العدد 975 صدر بتاريخ 4مايو2026
يقدم المخرج محمد زغلول، تجربة إنسانية عميقة، تغوص فى صراع النفس بين الحب والانتقام، برؤية بصرية مكثفة فى العرض المسرحى «خالتى صفية والدير»، ليترك جمهوره بين تساؤلات تعكس تناقضات النفس البشرية، مابين مشاعر الحب والغفران والألم والانتقام.
والعرض تجربة نوعية، لبيت ثقافة بولكلى بالإسكندرية، قدم الأسبوع الماضى للجمهور فى نادى أصحاب الجياد بسموحة، وذلك ضمن عروض الموسم الحالى للإدارة العامة للمسرح 2025/2026، والتقينا بالمخرج وفريق العرض لنتعرف على تفاصيل تجربتهم المسرحية الجديدة.
محمد زغلول: «خالتى صفية والدير».. دراما مكثفة تُقدم التناقض الحاد بين عالمين.
قال المخرج محمد زغلول: أقدم عرض «خالتى صفية والدير.. حجر القلب»، عن رواية الأديب الكبير بهاء طاهر، برؤية درامية مكثفة لصراع إنسانى عميق بين الانتقام والغفران، وذلك فى سياق يحمل ملامح وسمات الواقع المصرى.
من الحب إلى الثأر
وتدور الأحداث حول «صفية»، المرأة التى يتحول حبها الجارف إلى رغبة مشتعلة فى الثأر، بعد سلسلة من الصدمات التى تعصف بحياتها، لتدخل فى مواجهة مفتوحة مع «حربى»، الرجل الذى يجد نفسه محاصرًا بخطيئته وبمطاردة لا تنتهى، وفى هذا الإطار، يقف «الدير» لا كمكان فقط، بل كرمز للسلام الداخلى، والخلاص، وإمكانية الغفران.
معالجة بصرية ورمزية
وتابع المخرج: يعتمد العرض على معالجة بصرية ورمزية، تُبرز التناقض الحاد بين عالمين: عالم تحكمه القسوة والانتقام، وآخر يسعى نحو الصفاء والتسامح ويقدم العرض، من خلال أداء تمثيلى مكثف وتصميم بصرى قائم على الضوء والظل، مجموعة من التساؤلات الجوهرية: هل يمكن للإنسان أن ينتصر لحقه دون أن يفقد إنسانيته.. وهل الغفران ضعف أم القوة الحقيقية؟
«خالتى صفية والدير» رحلة إنسانية تكشف صراع الإنسان بين الخطأ والخلاص
أحمد سمير: أنا «حربى» أحمل تناقضات فى داخل كل إنسان
وقال الفنان أحمد سمير، أقدم شخصية «حربي»، والتى تقوم على بُعدين أساسيين شكّلا محور تفكيرى فى بنائها؛ الأول هو الإحساس العميق بالذنب نتيجة خطأ قديم، والثانى نظرته إلى «صفية» بوصفها تلك الطفلة التى تربّت فى بيت الحاج طاهر بعد أن تولّى رعايتها، ومن هنا ينشأ صراع داخلى مركب، بين ما يشعر به «حربي» فى الحاضر، وما ترسّخ داخله من صورة قديمة لها، وانطلاقًا من ذلك، حرصت على تقديم «حربي» بوصفه إنسانًا طبيعيًا، لا شخصية شريرة على الإطلاق، ولكنه نموذجًا يحمل التناقضات التى تكمن فى داخل كل إنسان؛ فهو فى كثير من تصرفاته يبدو فارسًا نبيلًا، لكنّه فى النهاية يظل بشرًا يخطئ ويصيب.
«حربي» أمام اختبار إنسانى شديد التعقيد
وتابع «سمير»: تتفاقم حيرة«حربي» حين يطلب منه خاله «القنصل» أن يساعده فى الزواج من «صفية»، وهو ما يضعه أمام اختبار إنسانى شديد التعقيد، بين واجبه العائلى ومشاعره المتداخلة، لذلك، كانت هذه التناقضات جميعها هى المفتاح الحقيقى لتقديم الشخصية، ومحاولة الكشف عن أبعادها النفسية والإنسانية على خشبة المسرح.
رضوى العبادى: «صفية» شخصية ذات تحولات سريعة ومكثفة
وتوضح الفنانة رضوى العبادى: شخصية «صفية» من الشخصيات الدرامية الصعبة، لتعدد مراحلها وتباينها الحاد؛ وفى العرض تمر بتحولات سريعة ومكثفة، وشكل ذلك تحديًا كبيرًا لى فى الأداء التمثيلى، ولذا، حرصت أثناء التحضير للشخصية على معالجة هذه الانتقالات بإضافة تفاصيل دقيقة تساعد فى توضيح كل مرحلة، بحيث تكون مفهومة ومقنعة للجمهور.
نهاية غير عادلة للحب
وأضافت «رضوى»: لا يمكننى وصف «صفية» بأنها شخصية شريرة بطبعها، لكنها على العكس، هى إنسانة تضعف أمام مشاعرها، وقلبها الذى لم يحتمل هذا القدر الكبير من الحب الذى تكنّه لـ«حربي»، خاصة حين لم تجد لهذا الحب نهاية عادلة أو مُرضية.
