العدد 971 صدر بتاريخ 6أبريل2026
تشهد خريطة الإنتاج المسرحى فى السنوات الأخيرة تحولات لافتة مع تراجع حضور مسرح القطاع الخاص، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول الدور الذى يمكن أن يلعبه المسرح المستقل فى هذا المشهد. فهل يستطيع المسرح المستقل أن يملأ هذا الفراغ ويقدم بديلًا حقيقيًا أم أن لكل منهما طبيعة مختلفة من حيث الأهداف وآليات الإنتاج وعلاقته بالجمهور؟ وفى هذا التحقيق نطرح هذا التساؤل ويجيب عنه مجموعة من المسرحيين والنقاد مع طرح أكثر من نموذج لعروض مسرح القطاع الخاص والمستقل.
المسرح صناعة ثقافية صعبة ودعم الدولة ضرورة لاستمرار المسرح المستقل
قالت المخرجة عبير على، إن المسرح يُعد صناعة ثقافية ثقيلة، فمهما كان العرض ناجحًا يظل من الصعب جدًا أن يغطى تكاليف إنتاجه، حتى فى الدول الكبيرة التى تتمتع بظروف اقتصادية أفضل، فما بالنا بمصر، حيث يعانى كثيرون من ضعف الدخل. وأوضحت أن إتاحة المسرح لقطاع واسع من الجمهور تتطلب تخصيص تذاكر منخفضة السعر، لكنها فى المقابل لا تستطيع تغطية تكاليف الإنتاج، وهو ما يجعل المسرح صناعة صعبة مقارنة بالسينما التى تُنتج بميزانيات كبيرة لكن يشاهدها ملايين الناس.
وأشارت إلى أن إنتاج المسرح إما أن تتولاه الدولة أو القطاع الخاص، لأن الفنان ليس صاحب رأسمال. وذكرت أن المنتج فى القطاع الخاص لن يقدم على الإنتاج إذا لم يحقق عائدًا ماديًا، ولذلك يختار نوعية معينة من العروض التى تضمن الربح من خلال تذاكر مرتفعة الثمن.
وأضافت أن المسرح المستقل يهتم بتقديم محتوى مسرحى يمتع الجمهور، إذ يعتمد بالأساس على الأفكار والمحتوى والتقنيات، وهو نوع من العروض لا يقدمه مسرح القطاع الخاص؛ لأن القطاع الخاص يستهدف فئة من الجمهور تستطيع دفع تذاكر مرتفعة الثمن، ويقدم ما يرغب هذا الجمهور فى مشاهدته، وهو أمر يختلف تمامًا عن طبيعة المسرح المستقل، ما يجعل من الصعب أن يستوعبه القطاع الخاص.
وأوضحت أن هنا يأتى دور مسرح الدولة القادر على استيعاب المسرح المستقل، خاصة أن المسرح المستقل جزء من خريطة المسرح فى الدولة، مثلما يوجد مسرح القطاع الخاص ومسرح المحترفين والهواة وغيرها. وذكرت أن المسرح المستقل يُعد جزءًا من المسرح الأهلى، فكما توجد فى العالم مؤسسات حكومية يقابلها مؤسسات مجتمع مدنى، مثل وجود مصانع قطاع عام وأخرى قطاع خاص، فإن الأمر نفسه ينطبق على المسرح.
وأشارت عبير على إلى أن الوصول إلى هذا التوازن يتطلب وجود ميزانية مخصصة للثقافة وللمسرح المصرى بقطاعيه الأهلى والحكومى، مؤكدة أن من حق المسرح المستقل أن يكون له إنتاج مثل إنتاج مسرح الدولة.
وأضافت أن تحقيق ذلك يمكن أن يتم من خلال إعلان سنوى تتقدم فيه المشروعات المسرحية، على أن تُشكل لجنة لتقييم هذه المشروعات وفق معايير معلنة، ويتم اختيار المشروعات التى تستحق الدعم وإنتاجها، مع إعلان سنوى للفرق والمشروعات الفائزة.
وأوضحت أن من الآليات المهمة أيضًا فتح شباك التذاكر للفرق المستقلة. وأشارت إلى أنها خلال سفرها إلى هولندا وأمريكا وبولندا وفرنسا وجدت أن هناك دعمًا واضحًا للمسرح المستقل، حيث تُفتح المسارح للفرق المستقلة وتتيح لها تشغيل شباك التذاكر لفترات قد تمتد من عام إلى خمسة أعوام، تدير خلالها الفرقة المسرح وتستفيد من عائده، وبعد انتهاء هذه المدة تبدأ فى دفع إيجار المسرح أو تحصل على دعم لمدة عامين حتى تتمكن من فتح شباك التذاكر وبناء جمهورها.
وذكرت أن من المهم أيضًا وجود توجه من الدولة لتفعيل المسؤولية المجتمعية لدى دافعى الضرائب، بحيث تساهم البنوك ورجال الأعمال فى صندوق لدعم الثقافة، يمكن من خلاله دعم مشروعات الفرق المستقلة.
