العدد 979 صدر بتاريخ 1يونيو2026
افتتحت أكاديمية الفنون فعاليات الندوة العلمية الدولية «الألعاب الشعبية والهوية الإنسانية» بقاعة ثروت عكاشة للمؤتمرات تحت شعار «كلنا نلعب.. كلنا إنسان»، وذلك برعاية وحضور الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن، رئيسة أكاديمية الفنون، وبإشراف الأستاذة الدكتورة إيمان مهران، المشرف العام على وحدة المؤتمرات ومقرر الندوة، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمهتمين بالتراث والثقافة الشعبية.
وانطلقت فعاليات اليوم العلمى فى تمام العاشرة صباحًا بالسلام الجمهورى، أعقبته كلمة افتتاحية للأستاذة الدكتورة نبيلة حسن، أكدت خلالها أن أكاديمية الفنون تعمل فى هذه المرحلة على ترسيخ العديد من المشروعات التى تتسع فيها الرؤية لدور الأكاديمية بوصفها مؤسسة معنية بخدمة المجتمع، مشيرة إلى تبنيها الفكرة التى تقدمت بها مديرة وحدة المؤتمرات بهدف تنشيط العمل المشترك بين المعاهد المختلفة. كما أوضحت أن تطوير منظومة العمل داخل الأكاديمية يهدف إلى فتح آفاق جديدة للعمل والإبداع، مع الحفاظ على الدور الكبير الذى تضطلع به الأكاديمية فى تخريج أجيال من الفنانين المتميزين.
وأكدت رئيسة الأكاديمية أن الاهتمام بالألعاب الشعبية يأتى فى إطار دعم الفنون الشعبية الذى تقوم به الأكاديمية من خلال المعهد العالى للفنون الشعبية، وبمشاركة نخبة من الأساتذة المتخصصين، وفى مقدمتهم الأستاذة الدكتورة إيمان مهران مقرر الندوة. كما شددت على استعدادها للعمل على تنفيذ المقترحات والتوصيات التى ستخرج بها الندوة، مشيرة إلى وجود تنسيق كامل مع وزارة الثقافة، وموجهة الشكر إلى معالى وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكى، وإلى الدعم الذى تقدمه الدولة لمنظومة العمل الثقافى والفنى.
من جانبها، استعرضت الأستاذة الدكتورة إيمان مهران فى كلمتها محاور الندوة وأهدافها، مؤكدة أهمية إعادة الاعتبار لمفهوم «الإنسان اللاعب» بوصفه المختبر الأول لتشكيل الهوية الفردية والجماعية، وما تمثله الألعاب الشعبية من وعاء ثقافى وإنسانى يعكس قيم المجتمعات وتاريخها. وأوضحت أن الحديث عن الألعاب التقليدية أو الشعبية فى العالم العربى يمثل ملفًا شديد الأهمية، وأن شعار الندوة «كلنا نلعب.. كلنا إنسان» يرتبط ارتباطًا وثيقًا بموضوع الهوية الإنسانية، وهو جزء من كتابها «الألعاب والهوية الكونية» الذى تناول القيم الإنسانية التى تبثها الألعاب، وفى مقدمتها العدالة والتسامح والشراكة المجتمعية.
وأضافت أن الألعاب الشعبية أسهمت عبر التاريخ فى تقديم نماذج للموهبة والعمل الجماعى، وكانت روابط اجتماعية تجمع النشء وتُرسخ قيم الأخوة والانتماء، مؤكدة أهمية تنظيم ملتقيات دولية متخصصة فى الألعاب الشعبية، خاصة بمحافظة الجيزة بما تضمه من مواقع حضارية عالمية مثل الأهرامات والمتحف المصرى الكبير. كما أشارت إلى أن هذه الألعاب تُسهم فى تحقيق الوحدة والعدالة الاجتماعية، وتجمع أبناء المجتمع بمختلف فئاته فى إطار إنسانى واحد، مؤكدة أن ملف الألعاب كان يجمع فى الماضى الإقليم العربى من خلال الجمعية العربية للألعاب التقليدية، وأن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة النظر فى هذا الملف وإحيائه من جديد تحت مظلة المؤسسات العلمية والثقافية، وعلى رأسها أكاديمية الفنون.
