العدد 978 صدر بتاريخ 25مايو2026
شهدت كلية دار العلوم بجامعة المنيا مناقشة رسالة دكتوراه بقسم الدراسات الأدبية، مقدمة من الباحثة رحاب البدرى محمود السيد، بعنوان: «تطور تقنيات الكتابة المسرحية فى مصر من 1973م، حتى نهاية العقد الأول من الألفية الثانية.. دراسة فى نماذج مختارة».
وتكوّنت لجنة الحكم والمناقشة من:
ا.د. محمد عبدالله حسين، أستاذ الأدب والنقد الحديث المتفرغ بقسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم - جامعة المنيا، مشرفًا ورئيسًا، ا.م.د.أحمد مصطفى صبرى مجاهد، أستاذ الدراما والنقد المسرحى المساعد المتفرغ بقسم الدراما والنقد المسرحى بكلية الآداب - جامعة عين شمس، مناقشًا، وا.م.د. سهير محمد سيد حسانين أستاذ الأدب العربى الحديث المساعد بقسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم - جامعة المنيا، مناقشًا.
وأُجريت المناقشة صباح الخميس الموافق 14 مايو 2026، بقاعة المناقشات بكلية دار العلوم. وحصلت الباحثة على تقدير عام مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بنشر الرسالة وتداولها بين الجامعات المصرية.
المسرح بوصفه منظومة متكاملة
انطلقت الدراسة من رؤية تعتبر المسرح منظومة متكاملة من التقنيات المرئية والمسموعة، التى تتشكل من مجموعة عناصر إبداعية وموضوعية، مؤكدة أن التقنيات المسرحية لا تُعد قيما مطلقة جامدة، بل تمثل إبداعًا متعددًا ومتجددًا.
وأوضحت الباحثة أن علاقة النص المسرحى بالمجتمع وما يطرأ عليه من متغيرات، إلى جانب تطور المسرح بوصفه فنا ذا آفاق جمالية، أسهمت فى تشكيل تقنيات النص المسرحى وتطويرها، بما يتناسب مع التحولات الشكلية والموضوعية الجديدة، حيث أصبح المسرح أكثر بحثًا عن المختلف وغير المألوف، سواء على مستوى الرؤية أو الأداة.
كما أشارت الدراسة إلى أن كتّاب المسرح سعوا إلى مواكبة التحولات المجتمعية والسياسية والثقافية، وكسر القواعد المتوارثة، وابتكار صيغ إبداعية جديدة، الأمر الذى أسهم فى تطور تقنيات الكتابة المسرحية عبر مراحل مختلفة.
وأكدت الباحثة أن هذا التطور قام على مبدأين أساسيين؛ أولهما تجاوز الشكل الغربى التقليدى عبر البحث عن مسرح جديد شكلًا ومضمونًا، وثانيهما إرادة الخلق والإبداع بما يتناسب مع الهوية العربية، مشيرة إلى أن لكل ثقافة خصوصيتها الفنية والجمالية، كما أن لكل كاتب أسلوبه الخاص فى بناء النص المسرحى.
أهداف الدراسة
أوضحت الدراسة أن أهميتها تكمن فى رصد تطور تقنيات الكتابة المسرحية فى مصر، بالتتبع والتحليل، على مدى ما يقرب من أربعة عقود، بما يمثل تأريخًا يؤصل للنص المسرحى المصرى.
كما هدفت إلى الكشف عن التقنيات التى أسهمت فى عرض الظواهر المجتمعية داخل مسرحيات الفصل الواحد، والتطرق إلى القضايا الجديدة التى تناولها الكتّاب والاتجاهات المسرحية التى تأثروا بها.
وسعت الدراسة كذلك إلى إبراز الإفادة المتبادلة بين المسرح والأجناس الأدبية الأخرى، من خلال ظاهرة التداخل الأجناسى وتلاقح النصوص، والتى نتج عنها ظهور نصوص تحمل تقنيات هجينة ومتنوعة.
بناء الدراسة ومحاورها
جاءت الدراسة فى مقدمة وتمهيد وأربعة فصول، أعقبتها خاتمة وثبت بالمصادر والمراجع وملخصان عربى وأجنبى.
وضمت المقدمة موضوع الدراسة وأسباب اختيارها وأهدافها والمنهج المتبع والدراسات السابقة، فيما تناول التمهيد نظرة تاريخية عامة حول تقنيات الكتابة المسرحية ومفهومها وأهميتها، إلى جانب عرض موجز لمراحل تطور تقنيات الكتابة المسرحية فى مصر خلال الفترة محل الدراسة.