أبعاد نفسية وإنسانية معقدة
وأوضحت: وكان من الضرورى أن أجسد بوضوح، التحول الجذرى الذى تمر به «صفية» من فتاة بريئة وحالمة، إلى شخصية مدفوعة برغبة الانتقام، فسعيت إلى أن يكون هذا التحول نابعًا من دوافع إنسانية مفهومة، وليس مجرد انتقال شكلى، حتى يظل الجمهور متعاطفًا معها رغم قسوة ما تصل إليه.
واختتمت «رضوى» حديثها مؤكدة: هذه الشخصية شكّلت تحديًا خاصًا، لما تحمله من أبعاد نفسية وإنسانية معقدة، وسعيت من خلالها إلى تقديم «صفية» بصورة صادقة وقريبة من وجدان الجمهور.
جميلة محمد: أقدم شخصية «الحاجة أم أحمد».. الضمير الإنسانى داخل الحكاية
قالت الفنانة جميلة محمد: أجسد شخصية «الحاجة أم أحمد»، وهى امرأة بسيطة لكنها عميقة الإحساس، تمثل الضمير الإنسانى داخل الحكاية؛ فـهى من قامت على تربية «صفية» فى بيتها مع الحاج طاهر، وكانت«الحاجة أم أحمد»، شاهدة على نشأة «صفية» منذ الصغر، تعرف طبيعتها الطيبة وقلبها الحنون، وتؤمن بصفائها الداخلى مهما تبدلت الظروف، وتعرف بحب «صفية» لـ«حربى».
نار الثأر والغضب
وتابعت: ومع تصاعد الأحداث ،عندما يتقدم «حربي» لخطبة «صفية» للقنصل، وهو ما تعجبت له «أم أحمد»، فتبدأ فى مراقبة التحول الكبير الذى يطرأ على «صفية»، حيث يتبدل قلبها الرقيق إلى حالة من الجمود والقسوة تحت وطأة الصدمات، ورغم هذا التحول، تظل «أم أحمد» هى الوحيدة التى ترى ما وراء هذا التغير، وتؤمن أن قلب «صفية»، ما زال طيبًا وقادرًا على التسامح، لكن «أم أحمد»، فى الوقت ذاته تدرك أن نار الثأر والغضب تقف حائلًا بين «صفية»، وبين فطرتها الأولى، ولذلك، فلا تدين«أم أحمد» العاشقة «صفية»، بقدر ما تحاول فهمها؛ لأنها تستوعب دوافعها، وتشعر بآلامها، وتقدّر ما تمر به من صراع داخلى عنيف.
مشاعر صادقة وحالة إنسانية شديدة التعقيد
وأوضحت «جميلة»،: تعكس شخصية «الحاجة أم أحمد»، حالة إنسانية شديدة التعقيد، فهى ممزقة بين تعاطفها مع «صفية»، وإدراكها لخطورة الطريق الذى تسلكه، وحتى فى النهاية، تظل «أم أحمد» مؤمنة بأن ما حدث كان يمكن تجنبه، إذا لم توافق هى والحاج طاهر على زواج«صفية» من «القنصل»، لكن فى النهاية يبقى الإيمان بأن أمر الله نافذ، وأن ما كُتب قد حدث بالفعل.
واختتمت: وهذا الدور من الأدوار القريبة إلى قلبى، لما يحمله من مشاعر صادقة، ويعكس نموذجًا للمرأة التى ترى الحقيقة بقلبها قبل عينيها.
نهى حسام: حرصت على توظيف التجريد بدلًا من الإغراق فى التفاصيل
وقالت الفنانة نهى حسام: كان التحدى الأكبر أمامى فى تصميم ديكور عرض «خالتى صفية والدير» هو العمل داخل مساحة واحدة، مع ضرورة أن يشعر المشاهد بأنه ينتقل بين عالمين مختلفين تمامًا؛ لذلك اعتمدت على تقسيم المسرح إلى كتل بصرية واضحة؛ فجاءت كتلة «الدير» فى العمق، مشيّدة بالحجر الرمادى، يتصدرها الصليب بشكل بارز، لتمنح إحساسًا بالهيبة والثبات والروحانية الهادئة الخالية من الصخب.
ظلال حادة تعكس الهواجس ومخاوف الشخصيات
وتابعت: وصممت جوانب المسرح بروح البيت الصعيدى، حيث السرير ذى المفارش المنقوشة، والمرآة، والستائر الحمراء، ليصبح المشهد فى حالة انتقال دائم بين صلابة الحجر فى الدير، ودفء الأقمشة وازدحام التفاصيل فى القرية، وجسّد هذا التباين الصراع بين مكان يحمل السكينة، وآخر يعج بالمشكلات والثأر، وهو بيت «صفية» بعد زواجها من القنصل، وعلى مستوى العناصر البصرية، فقد كان اهتمامى الأكبر منصبًا على الإضاءة والستارة الحمراء، وهذه الستارة لم تكن مجرد عنصر ديكورى، لكنه رمزًا للدم الذى يلاحق صفية، وكأن حياتها تدور فى فلكه، واستخدمنا كشافات الإضاءة الأرضية (Spots) لإسقاط ظلال حادة على الجدران، تعكس الهواجس والمخاوف الكامنة داخل الشخصيات، فيتحول الصراع النفسى إلى صورة مرئية أمام الجمهور.
