العدد 973 صدر بتاريخ 20أبريل2026
بالطبع، أى شخص يفعل أى شيء فى أى مكان يصبح مثالاً لكيفية تصرف الشخص. وكأنّ المقلّد يقول: «هيا، جرّب هذا العمل بنفسك». بمجرد بقائنا ومشاهدته، فإننا نمنحه صفة الحد الأدنى من الصلاح، وهو يمنحنا صفة المقلّدين المحتملين. وبهذا المعنى، فإننا نمثله.
لكننا بالتأكيد لا نتعاطف مع الشخص الذى يُقلّده. اذ تعتمد قوة التقليد على إدراكنا أن المؤدى قد حقق شبهاً بشخص ليس هو ولا نحن. ويُبهرنا هذا الشبه بسبب وعينا الواضح بما يُميّزنا ويُفرّقنا نحن والمؤدى عن الشخص الذى يُقلّده. وتُحجب قدرتنا على التماهى مع هذا الشخص. ولا نحقق سوى صدمة الشبه الفوتوغرافى، لا قوة الاستعارة المسرحية. ونتعاطف فقط مع إنجاز المؤدى فى التظاهر. فالمقلد يجعل من الشخص الذى يُقلّده مشهداً، ونشعر كلانا بالغربة عنه. فالتقليد شكل من أشكال السخرية؛ والتجسيد شكل من أشكال الحب.
وهكذا، فإنّ توصيفات المسرح «الصحيحة بشكلٍ واضح» تترك أسئلة جوهرية دون إجابة، أو دون طرح، أو تقترح مواقف يتبين زيفها. فكيف لنا أن نجد طريقنا؟ لا يكفى الذهاب إلى المسرح وفتح العينين فحسب. فما الذى يظهر تحديدًا عندما نجلس فى المسرح أو يؤدى عرضًا فيه؟ إن طبيعة المظهر إشكالية. فالمظاهر لا تكتسب معناها إلا من خلال تفسيرها. وكما أشار نيتشه، لا يوجد إدراك معصوم. ففى العادة، عندما يروى المرء الأشياء «كما تبدو له»، تكون إحدى نظرياته الضمنية حول ما يحدث قد فسرت الموقف بالفعل تفسيرًا محدودًا، وحجبت بعض المصالح الأنانية أو قصيرة الأجل غير المعترف بها أجزاءً من السياق المُعطى للمعنى.
الخطوة الأولى نحو تفسير موثوق هى خطوة سلبية إذ يجب علينا محاولة كشف واستئصال التفسيرات شبه الغريزية التى تُؤثر على نظرتنا وتُضيّق أفقنا. ثم علينا أن نُسلّم أنفسنا للظاهرة، وندعها تتكشف كما تظهر مع الحفاظ فى الوقت نفسه على قدر من الحياد، بينما تتجول عقولنا وتتنوع وتقارن. وهذالا يختلف كثيرًا عن التمييز الذى يُحافظ عليه الممثل بين نفسه كشخصية ونفسه كفنان. فنحن نقف معه كشخصية، لكننا نحافظ على نوعنا الخاص من المسافة الفنية كأفراد من الجمهور.
لكن أى مثال مسرحى نختار؟ إذا تركنا أنفسنا لكل ما يصادفنا فسوف ينفد الوقت ربما دون أن نكتشف تنوعًا مسرحيًا مُثيرًا وسنتخلى عن واجبنا فى الحفاظ على قدر من التحكم العقلانى فيما نراه. لقد كان عرض روبرت ويتمان المسرحى، المثال الأول الذى اخترناه، تنوعًا جذريًا فى المسرح لدرجة أنه استخدم أشياءً حقيقية، وبذلك كشف لنا جانبًا خفيًا عادةً وهو وجهة النظر المسرحية، أو الحالة التأويلية الذهنية. وكانت هذه بداية مفيدة. فما نحتاجه الآن هو تنوع يفصل بين العوامل التى أظهرنا للتو إشكاليتها: مسألة انعكاس الحياة من خلال المسرح، وما إذا كان هذا أسلوبًا للاكتشاف، ومسألة طبيعة تفاعلنا مع الشخصية المُجسدة. يتقاطع السؤالان عند نقطة حاسمة هل أسلوب تفاعلنا هو أسلوب اكتشاف ما يتعلق بهذا التفاعل؟
ومن الأمثلة التى تُظهر تنوعًا واضحًا فى عرضها وفقًا لهذه المواضيع مسرحية «الرجل الفيل» لبرنارد بوميرانس. فعلى عكس مسرحية «لمسة خفيفة Light Touch» لويتمان، تُعدّ هذه المسرحية حدثًا مسرحيًا تقليديًا، لكنها ليست واقعية فى أسلوبها. مع أنها تُصوّر، بشيء من المصداقية، أحداثًا وشخصيات حقيقية من لندن فى القرن التاسع عشر إلا أن هذا «عالم» نراه. فيُستحضر الغياب إلى الحضور من خلال براعة فنية واضحة، وخيال، وتمثيل. على عكس المسرح الواقعى، لا تُبذل أى محاولة لإخفاء وجود وجهة نظر مسرحية؛ إنها ببساطة ليست صارخة ومُقلقة كما هى فى «لمسة خفيفة».