وأشارت إلى تجربة قرار الدكتور جابر عصفور بإنشاء وحدة دعم المسرح المستقل، التى كان لها حساب مالى يُخصص له دعم سنوى من وزارة المالية ويُودع فى صندوق التنمية الثقافية. وأضافت أنها شاركت فى هذه الوحدة إلى جانب الدكتورة نهاد صليحة – رحمها الله – والكاتبة رشا عبد المنعم والمخرجة نورا أمين ومحمد عبد الخالق وطارق سعيد، حيث وضعوا لائحة لتنظيم العلاقة بين الدولة والمسرح المستقل، واعتمدها المستشار القانونى لوزارة الثقافة.
وأوضحت أن هذه اللائحة كانت تهدف إلى تخصيص مبلغ سنوى لدعم المسرح المستقل يوضع فى صندوق التنمية الثقافية، ويتم إدارته وفق آليات واضحة للدعم.
وأكدت المخرجة عبير أن المسرح المستقل تيار يمتلك مشروعًا مسرحيًا، وهو يشبه القطاع الخاص من حيث كونه غير حكومى، لكنه يختلف عنه لأنه لا يهدف إلى الربح فى المقام الأول. فالمنتج فى المسرح المستقل يسعى فقط إلى تغطية تكاليف الإنتاج، وليس تحقيق أرباح كبيرة، كما يحرص على تقديم تذاكر فى متناول الجمهور وتقديم خدمة ثقافية مدفوعة الأجر يحصل الفنانون من خلالها على أجورهم، مع تقديم محتوى إبداعى مختلف تقنيًا وفكريًا ومهنيًا يعبر عن هوية المجتمع ويطرح أفكارًا وتساؤلات جديدة.
وأوضحت أنه فى السنوات الأخيرة لم يعد هناك نجاح كبير للمسرح المستقل، لأن مسرح الهواة أصبح يُدرج تحت مسمى المسرح المستقل، رغم أن المسرح المستقل يفترض أن يكون له جناحان، كما هو الحال فى المسرح الحكومى. فهناك عروض الهواة التى تُقدم كنشاط مسرحى ليلة أو ليلتين مثل عروض طلاب الجامعات أو الفرق التى تقدم عروضاً فى مسرح الهوسابير، وهى ليست مشروعًا مستمرًا للتدريب والتطوير والاحتكاك بالجمهور عبر عدد كبير من الليالى.
وأشارت إلى أن الجناح الآخر يتمثل فى الفنانين أصحاب المشروعات المسرحية المستقلة الذين يعملون على مشروع فكرى أو تقنى لسنوات طويلة، ويطورونه من خلال الاحتكاك بالجمهور، لكن هؤلاء أصبحوا قليلين فى الوقت الحالى، بينما كان وجودهم واضحًا فى جيل التسعينيات من الفرق المستقلة.
وأوضحت أن غياب الإنتاج وندرة المسارح والظروف الاقتصادية الصعبة كلها عوامل أثرت على استمرار هذا التيار، إضافة إلى غياب آلية واضحة ومعلنة ومقننة لدعم المسرح المستقل بمواعيد ثابتة.
وأضافت أن هناك فرقًا بين وجود نشاط مسرحى منتشر ووجود حركة مسرحية حقيقية، فالحركة المسرحية تعنى وجود رؤية فكرية وفلسفية وتقنية وأفكار جديدة فى حالة جدل وتفاعل مستمر، بينما النشاط المسرحى قد يكون واسع الانتشار مع وجود عروض كثيرة فى أماكن متعددة، وهو أمر قد ينتج عنه اتجاهات، لكنه لا يعنى بالضرورة وجود تيار مسرحى واضح برؤى ومدارس فنية.
وعن وجود تنافس بين المسرح المستقل والقطاع الخاص، أكدت المخرجة عبير على أنه لا يوجد تنافس حقيقى بينهما، بل هناك حالة من التكامل؛ فهناك مسرح هواة فى طريقه إلى الاحتراف، ويوجد فى المسرح المستقل ومسرح الدولة، كما يوجد المسرح التجارى فى القطاع الخاص، إضافة إلى المسرح المجتمعى الذى تقدمه الجمعيات التنموية واختتمت حديثها بالتأكيد على أن كل هذه الأنماط تشكل معًا خريطة واسعة للمسرح المصرى فى حالة من التكامل والتنوع.
المسرح المستقل صيغة إنتاجية مرنة لتجريب تقنيات خارج منظومة مسرح الدولة والقطاع الخاص
قالت الكاتبة رشا عبد المنعم إن المسرح المستقل يمثل صيغة إنتاجية مرنة سمحت للفرق المسرحية، على مدى عقود، بالعمل على تقنيات وآليات مختلفة لم يستوعبها مسرح الدولة آنذاك، كما أنها لا تتفق مع فلسفة مسرح القطاع الخاص.