الديكور داعم ومكمل للحدث المسرحى
وأكدت «نهى»: أؤمن دائمًا بمقولة «الأقل هو الأكثر»، لذا حرصت على توظيف التجريد بدلًا من الإغراق فى التفاصيل؛ فكانت قطعة أثاث واحدة كفيلة بالتعبير عن البيت، وواجهة حجرية واحدة تجسد «الدير»، وهذا الاختيار أتاح مساحة واسعة وفارغة على خشبة المسرح، ما منح الممثل حرية أكبر، وجعل تركيز الجمهور أكثر على أدائه، وحركته، وتعبيراته الصوتية والبصرية. فالديكور هنا لم يكن عنصرًا مزاحمًا، بل داعمًا ومكملًا للفعل على خشبة المسرح.
الخطوة الأولى..الأجرأ فى التعبير
واختتمت«نهى»: عرض «خالتى صفية والدير» أول تجربة حقيقية لى كمهندسة ديكور، وله مكانة خاصة لدى، لأنه لم يكن هدفى مجرد تصميم مكان، ولكن إثبات أن الخطوة الأولى قد تكون الأجرأ فى التعبير، وأتوجه بخالص الشكر لكل من كان سببًا فى منحى هذه الفرصة ودعمى فى بداية طريقى.
أحمد أمين: الاستعراضات امتداد للدراما وتعبير عن الصراع الداخلى بين الشخصيات
وقال الفنان أحمد أمين: بداية، أود أن أؤكد أن تصميم الاستعراضات فى هذا العرض لم يكن منفصلًا عن الخط الدرامى، لكنه جاء امتدادًا له وتعبيرًا حركيًا عن الصراع الداخلى والخارجى بين الشخصيات؛ فاعتمدت فى الاستعراض الأول على فكرة الحلم، لنرى «حربى» غارقًا فى كابوس يتخيل فيه أن «صفية» تقتله، واستندت إلى جملة محورية وردت على لسان صفية: «لو قتلت حربى، يبقى قتلت نفسها»، وهى جملة تحمل دلالة عميقة على تداخل المصير بين الشخصيتين؛ ومن هنا، جاء توظيف أربعة راقصين خلف «صفية» و«حربى» ليجسدوا عكس ما يحدث فى الحلم؛ فبينما تبدو «صفية» وكأنها تقتل «حربى»، نرى فى الخلفية تجسيدًا مغايرًا، حيث يقوم المؤدى بالقضاء على المرأة، فى تعبير رمزى عن الصراع المركب بينهما، وكأن كل طرف يحمل فى داخله نقيض الآخر.
طقوس الفرح فى الصعيد والرقصات الجماعية
وأضاف «أمين»: وجاء الاستعراض الثانى على النقيض تمامًا من حيث الحالة، وقدمنا من خلاله أجواء احتفالية مستمدة من الفلكلور الصعيدي؛ فحرصنا على تصوير طقوس الفرح كما تحدث فى الصعيد؛ حيث ينفصل الرجال عن النساء فى الاحتفال، فيقدم الرجال عروض التحطيب والتنافس لإبراز القوة، بينما تحتفل النساء بالعروس من خلال الرقصات الجماعية، وكان هناك خط درامى واضح لم نحِد عنه؛ إذ تظهر العروس وسط صديقاتها اللواتى يحاولن إشراكها فى الرقص، لكنها تظل فى حالة رفض، وهو ما يعكس حالتها النفسية الداخلية رغم الاحتفالات المحيطة بها.
واختتم: لقد اعتمدنا فى الاستعراض الأول على الدراما الحركية والتعبير الرمزى المرتبط بالحلم، واستند الاستعراض الثانى إلى الفلكلور الصعيدى بكل ما يحمله من عادات وتقاليد واقعية، لنخلق توازنًا بين التعبير التجريدى والاحتفاء الشعبى، بما يخدم رؤية العرض ويعمق من أبعاده الدرامية.
فريق العرض المسرحى
العرض المسرحى «خالتى صفية والدير.. حجر القلب» عن رواية الأديب الكبير بهاء طاهر، كتابة محمد صالح البحر، وإخراج محمد زغلول.
بطولة: رضوى العبادى، أحمد سمير، عصام بدوى، جهاد محمد، أمير زويل، صبرى سليم، عبد الله رزق، جميلة عبد الحميد، ومشاركة حسن الجيار، بمبو، مارى مراد، جودزيلا.
أشعار محمود خليل، موسيقى شريف ياسر، ديكور نهى حسام، تنفيذ ديكور صفوت عادل، إضاءة تامر صبرى، كيروجراف أحمد أمين، ومخرج منفذ جميلة عبدالحميد.