وقدمت الدكتورة إيمان مهران الشكر للأستاذة الدكتورة نبيلة حسن على رعايتها للندوة وموافقتها على تبنى هذا الملف، كما أعربت عن تقديرها لمسرحية «لعب ولعب» التى استلهمت شعار الندوة، وهى من تأليف وإخراج الأستاذ الدكتور حسام عطا، مؤكدة أهمية ما تطرحه المسرحية من دعوة لإعادة النظر فى الألعاب الشعبية وإحيائها قبل اندثارها، مع إبراز دور المسرح المصرى فى استلهام هذا التراث وتقديمه للأجيال الجديدة.
وفى لفتة إنسانية راقية، شهدت الجلسة الافتتاحية وقفة وفاء لتكريم المؤلف والمخرج الأستاذ الدكتور حسام عطا، مخرج مسرحية «لعب ولعب»، تقديرًا لمسيرته الإبداعية وإسهاماته المتميزة فى توظيف الموروث الشعبى داخل الفضاء المسرحى، وربط الفن بجذوره الإنسانية والثقافية، كما شهدت الندوة حضورًا لافتًا تقدمه الأستاذ الدكتور خلف الميرى، أستاذ التاريخ الحديث والمؤثر التاريخى بالمجلس الأعلى للثقافة، إلى جانب اللواء أحمد ونيس، وعدد من الأساتذة والباحثين والمتخصصين فى مجالات التراث والفنون والعلوم الإنسانية.
وفى كلمته، وجّه الدكتور حسام عطا الشكر إلى الدكتورة نبيلة حسن، معربًا عن سعادته بحضور اللواء أحمد ونيس، الذى وصفه بأنه قيمة معرفية ووطنية كبيرة أسهمت فى تعليم أجيال متعاقبة تاريخ وتراث مصر، مؤكدًا أن أمثال هذه الشخصيات يضعون مصر دائمًا فى ضميرهم ووجدانهم. كما رحب بالدكتور خلف الميرى، أستاذ التاريخ الحديث، واصفًا إياه بأنه أستاذ الأجيال والمثقف المصرى الفاعل وصاحب الإسهامات الفكرية والعلمية البارزة.
ورحب عطا كذلك بالحضور من المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافى، معربًا عن امتنانه للدكتورة نبيلة حسن لاستجابتها للدعوة رغم مسئولياتها المتعددة، وحرصها على مد جسور التواصل بين أكاديمية الفنون والعمل الميدانى من خلال حضورها عرض مسرحية «لعب ولعب»، مؤكدًا اعتزازه بتقديرها للعمل وتكريم أبطاله، وكذلك بتكريمه داخل بيته الأكاديمى، أكاديمية الفنون.
كما وجّه الشكر إلى الدكتورة إيمان مهران لإشرافها على ندوة الألعاب الشعبية، مشيرًا إلى أن التطور التكنولوجى المتسارع وما صاحبه من انشغال الأطفال بالأجهزة اللوحية دفعه إلى البحث عن حلول تعيد الأطفال إلى مساحات التفاعل الإنسانى والاجتماعى، فوجد فى العودة إلى الألعاب والأغانى الشعبية التى مارسها الأطفال فى الشوارع والحارات قديمًا مدخلًا مهمًا لاستعادة هذه الروابط.
وأوضح أنه خلال بحثه عثر على كتاب للدكتورة بهيجة حافظ يجمع بين اللعبة والموسيقى والحركة والكلمات، وقد أُنجز بتكليف من جامعة شيكاغو، مؤكدًا أن دراسة ألعاب الأطفال تمثل مدخلًا مهمًا لفهم المجتمع واستشراف مستقبل سلوك أفراده، انطلاقًا من أن طريقة لعب الأطفال تكشف الكثير عن القيم التى يتشكل عليها وعى الأجيال القادمة.
