحركة المسرحية فى معظم دول العالم، وهى مركزية الإنتاج الثقافى والفنى فى العواصم. فكما تمثل لندن القلب النابض للمسرح البريطانى بما تضمه من مسارح ويست إند الشهيرة، عرفت دول كثيرة الظاهرة ذاتها حين تركزت المؤسسات الثقافية الكبرى فى المدن المركزية، بينما ظلت الأقاليم تنتظر ما يفيض عن المركز من اهتمام أو موارد. غير أن القيمة الحقيقية للمقال تكمن فى تأكيده أن المسرح الإقليمى ليس بديلًا هامشيًا للمسرح المركزى، بل هو شريك أساسى فى صناعة الثقافة الوطنية وصياغة الوعى الجمالى للمجتمع.ومن خلال الأمثلة التى تستعرضها الكاتبة، يتضح أن المسرح الإقليمى يؤدى وظيفة تتجاوز تقديم العروض الفنية إلى صناعة الفنان نفسه. فالأسماء اللامعة التى أصبحت لاحقًا جزءًا من المشهد المسرحى والسينمائى البريطانى لم تولد داخل المؤسسات المركزية الكبرى، بل بدأت خطواتها الأولى فوق خشبات المسارح المحلية. وهنا تتجلى إحدى الحقائق المهمة فى تاريخ الفنون: فالموهبة لا تنشأ فى العاصمة، وإنما تكتشفها المؤسسات القادرة على الرعاية والاحتضان أينما وُجدت.ولعل أكثر ما استوقفنى فى المقال هو الإشارة إلى نظام الفرق المسرحية المقيمة الذى كان سائدًا فى كثير من المسارح الإقليمية. فهذا النظام لم يكن مجرد آلية إنتاج، بل كان مدرسة متكاملة لتكوين الفنان. إذ أتاح للممثلين الشباب الاحتكاك اليومى بالمهنة واكتساب الخبرة العملية عبر التنقل بين أنماط درامية متعددة خلال الموسم الواحد. ومن هنا يمكن القول إن المسرح الإقليمى لم يكن مصنعًا للعروض المسرحية فحسب بل كان مصنعًا للكوادر الفنية التى صنعت لاحقًا مجد المسرح البريطانى كله.كما يلفت المقال النظر إلى البعد الديمقراطى للمسرح الإقليمى. فالفن، فى جوهره، لا ينبغى أن يكون امتيازًا جغرافيًا أو طبقيًا. وعندما يصبح الوصول إلى المسرح مرهونًا بالقدرة على السفر إلى العاصمة أو تحمل التكاليف المرتفعة، فإن الثقافة تتحول إلى سلعة نخبوية تفقد رسالتها الاجتماعية. لذلك فإن وجود مسرح محلى فى كل إقليم يمثل تجسيدًا عمليًا لمبدأ العدالة الثقافية، لأنه يمنح أبناء المناطق البعيدة الحق نفسه فى مشاهدة العروض المسرحية والتفاعل معها.ومن منظور نقدى أوسع، أرى أن أخطر ما يمكن أن تواجهه أى أمة هو انقطاع الأجيال الجديدة عن التجربة المسرحية الحية. فالطفل الذى يشاهد عرضًا مسرحيًا للمرة الأولى لا يكتسب متعة جمالية فقط، بل يختبر شكلًا فريدًا من أشكال التواصل الإنسانى القائم على الحضور المباشر. ولهذا فإن ما يورده المقال عن الورش الفنية والبرامج التعليمية التى تنظمها المسارح الإقليمية يكشف عن دور تربوى بالغ الأهمية. فهذه المسارح لا تنتج جمهور الحاضر فقط، بل تصنع جمهور المستقبل أيضًا.ويكشف المقال كذلك عن جانب آخر كثيرًا ما يغيب عن النقاشات الثقافية، وهو أن المسرح الإقليمى يمثل بيئة خصبة للتجريب الفنى. فعلى عكس المؤسسات المركزية التى تخضع أحيانًا لضغوط السوق ومتطلبات النجاح التجارى، تمتلك بعض المسارح المحلية قدرًا أكبر من الحرية يسمح لها بالمغامرة الفنية وتقديم نصوص جديدة وأشكال إخراجية مبتكرة. ومن هنا فإن كثيرًا من الأعمال التى وصلت لاحقًا إلى مسارح لندن الكبرى بدأت حياتها الإبداعية فى فضاءات إقليمية أقل صخبًا وأكثر استعدادًا للمخاطرة.كما تؤكد الكاتبة أن المسرح الإقليمى يسهم فى بناء شبكات مهنية متماسكة بين الممثلين والمخرجين والكتاب المسرحيين. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الفن لا ينمو فى الفراغ، بل داخل منظومات من العلاقات المهنية والمعرفية. وكلما اتسعت هذه الشبكات داخل الأقاليم أصبحت الحركة المسرحية أكثر قدرة على الاستمرار بعيدًا عن الاحتكار الذى تمارسه المراكز الكبرى.غير أن أهم ما يثيره المقال فى تقديرى هو قضية التمويل. فالتحديات الاقتصادية التى تواجه المسارح المحلية ليست مجرد أزمة مالية، بل هى فى حقيقتها أزمة رؤية ثقافية. فحين يُنظر إلى المسرح باعتباره نشاطًا ترفيهيًا يمكن الاستغناء عنه عند الأزمات، يصبح وجوده مهددًا باستمرار. أما إذا أدركت الدولة والمجتمع أن المسرح مؤسسة تربوية وثقافية وتنموية لا تقل أهمية عن المؤسسات التعليمية، فإن دعمه يصبح استثمارًا طويل الأمد فى الإنسان نفسه.إن قصة مسرح أولدهام كولوسيوم التى يوردها المقال تكشف بوضوح حجم الارتباط الوجدانى بين المسرح ومجتمعه المحلى. فالمسارح ليست مبانى حجرية أو قاعات عروض، بل هى جزء من الذاكرة الجماعية للمدن والأقاليم. ولذلك فإن إغلاق أى مسرح محلى لا يعنى فقدان مؤسسة ثقافية فقط، بل يعنى انقطاع جزء من السيرة الثقافية للمكان.ومن خلال هذه القراءة أرى أن القيمة الحقيقية لمقال سارة ريدجواى لا تكمن فى المعلومات التى يقدمها عن عدد من المسارح البريطانية والأيرلندية، وإنما فى تأكيده أن المسرح الإقليمى يمثل البنية التحتية الحقيقية للفن المسرحى. فالعواصم قد تصنع النجوم، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الحركة المسرحية. أما الأقاليم فهى التى تمد المسرح باستمرار بالمواهب الجديدة والجمهور الجديد والأفكار الجديدة.ولذلك فإن مستقبل المسرح لا يُقاس فقط بما يحدث فوق خشبات المسارح الكبرى فى العواصم، بل بما يحدث فى تلك المدن البعيدة التى يلتقى فيها الفن بالحياة اليومية للناس. هناك، فى مسارح الأقاليم، يتجدد دم المسرح باستمرار، وتتجدد علاقته بالمجتمع، ويظل الفن قادرًا على أداء رسالته بوصفه فعلًا ثقافيًا وإنسانيًا وجماليًا يتجاوز حدود المركز ليحتضن الوطن كله.