وجاء الفصل الأول بعنوان: «تقنيات مسرحيات الفصل الواحد»، واشتمل على ثلاثة مباحث هى:
تقنيات السوسيو دراما فى المسرحية الاجتماعية، وتقنيات السيكو دراما فى المسرحية النفسية، وتقنيات الميثولوجيا فى المسرحية الأسطورية.
أما الفصل الثانى فجاء بعنوان: «تطور المضمون الفكرى والاتجاهات المسرحية»، وضم ثلاثة مباحث تناولت الاتجاه العبثى والقضايا الاجتماعية، والاتجاه الملحمى والقضايا السياسية، والاتجاه التجريبى والقضايا المركبة.
وحمل الفصل الثالث عنوان: «التداخل الأجناسى ومسرحة النصوص»، وتناول مسرحة التراث، ومسرحة القصة، ومسرحة الرواية.
فيما جاء الفصل الرابع بعنوان: «انفتاح النص المسرحى على الأجناس الأدبية»، وتناول الحوارية وانفتاح المسرح على القصة، والبانتومايم وانفتاح المسرح على المشهد الصورى، والمسرواية وانفتاح المسرح على الرواية.
أبرز نتائج الدراسة
خلصت الدراسة إلى أن مسرحيات الفصل الواحد كشفت عن تأثر الكتّاب بالنظريات الحديثة، وتوظيف تقنياتها بما يتناسب مع القضايا المطروحة.
وأوضحت أن السوسيو دراما نجحت فى وصف الظاهرة الاجتماعية عبر تقنيات مثل «قلب الدور» و«التمثل» و«الاستبصار الجماعي»، بينما عبّرت السيكو دراما عن الحالات النفسية والمرضية للشخصيات، من خلال تقنيات مثل التمثل، ولعب الأدوار، والتداعى الحر، والاستيهام، والتقارير النفسية، والاعترافات، وتقنية البديل، وفنية المرآة.
كما كشفت الدراسة عن حضور واضح لتقنيات الميثولوجيا فى المسرح الأسطورى، خاصة ما يتعلق بالعجائبى والمبالغة.
وأكدت النتائج أن كتّاب المسرح المصرى استطاعوا تناول قضايا عصرهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، مثل الاغتراب والانفتاح والعدالة والانتظار والبعث، مع تأثرهم بالاتجاهات العبثية والملحمية والتجريبية.
وأشارت الدراسة إلى أن المسرح العبثى عبّر عن اغتراب الإنسان المعاصر وعجزه، بينما لجأ المسرح السياسى إلى التاريخ للإسقاط على الواقع، عبر توظيف تقنيات التغريب وكسر الإيهام والنزعة التعليمية.
كما أوضحت أن المسرح التجريبى مزج بين تقنيات المسرح الغربى والمسرح الشعبى القائم على الكوميديا والتهكم والارتجال، وهو ما أدى إلى تعدد القضايا داخل النص الواحد وكسر التسلسل المنطقى التقليدى.
وأكدت الدراسة أن التداخل الأجناسى مثّل أحد أبرز مظاهر التطور فى الكتابة المسرحية، من خلال ظاهرة «المسرحة» التى تقوم على تحويل النصوص السردية إلى عروض مسرحية، عبر الحذف والإضافة والتحويل.
وأوضحت أن مسرحة التراث أعادت إنتاج النصوص التراثية برؤية معاصرة، بينما اقتربت مسرحة القصة من «مسرحة الذكريات» عبر توظيف المونودراما والمشهد السردى والاسترجاعى، فى حين اعتمدت مسرحة الرواية على تحويل السرد إلى فعل درامى باستخدام الحوار المباشر والمونولوج والفلاش باك.
كما تناولت الدراسة مفهوم انفتاح النص المسرحى على الأجناس الأدبية الأخرى، مؤكدة أن الحوارية مثلت شكلًا من أشكال انفتاح المسرح على القصة، بينما اعتمد البانتومايم على لغة الجسد والصمت فى خلق الدلالات البصرية، وقدمت المسرواية نموذجًا للمزج بين تقنيات المسرح والرواية عبر تعدد الرواة والمشاهد السردية.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن تقنيات الكتابة المسرحية فى مصر شهدت تطورًا ملحوظًا على مستويى الشكل والمضمون خلال الفترة محل الدراسة، حيث سعى الكتّاب إلى تطوير أدواتهم الفنية ومعالجة القضايا الراهنة، بما منح النص المسرحى المصرى ثراءً دلاليًا وتنوعًا أسلوبيًا.