وأشارت إلى أن الفرق اعتمدت فى بناء عروضها المسرحية على صيغ متعددة، مثل الارتجال وورش الكتابة، وبناء العرض بطريقة المختبر، حيث يتم إطلاق فرضيات درامية تتشكل وتُبنى من خلال النقاش والبحث أثناء فترات البروفات.
وأوضحت أن هذه الآليات لا تتوافق مع نظم الإنتاج فى مسرح الدولة، الذى يُلزم الفنان بتقديم نص جاهز والعمل عليه، كما لا يتيح صيغة للتعاقد مع أكثر من مؤلف فى العمل الواحد وأضافت رشا عبدالمنعم أن هذه الصيغ لا تتفق أيضًا مع فلسفة القطاع الخاص القائمة على الربحية وتقديم ألوان درامية جماهيرية.
مسرح الهواة خطوة نحو الاحتراف وغياب المسرح الخاص يثير القلق
قال الكاتب السيد فهيم إنه يجب أولًا وضع ضوابط واضحة للمصطلح عند الحديث عن المسرح فى مصر، موضحًا أن المسرح من حيث الإنتاج يمكن تصنيفه إلى ثلاثة أقسام: مسرح الدولة الذى يشمل البيت الفنى للمسرح ومسرح الثقافة الجماهيرية – قصور الثقافة حاليًا – وهو خارج إطار الحديث، إضافة إلى المسرح الخاص ومسرح الهواة.
وأشار إلى أن مسمى مسرح الهواة يندرج تحته عدد من التجارب، مثل المسرح المستقل وتجارب عشاق المسرح المغامرين، وربما يندرج ضمنها فى مرحلة ما المسرح الجامعى، الذى يعد اللبنة الأولى والمهمة فى تأسيس حركة مسرحية واعية برعاية عناصر من المحترفين والمتمرسين.
وأوضح أن المسرح الخاص، بمفهومه التقليدى، يعتمد أساسًا على نجم الشباك الذى يسوّق للعرض ويجذب الجمهور، لافتًا إلى أن الجمهور قد يتجاهل أحيانًا بعض التفاصيل الفنية من أجل مشاهدة النجم على الطبيعة، مؤكدًا أن هذا الشكل يعد نموذجًا اقتصاديًا واستثماريًا مشروعًا، خاصة إذا قدم عرضًا مسرحيًا راقيًا مكتمل الأركان..
وأكد أن المسرح المصرى يمتلك نماذج وتجارب ثرية فى هذا الإطار خلال مراحل مهمة من تاريخه، مشيرًا إلى أن الحديث عنها يطول.
وفيما يتعلق بمسرح الهواة، تساءل فهيم عن طبيعة ما يطلق عليه الاستقلال أو الحرية فى هذه التجارب، وهل المقصود بها حرية الفكر أم استقلال الإنتاج، معتبرًا أن هذه التسميات لا تغير كثيرًا من جوهر الأمر، لأن المقياس الحقيقى لنجاح أى تجربة مسرحية هو إقبال الجمهور واستمرار العرض لأكثر من موسم.
وأشار إلى أن بعض تجارب الهواة استطاعت تحقيق هذه المعادلة، لكنها تبقى حالات محدودة ونادرة، مؤكدًا فى الوقت نفسه أن المسرح الخاص، حتى وإن كان إنتاجه محدودًا، لا يزال حلمًا يراود النجوم قبل الهواة.
وأضاف أن حركة فرق الهواة أصبحت ظاهرة مؤثرة فرضت حضورها بقوة خلال السنوات الأخيرة، لكنها تظل خطوة فى طريق الاحتراف والنجومية، وهو الحلم الذى يسعى إليه معظم الهواة، خاصة فى ظل تراجع المسرح الخاص بمفهومه الحقيقى والمؤثر نتيجة تحديات عديدة.
ولفت فهيم إلى وجود مسارات مهمة أتاحت فرصًا للشباب الهواة من خلال مسرح الثقافة الجماهيرية، مثل نوادى المسرح ومشروع «ابدأ حلمك»، والتى أصبحت بمثابة منصات رسمية تحتضن طاقات الشباب
واختتم مؤكدًا أن مسرح الهواة أو التجارب المستقلة، مهما اختلفت مسمياتها، تمثل دوائر مهمة فى المراحل الأولى من مسيرة المبدع حتى يصل إلى مرحلة النجومية، مشددًا فى الوقت نفسه على أن البيت الفنى للمسرح يظل صاحب الدور الريادى، بوصفه الجهة القادرة على تقديم إنتاج جيد واستقطاب النجوم الذين يمثلون عامل الجذب الأكبر للجمهور، وذلك فى ظل غياب محزن ومقلق للمسرح الخاص.