وأوضح الدكتور حسام عطا أن دراسة ألعاب الأطفال تمثل مدخلًا مهمًا لفهم المجتمع واستشراف مستقبل سلوك أفراده، مشيرًا إلى أنه عثر على كتاب الدكتورة بهيجة حافظ بدار الكتب والوثائق القومية، وبدأ العمل من خلال اختيار سبع أغانٍ شعبية رأى أنها الأقرب إلى وجدان الأطفال فى الوقت الراهن. إلا أنه فوجئ بأن كثيرًا من الأطفال لم يعودوا يعرفون تلك الألعاب والأغانى الشعبية، بعدما أصبحت مصادر الترفيه والتنشئة مرتبطة بعالم الأفلام المدبلجة والألعاب الإلكترونية والثقافة الرقمية التى تحيط بالأطفال من مختلف الاتجاهات. وأضاف أن هذا الجيل نشأ فى ظل الثقافة الرقمية بكل ما تحمله من تأثيرات، الأمر الذى يجعل من الضرورى البحث عن وسائل تعيد الطفل إلى جذوره الثقافية والاجتماعية.
واختتم حديثه مثمنًا ما وصفه بالملاحظة الدقيقة والاهتمام الحقيقى بقضايا الطفولة والهوية الوطنية، مشيرًا إلى توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال احتفالات عيد الشرطة للمجلس القومى للطفولة والأمومة والمؤسسات المعنية، بضرورة حماية الأطفال من مخاطر الهيمنة المتزايدة للثقافة الرقمية. كما أوضح أن فكرة «كلنا نلعب.. كلنا إنسان» جاءت امتدادًا لما طرحه فى مقالاته الصحفية وما تناوله كتاب الدكتورة إيمان مهران حول الألعاب الشعبية، مؤكدًا أن اللعب يمثل بوابة للعدالة الاجتماعية، حيث يلتقى أبناء مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية فى مساحة إنسانية واحدة تذيب الفوارق وتُرسخ قيم الانتماء والوحدة الوطنية. وأضاف أن اللعب يظل عالمًا للتجربة والخيال والوعى والمعرفة، وأداة حقيقية لاستعادة الطفل المصرى لهويته الثقافية والوطنية.
كما أعرب الفنان منير مكرم عن سعادته بالتكريم، مشيرًا إلى أنها المرة الثانية التى يُكرَّم فيها بعد خمسة وثلاثين عامًا من العمل الفنى، وهو ما يمثل له مصدر فخر واعتزاز. وأوضح أن مسرحية «لعب ولعب» تحمل فى ختامها رسالة سلام ومحبة من أطفال العالم إلى كبار العالم، تدعو إلى نبذ الحروب والأسلحة والدمار والقنابل، وإعلاء قيم التعايش والسلام بين الشعوب.
ومن جانبه، أعرب اللواء أحمد ونيس عن سعادته بالمشاركة فى جلسات الندوة، موجّهًا الشكر للقائمين عليها على هذه الدعوة الكريمة. وأكد أن الكلمات التى ألقاها الدكتور حسام عطا والفنان منير مكرم أوضحت بجلاء الرسالة الإنسانية التى تحملها مسرحية «لعب ولعب»، مشيرًا إلى أن بناء الإنسان يأتى اتساقًا مع مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسى «بداية»، التى تستهدف تنمية الإنسان المصرى فى مختلف مراحل حياته، بدءًا من الطفولة المبكرة مرورًا بمرحلة الشباب وصولًا إلى كبار السن. كما ثمّن الجهود المبذولة لتنفيذ هذه المبادرة على أرض الواقع، معربًا عن أمله فى أن تحقق أهدافها فى بناء الإنسان المصرى وتعزيز وعيه وانتمائه.
وتضمنت فعاليات الندوة عددًا من الجلسات العلمية والأوراق البحثية التى تناولت الألعاب الشعبية من زوايا أنثروبولوجية واجتماعية وفنية متعددة، حيث ناقش المشاركون دور هذه الألعاب فى بناء الهوية الثقافية وتعزيز التماسك المجتمعى ونقل القيم والمعارف بين الأجيال، إلى جانب استعراض نماذج وتجارب بحثية من بيئات ثقافية مختلفة.
واختُتمت فعاليات الندوة بالتأكيد على أهمية توثيق الألعاب الشعبية وحمايتها بوصفها جزءًا أصيلًا من التراث الثقافى غير المادى، مع الدعوة إلى تعزيز الدراسات والبرامج البحثية المعنية بالموروث الشعبى، بما يسهم فى ترسيخ الهوية الإنسانية والحفاظ على لذاكرة الثقافية للأجيال القادمة.