ويشير عنوان المسرحية، «الرجل الفيل»، إلى رجل مشوه بشكل بشع، عُرض كحالة غريبة. على يسار المسرح، توجد شاشة تُعرض عليها صور للشخصية التاريخية. تشوه نتوءات عظمية ولحمية رأسه الكبير وجسده المشوه بطريقة بشعة. يكاد ينعدم التعبير على وجهه. على يمين المسرح، يقف ممثل شاب متناسق القوام، يقوم بتحريك أطرافه وملامح وجهه وهيئة جسده تدريجيًا مع عرض الصور. يجسد الممثل شخصية الحالة الغريبة، ويعرض المسرح شروط تواصله وعرضه لعالم افتراضى. إنه يختبر قدراته الخاصة، كما يختبر حدود قدراتنا على الانخراط والتماهى. إذا استطعنا التماهى بشكل واضح مع وحش، والوقوف مكانه من خلال وقوف الممثل مكانه، فبإمكاننا التماهى مع أى شخص تقريبًا. تبقى وجهة النظر المسرحية وغيرها من الشروط والأعراف الخاصة بالإنتاج المسرحى ثابتة، بينما يتغير المحتوى المعروض بشكل جذرى للكشف عن حدود قدرتنا على التماهى مع إنسان آخر.
تتغير المشاهد أمام أعيننا بينما يعزف عازف التشيلو على يسار المسرح، وعلينا أن نتخيل الوقت الذى انقضى فى «عالم» المسرحية. فى أحد المشاهد المبكرة، نرى الرجل المشوه، جون ميريك، معروضًا فى عرض العجائب يدفع الناس المال للتحديق به لمجرد غرابة رؤية إنسان مختلف عنهم تمامًا، ولا تربطهم به أى صلة أو انتماء – أو هكذا يبدو الأمر.
يصادف طبيبٌ من لندن لرؤيته، وبدافعٍ من فضوله العلميّ بالدرجة الأولى، يدفع لمنتج البرنامج مبلغًا من المال وينقل ميريك إلى مستشفاه. وبعد فشله فى إيجاد مساعدين يتعاملون مع الوحش كإنسان، يلجأ الطبيب إلى الممثلة الشهيرة، السيدة كيندال، على افتراض أنها كممثلة تستطيع السيطرة على مشاعر الرعب والاشمئزاز التى منعت الآخرين من التعاطف معه، أو إخفاءها. ويأمل أن تتمكن على الأقل من إظهار التعاطف مع ميريك كإنسان.
عند لقائها ميريك، استطاعت الممثلة كبح جماح نفورها. استجاب ميريك لقبولها الظاهر له، وبرزت شخصيته أمام أعيننا. عبّر عن رابطة قرابة بينهما، مشيرًا إلى أنهما كلاهما يسخران من بعضهما البعض لإمتاع الآخرين. ومع ذلك، فإن الذات الحقيقية ليست سوى هذا الجسد نفسه فى إمكانياته وفى واقعه كما هو أمامها الآن: أشار ميريك بيده السليمة إلى جسده. أشارت الممثلة بتردد إلى جسدها، وكأنها تقول، فى وعى آخذ فى الظهور: «هذا أيضًا أنا هنا». بدأت تشعر بانجذاب نحو إمكانية هذه الرابطة الغريبة.
نجدها تقف نيابةً عنه مع صديقاتها، تقدم قضيته، وتعرّفه على معارف وزملاء ذوى مكانة رفيعة: فنانين، وشخصيات اجتماعية، وزوجة أمير ويلز. يزورونه ويقدمون له الهدايا. يقبلونه كفرد من عائلة البشر؛ ويمنحونه الشرعية أمام الجميع. والغريب فى الأمر أنهم يبدون وكأنهم يشعرون بالفخر والاعتزاز بفعلهم ذلك، كما لو أنه كان يمنحهم شيئًا فى المقابل، مانحًا إياهم الشرعية بطريقة ما أيضًا.