المسرح المستقل ليس بديلا عن القطاع الخاص بل شريكا فى تكامل المشهد المسرحى
قال المخرج هشام السنباطى، إن لكل نوع من أنواع المسرح طبيعته الخاصة، موضحًا أن المسرح المستقل يختلف عن المسرح الخاص وكذلك عن مسرح الدولة فى المحتوى والمضمون والجمهور ووسائل التواصل معه. وأشار إلى أنه قد يكون من الممكن أن يسهم المسرح المستقل فى تعويض غياب المسرح الخاص من حيث الحضور المسرحى وتقديم عروض متنوعة وخلق حالة من النشاط المسرحى، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلا عنه، لأن مضمون كل منهما مختلف، وكذلك آلياته الإنتاجية وعناصره الفنية، وبالتالى يختلف الجمهور الذى يتوجه إلى كل نوع من هذه المسارح.
وأكد أن المشهد المسرحى يحتاج إلى الاهتمام بكل أشكاله، سواء المسرح الخاص أو المسرح المستقل أو مسرح الدولة، لأن كل شريحة منها تطرح قضايا وأشكالا فنية تتناسب مع جمهورها الخاص. فهناك جمهور يهتم بالمسرح المستقل وما يقدمه من تجارب شبابية وأفكار جديدة، بينما يفضل جمهور آخر عروض القطاع الخاص ذات الطابع الجماهيرى والترفيهى، فى حين يلجأ بعض المتفرجين إلى مسرح الدولة لما يوفره من عروض تضمن الأسرة أنها لن تحتوى على أى شىء خادش للحياء نظرًا لارتباطه برقابة الدولة.
وأوضح السنباطى أن نجاح الإنتاج الذاتى فى تحقيق الاستدامة المالية يظل أمرًا بالغ الصعوبة، لأن الإنتاج الذاتى نادرًا ما يحقق استقرارًا ماليًا للفنانين المستقلين، فالمسرح المستقل يعتمد فى الأساس على تقديم رسالة ثقافية وفنية دون أن تكون المكاسب المادية هدفه الأول، بخلاف القطاع الخاص الذى يقوم فى الأساس على تحقيق الربح لضمان استمراريته. وأشار إلى أن المسرح لا يمكن أن يعيش بعيدًا عن جمهوره، مؤكدًا أن “المسرح من غير ناس ما ينداس”، لذلك من الصعب تقديم عروض تجريبية لا يفهمها الجمهور أو تكون بعيدة عن وعيه واهتماماته. فالتجريب – بحسب رأيه – يجب أن يهدف إلى اكتشاف أشكال جديدة من المسرح قادرة على جذب الجمهور، لا إلى تقديم أشكال تنفره منه. وأكد أن تطوير المسرح المستقل يجب أن يسعى إلى اجتذاب جمهور أكبر وتحقيق حالة من الإبهار الفنى، بما يسمح بالتواصل مع الجمهور البسيط كما مع الجمهور الأكثر ثقافة ووعيًا.
وأضاف أن المسرح وسيلة لتوصيل المعانى السامية وترسيخ القيم والتقاليد فى المجتمع، ولذلك يجب أن يخاطب مختلف شرائح الجمهور. ومن هنا تأتى أهمية أن تكون التجارب المسرحية الجديدة وسيلة للتقريب من الجمهور لا للابتعاد عنه، لأن انفصال المسرح عن جمهوره يعنى فى النهاية موته.
وفى ما يتعلق بتأثير غياب الدعم على تطور المسرح المستقل، أوضح السنباطى أن هذا التيار نشأ أساسًا من روح الإبداع البشرى والبحث عن مساحات للتفكير خارج الأطر التقليدية للإنتاج. وأكد أن ضعف الإمكانات المادية لا يحد بالضرورة من قدرته على الإبداع، بل قد يدفع الفنانين إلى الاعتماد على عناصر أخرى مثل جسد الممثل، والتكوينات فى الفراغ المسرحى، والخيال الإخراجى.
وأشار إلى أن المسرح الخاص يعتمد بدرجة أكبر على عناصر الإنتاج الكبيرة، حيث يزداد عنصر الإبهار كلما زادت الإمكانات، بينما يقوم المسرح المستقل غالبًا على ما يمكن تسميته بـ“الإبداع الفقير” الذى يعتمد على طاقات الممثلين والمخرجين وقدرتهم على الابتكار والتفكير خارج الصندوق.
وأكد أن نجاح تجارب المسرح المستقل عبر العقود الماضية، خاصة منذ ثمانينيات القرن الماضى، يرجع بالأساس إلى تميز القائمين عليها من مؤلفين ومخرجين وممثلين، وقدرتهم على تقديم أفكار وأشكال جديدة تقترب من المتلقى وتحقق نجاحًا جماهيريًا، مشددًا على أن هذا النجاح لا يرتبط بمنافسة القطاع الخاص أو العام.
واختتم السنباطى حديثه بالتأكيد على أن العلاقة بين المسرح الخاص والمسرح المستقل ليست علاقة تنافس، بل علاقة تكامل تسهم فى استكمال الصورة المسرحية داخل المجتمع.
الإنتاج والمعوقات الإجرائية وراء تراجع المشهد المسرحى
أوضح المخرج هانى المتناوى أن المشهد المسرحى الحالى يشهد تراجعًا وغيابًا واضحًا من مسرح القطاعين العام والخاص، مشيرًا إلى أن المسرح المستقل أصبح المساحة المتبقية التى ما زالت تتحرك ولها جمهورها، رغم ما يعانيه من فقر فى الأماكن المتاحة لتقديم عروضه.
وأشار المتناوى إلى أن المسرح المحترف، سواء فى القطاع العام أو الخاص، يحتاج عادة إلى تقديم العروض لمدة أسبوعين متتاليين، أى ما يقرب من 14 ليلة عرض أو ما يُعرف بـ«السيزون»، مؤكدًا أن هذا الأمر لم يعد يتحقق بالشكل الكافى فى الفترة الأخيرة.
وذكر أن فقر المشهد المسرحى الحالى، سواء فى مسرح القطاع العام أو الخاص أو حتى فى المسرح المستقل، يعود فى المقام الأول إلى ضعف الإنتاج، موضحًا أن إنتاج الأعمال الفنية فى القطاعين العام والخاص أصبح يميل بشكل أكبر إلى الأعمال المسجلة عبر الوسائط المختلفة «الميديا» بدلًا من العروض المسرحية الحية.
وأضاف أن المعوقات الإجرائية الخاصة بإنتاج المسرح تعاظمت فى الآونة الأخيرة، إلى درجة أصبحت تستهلك ما يقرب من 90% من طاقة العمل الفنى.
وأكد المتناوى أنه لا يمكن تحقيق استدامة مالية للفنانين المستقلين بالاعتماد على الإنتاج الذاتى فقط، موضحًا أن الفنانين المستقلين يجب أن يعملوا وفق نظام إنتاج مرتبط بحجم مكاسب تذكرة دخول الجمهور.
وأشار إلى أن المخرج المستقل قد يقدم عرضًا مسرحيًا منخفض التكاليف يناسب جمهورًا محدود الدخل يدفع مثلًا 50 جنيهًا ثمن التذكرة، وبالتالى يحتاج إلى استئجار مساحة عرض بإيجار زهيد حتى يتمكن من تحقيق هامش ربح بسيط يغطى تكاليف الإنتاج.
وأوضح أن الارتفاع المفاجئ فى أسعار إيجارات المسارح يخلق أزمة حقيقية، مستشهدًا بما حدث فى مسرح روابط، حيث ارتفع إيجار المسرح من نحو 400 جنيه إلى ما يقرب من 8000 جنيه، وهو ما انعكس بدوره على سعر التذكرة التى قد تقفز من 50 جنيهًا إلى 800 جنيه.
وتساءل المتناوي: «هل هذا معقول؟ هل يمكن أن يدفع الجمهور 800 جنيه لحضور عرض فى مسرح روابط؟»، مشيرًا إلى أن هذا الواقع يضع المخرج المستقل فى مأزق حقيقى، إذ يضطر إلى الانتقال من بيئة جمهور يدفع 50 جنيهًا إلى جمهور يدفع 800 جنيه، وهو جمهور مختلف تمامًا فى ذائقته، ما يؤدى فى النهاية إلى فصل المبدع عن جمهوره الطبيعى.
وأكد أن المسرح المستقل هو الأصل الحقيقى للتجريب المسرحى، وأنه قادر على تطوير لغة أى مسرح، سواء كان موجّهًا إلى الجمهور العام أو إلى جمهور النخبة.
وأشار المتناوى إلى أن مسرح روابط كان فى الأصل «جراجًا» التقطه الفنانون المستقلون وحولوه إلى مسرح، بدأ فى البداية كمساحة مستقلة محدودة الجمهور، ثم تطورت تجاربه المسرحية الناجحة تدريجيًا حتى استطاع الوصول إلى جمهور عام أوسع.
وأضاف أنه بعد ذلك جرى شراء المسرح من قبل جهة فى القطاع الخاص بشكل مفاجئ، وهو ما أدى – بحسب قوله – إلى تحوله مرة أخرى إلى مساحة تخاطب جمهور نخبة محدود للغاية.
واختتم المخرج هانى المتناوى حديثه مؤكدًا أن نجاح مسرح روابط فى فترته الأولى كان يعود إلى صدق التجارب المسرحية التى قُدمت عليه، لكن دخول المال الخاص لاحقًا – وفق رؤيته – أدى إلى تراجع مستواه الفنى والجماهيرى، معتبرًا أن المال فى هذه الحالة تحول إلى نقمة على هذا المسرح النموذجى الذى كان يمثل تجربة مهمة للفنانين المستقلين.
المسرح المستقل مظلوم بسبب تقلص ليالى العرض والاستدامة المالية تظل تحديا
أكد المخرج سعيد سليمان أن المسرح المستقل لا يمكن أن يعوض تراجع إنتاج مسرح القطاع الخاص، موضحًا أن لكل منهما عالمه الخاص واتجاهه المختلف. وقال إن هدف القطاع الخاص هو تحقيق المكسب المادى، ولذلك لا يقدم عروضه إلا إذا كان العائد المادى كبيرًا، بينما يعمل المسرح المستقل وفق طبيعة مختلفة تمامًا.