وفى جوهر الأمر، تحل السيدة كيندال - وربما كل واحدة من الأخريات أيضًا - محل ميريك، بمعنى أنها تصبح قادرة على رؤية العالم ونفسها من خلال عينيه، ومن خلال مشاعره. إنها قادرة على إدراك إدراكه لها لأنها تدرك أنه إنسان. ويمكن أن يتوسط إدراكها لذاتها إدراكه لها. وإدراكه لها هو إدراك حساس لجوانب من شخصيتها كبتتها بنجاح متفاوت. إنه إدراك حساس لما هو غير مقبول اجتماعيًا وغير مقبول ذاتيًا فيها: لحظاتها - أو أكثر من لحظات - التى لا تشعر فيها بالانتماء؛ والجوانب المروعة من حياتها.
فى مشهدٍ حاسم، تخلع ملابسها حتى خصرها وتطلب منه أن يلتفت وينظر إليها. لا يوجد أى تشوه فى جسدها؛ بل إنها بذلك تتصرف كشخص طبيعى وجميل، مرحّبةً بميريك فى صحبتهم. لكن المقاومة الصامتة التى تغلبت عليها فى كشف جسدها له تكشف لنا أنها من خلاله تقبل كبتها المؤلم وضعفها، وخصوصيتها التى لم تكن تعترف بها من قبل. إنها طبيعية تمامًا، على طبيعتها، فقط مع الوحش. هو يمنحها الثقة فى خصوصيتها وتفردها.
الآن، نُدرك نحن الجمهور أننا نشعر أيضًا بنوع من القرابة مع ميريك. ونتواصل معه أيضًا مكتشفين التعاطف والتماهى. فمن المؤكد أن ما أمامنا ليس سوى ممثلين، وأن الفنان الذى يجسد شخصية ميريك ليس مشوهًا فى الواقع، بل يجسد ذلك فقط فى هيئته ومشيه. ولكن عند هذه المسافة الجمالية عن الواقع، تبدأ إمكانياتنا الخاصة للانخراط والتماهى مع ميريك بالظهور بشكل واضح. عادةً، عند مواجهة وحش حقيقى، تُدرك هذه القدرات للحظة ثم تُكبت، أو تُطغى عليها مشاعر أخرى مثل الخوف.
يخبر ميريك السيدة كيندال أنه قبل أن يلتقى بها لم تكن لديه أفكار، لأنه لم يكن لديه من يفكر نيابة عنه. يجد نفسه لأنه يجد نفسه فى هذا الشخص الآخر. يحتاج هذا الرجل ذو الشخصية الفردية الغريبة إلى أن تقبله السيدة كيندال كإنسان، لأن هذا سيُدخله فى الإنسانية، وسيؤكد امتلاكه لتلك السمات العالمية الأساسية لكونه إنسانًا كاملًا. سيُصبح مُؤهلًا.
لكن السيدة كيندال تحتاجه - ونحن أيضا - ونجد فيه تحررًا واكتشافًا كلٌ منا ليصبح إنسانًا أكثر اكتمالًا، إنسانًا فريدًا. ومن خلال قبوله كإنسان، نصل إلى اعترافه وقبوله لكلٍّ منا فى إنسانيتنا الفريدة. فنجسِّد ونقبل عناصر فى أنفسنا كنا سابقًا نخجل منها خجلًا أعمى أو غافلين عنها خداعًا لأنفسنا. وهو الذى يجيز هذه العناصر.
فنحن نمثل من خلال الممثلين كما يمثلون أولئك الذين يجدون أنفسهم من خلال وجود بعضهم البعض. لذلك نتمدد ونتحرر بفعل الفن لدرجة أننا، على الأقل فى هذه اللحظات، نقبل قرابتنا مع الوحوش: فنحن نوسع نطاق وجودنا. نتيجة تجربة المسرح هى الاكتشاف، ونعود إلى أنفسنا كما نعتقد أننا: كائنات ذات خصوصية لا تنضب وآفاق ممتدة بلا حدود من الاهتمام الإنسانى والهوية.
الهوامش
• بروس دبليو ويلشاير فيلسوفً أمريكى درس فى قسم الفلسفة فى جامعة روتجرز، والذى تقاعد منه كأستاذ فخرية فى عام 2009. بداية كمتخصص فى ويليام جيمس، أصبح معروفًا بعمله فى الفلسفة والمسرح، وانتقاداته للفلسفة التحليلية، واهتمامه بالفلسفة الأمريكية الأصلية. ومن أبرز كتبه فى المسرح «أداء الدور والهوية: حدود المسرح كاستعارة»
• هذا المقال هو الفصل الأول من كتاب «أداء الدور والهوية: حدود المسرح كاستعارة» الصادر عن مطبوعات Indiana University Press/Bloomington. وعنوان المقال بالانجليزية هو What is theater