وأضاف أن تأثير كلٍ منهما على الجمهور مسألة نسبية؛ فهناك تجارب لم يسمع عنها كثيرون لكنها حققت نجاحًا أو خسرت، وفى المقابل قدمت بعض العروض المستقلة تجارب صنعت صدى جماهيريًا واسعًا داخل المسرح. وأشار إلى أنه لا يمكن التعميم أو الجزم بأن أحدهما أكثر تأثيرًا من الآخر.
وأوضح سليمان أن المسرح المستقل يتعرض لقدر كبير من الظلم، ليس بسبب جودة المنتج الفنى أو تأثيره، بل بسبب قلة الاستمرارية وتقلص ليالى العرض. فالعروض المستقلة غالبًا ما تُقدم ليوم أو أيام قليلة ثم تتوقف لعدم امتلاك الفرق مسارح ثابتة، على عكس مسرحى القطاعين العام والخاص اللذين يمتلكان مسارح تسمح باستمرار العروض لفترات طويلة، وهو ما يحد من تأثير المسرح المستقل على الجمهور.
وفيما يتعلق بالاستدامة المالية، أشار إلى أنها مسألة نسبية تختلف من فرقة لأخرى، فقد تعتمد بعض الفرق على التمويل الذاتى أو التعاون مع جهة حكومية أو مركز ثقافى أو الحصول على دعم لوجستى. وأضاف أن هذه المسألة ليست لها قواعد ثابتة، بل ترتبط بطبيعة عمل كل فرقة وعلاقاتها، لذلك تظل مشكلة الاستدامة المالية قائمة لأنها غير مستقرة أو ثابتة، فى حين أن العمل الفنى يحتاج إلى قدر من الاطمئنان والاستقرار. وأكد أن الفرقة المستقلة نادرًا ما تكون مستقرة ما لم يتوافر لها مكان دائم وميزانية ثابتة، وهو أمر نادر الحدوث فى مصر.
أما فيما يخص فكرة التجريب فى المسرح المستقل، فأوضح سليمان أن ليس كل الفرق المستقلة تقدم تجريبًا أو تحمل هم تطوير المسرح. فبعض الفرق تتأسس بقيادة مبدع يسعى إلى التجريب والاستكشاف وتطوير اللغة المسرحية والكتابة المسرحية وأداء الممثل، لكن هذا الأمر يظل نادرًا، إذ إن كثيرًا من الفرق تقدم عروضًا دون رؤية أو فلسفة واضحة.
وأكد أن الفرقة المستقلة الحقيقية يجب أن تكون لها فلسفة وخطة ومنهج واضح، وهو ما يتوافق مع مفهوم الفرق المستقلة فى العالم. وضرب مثالًا بتجربته الشخصية، حيث بدأ بتقديم الدادية والسيريالية، ثم انتقل إلى التراث الشعبى والصوفى، وصولًا إلى تأسيس مختبر أبحاث المسرح الباطنى، وهو مشروع مسرحى ممتد منذ عام 1990، يهدف إلى الكشف عن أبحاث فى المسرح أطلق عليه اسم المسرح الباطنى الصوفى.
واختتم سليمان تصريحاته بالتأكيد على أن التجريب فى المسرح المستقل يظل مسألة شخصية مرتبطة برؤية كل مبدع، معربًا عن أمله فى دعم الفرق المستقلة الجادة التى تمتلك القدرة على تطوير أساليب المسرح إذا توافرت لها الإمكانات المادية.
المسرح المصرى يشهد ظهور نموذج جديد يجمع بين روح المستقل وإنتاج القطاع الخاص
قال المخرج أحمد فؤاد، مخرج عرض «أم كلثوم.. دايبين فى صوت الست»، إن مفهوم مسرح القطاع الخاص فى السنوات الأخيرة تغيّر بشكل ملحوظ عما كان عليه فى السابق. وأوضح أن المشهد المسرحى كان يقوم تقليديًا على نوعين أساسيين؛ مسرح الدولة التابع للقطاع العام، ومسرح القطاع الخاص الذى يعتمد بنسبة كبيرة على وجود نجم جماهيرى ويهدف فى الأساس إلى تحقيق الربح، دون اهتمام كافٍ بالزاوية الثقافية أو بما يمكن أن يضيفه للمشهد المسرحى.
وأشار إلى أن هذا الوضع ساهم فى ظهور تيار المسرح المستقل، الذى حاول تقديم شكل مختلف لا ينتمى إلى آليات مسرح الدولة ولا إلى منطق القطاع الخاص القائم على النجومية والربحية فقط. لكنه أكد أن التجربة فى الوقت الحالى أصبحت مختلفة، حيث بدأ يظهر نموذج جديد يجمع بين الإنتاج الخاص والاهتمام بالمضمون الثقافى.
وأضاف فؤاد أن هناك تجارب مسرحية خاصة أصبحت تقدم مردودًا ثقافيًا وفنيًا واضحًا، رغم كونها إنتاجًا خاصًا غير تابع للدولة. واستشهد بعدد من العروض مثل «أم كلثوم.. دايبين فى صوت الست»، وقبلها «تشارلي» و«فابريكا»، موضحًا أن هذه الأعمال تُنتج بجهود شخصية ولا تعتمد بالضرورة على وجود نجم جماهيرى، بل تعتمد على قوة العمل الفنى نفسه وقدرته على جذب الجمهور.
وأكد أن مفهوم مسرح القطاع الخاص تغيّر فى الفترة الأخيرة، فلم يعد يعتمد على النموذج التقليدى القائم على تقديم نجم كبير لجذب الجمهور. وأوضح أن من آخر التجارب التى اعتمدت على هذا الشكل كانت مسرحية «أنستونا» بطولة الفنان الراحل سمير غانم، وبعدها بدأ القطاع الخاص يتجه إلى أشكال مختلفة من الإنتاج المسرحى.
وأوضح أن ما نشهده الآن هو نموذج مسرحى جديد يمكن اعتباره منطقة وسطى بين المسرح المستقل والقطاع الخاص؛ فهو يشبه المسرح المستقل فى كونه يقدم تجربة فنية خاصة ورؤية مختلفة، وفى الوقت نفسه يشبه القطاع الخاص لأنه إنتاج غير تابع للدولة ويسعى لتحقيق عائد مادى يسمح باستمراره.
وأضاف أن هذا النموذج يعتمد بدرجة أكبر على جودة العمل الفنى بدلا من الاعتماد على النجوم، خاصة أن أجور النجوم أصبحت مرتفعة للغاية. ولذلك أصبح الرهان الحقيقى على تقديم عروض ذات مستوى فنى مرتفع قادرة على جذب الجمهور وفى الوقت نفسه تقدم قيمة ثقافية وفنية واضحة.
وأشار فؤاد إلى أن كثيرًا من التجارب الناجحة فى الفترة الأخيرة تنتمى إلى هذا الاتجاه، سواء فى عروض الكوميديا الاجتماعية مثل «1980 وإنت طالع»، أو فى عروض المسرح الغنائى مثل «أم كلثوم.. دايبين فى صوت الست» و**«تشارلي»**، وهى أعمال تقدم شكلًا مختلفًا عما يعرض على مسارح الدولة، الأمر الذى يدفع الجمهور إلى الإقبال عليها.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن هذا الاتجاه قد يفرز خلال الفترة المقبلة مسمى جديدًا لنوع مختلف من المسرح فى مصر، يجمع بين تحقيق العائد المادى المطلوب من الإنتاج الخاص، وبين تقديم مردود ثقافى وفنى مرتفع يشبه فى جوهره دور مسرح الدولة، معتبرًا أن هذه التجارب قد تمثل نقلة مهمة فى شكل المسرح المصرى خلال السنوات المقبلة.
1980 وأنت طالع تجربة استثنائية بين المسرح المستقل والقطاع الخاص
اتخذ الناقد أحمد خميس الحكيم من عرض «1980 وإنت طالع» نموذجًا للحديث عن تجربة انتقال عرض لفرقة مستقلة إلى القطاع الخاص، موضحًا فى بداية حديثه أن هذا المسار الذى تحقق لفريق العمل يصعب اعتباره تجربة قابلة للتكرار مرة أخرى.
وأشار الحكيم إلى أن الشروط الفنية وشروط الإنتاج تغيرت كثيرًا، وأصبحت تتحكم فيها عوامل متعددة، من بينها ثقافة الجمهور المصرى فى تعامله مع فكرة «عرض قطاع خاص»، موضحًا أن الجمهور عادة ما يتساءل عن طبيعة العرض، ومن هو نجمه الأول أو نجمته الأولى، وما هى آليات الدعاية الخاصة به، ومن هم الممثلون المشاركون فيه وجمهورهم.
وأوضح أن المتعاملين مع عرض «1980 وإنت طالع» تقبلوا فكرة تحوله إلى عرض قطاع خاص بسلاسة شديدة، ومنحوه مكانة خاصة دون مراجعة شروط السوق التقليدية أو محاولة تطبيقها على ما حدث.
وذكر الحكيم أنه كان من الضرورى طرح تساؤلات حول الفارق بين شروط السوق بالمعنى القديم للكلمة وما جرى مع هذا العرض، متسائلًا عن دور المنتجة أروى قدورة، وما الذى قدمته للعمل إلى جانب توفير خشبة المسرح بكل تجهيزاتها التقنية.
وأشار إلى تساؤلات أخرى تتعلق بما إذا كانت المنتجة قد ساهمت فى حملة الترويج الإعلامى كما اعتاد منتجو القطاع الخاص، أو وضعت شروطًا خاصة بالممثلين المشاركين كما كان يحدث فى التجارب السابقة، فضلًا عن التساؤل عن طبيعة الفرقة نفسها وجمهورها.
وأضاف الحكيم أن دائرة الاهتمام بالعرض اتسعت تدريجيًا، مرجعًا ذلك إلى حماس طلاب الجامعة لزملائهم الذين شاركوا فى التجربة المسرحية.
وأكد أن هذه المسألة تظل معقدة، لأن العمل بمنطق الفرق المستقلة لا يستهدف عادة القطاع الخاص أو جمهوره، موضحًا أن صناع هذه العروض أقرب إلى جمهور نخبوى إلى حد ما، يراهن على قضايا فنية واجتماعية أكثر، ولا يعمل وفق منهجيات القطاع الخاص التقليدية.
وأشار إلى أن فكرة عرض القطاع الخاص تحررت نسبيًا من فلسفاتها القديمة، لكن هذا التحرر ما زال محدودًا، إذا ما نظرنا إلى أسئلة مثل: من قدم العرض؟ ومن تحمس له؟ ومن تولى إنتاجه؟ وكم عدد الليالى التى عُرض فيها؟ ومن هم المشاركون فيه؟ وما حجمهم فى سوق العمل؟ وأضاف أن بعض العروض وقفت خلفها أسماء إنتاجية كبيرة، إلا أن شروط السوق القاسية ظلت عائقًا أمام استمرار التجربة بالشكل الذى يسمح باعتبارها ظاهرة يمكن البناء عليها.
واختتم الحكيم حديثه مؤكدًا أن لكل نوع من أنواع المسرح آلياته وشروطه المختلفة، لافتًا إلى أن التجارب الجديدة تحتاج إلى معايير وشروط مرنة تسمح بطرح الأفكار والتجارب المختلفة، شرط توافر منتج متحمس يقبل كسر القواعد التقليدية فى الإنتاج.
وأشار إلى أن هذا ما حدث فى تجارب مثل عرض «شارلى شابلن»، وكذلك عرض «الست»، حيث كان القائمون على إنتاجهما يدركون أن المكاسب المادية لن تكون كبيرة، لكن الحماس لتقديم تجربة فنية بشروط جمالية مختلفة عن القوالب الإنتاجية القديمة كان الدافع الأساسى وراء هذه التجارب.
المسرح المستقل ليس بديلًا عن المسرح التجاري
أوضح الناقد محمد علام أن المسرح المستقل ليس بديلًا كاملًا عن إنتاج القطاع الخاص، ولا يمكنه أن يأخذ مكانه فى المشهد المسرحى ككل؛ لأن القطاع الخاص يمتلك عادةً موارد أكبر، ومسارح مجهزة، ودعمًا تسويقيًا وعلاقات أوسع، ما يجعل عروضه أكثر انتشارًا بين الجماهير.
وأشار إلى أن المسرح المستقل يعبر فى الأساس عن طاقات الشباب ورغبتهم فى التعبير عن أفكار وقضايا معينة، ولذلك كان المسرح المستقل عبر التاريخ، وفى مختلف أنحاء العالم، بوابة التطور الجمالى لفن المسرح.
وذكر علام أن المسرح المستقل يعانى أحيانًا من مشكلة التواصل مع الجماهير، لأنه غالبًا ما يتحدث بلغة تحتاج إلى من يعرّف بها ويمنحها فرصة أن تُفهم، موضحًا أن الجمهور العام لا ينجذب بالضرورة إلى هذا النوع من المسرح إلا إذا قُدِّم بإبداع جريء أو مشروع واعٍ ومغاير.
وفيما يتعلق بالاستدامة المالية للفنانين المستقلين، أكد أن تحقيقها يظل حلمًا جميلًا لكنه نادر الحدوث؛ فالإنتاج الذاتى يعيش دائمًا فى حالة توازن هش بين الفن والاقتصاد. وأضاف أن قلة قليلة فقط من الفنانين استطاعت تحقيق استدامة حقيقية، وهم الذين نجحوا فى خلق جمهورهم الخاص، أو بناء شبكات دعم، أو تحويل أعمالهم إلى منتجات قابلة للبيع والتكرار.
أما الأغلبية، بحسب علام، فتبقى فى دائرة الدعم الخارجى والمنح أو الأعمال التكميلية.
وأضاف أنه لا يرى أن الفن وحده يمكن أن يكفى لدفع الإيجار والفواتير، إلا إذا نجح المسرحى فى تحويل عمله إلى منتج يطلبه الناس، وهو أمر لا يحدث كثيرًا فى المسرح المستقل؛ لأنه بطبيعته قائم على الدعم والمنح والجهود الذاتية والخارجية.
وحول التجريب فى المسرح المستقل، أشار علام إلى أن المسرح المستقل يمثل رئة فن المسرح فى بلادنا، وأن غيابه قد يؤثر فى مستقبل المسرح واستمراره. لكنه لفت إلى وجود وجه آخر للمسألة، وهو أن التجريب قد يتحول إلى خطاب نخبوّى للغاية إذا لم يُصغ بلغة يفهمها الجمهور، أو إذا غرق فى رموز مغلقة على ذاتها، فيتحول حينها إلى مشهد جميل لا يفهمه إلا القليلون، وربما لا يفهمه أحد.
واختتم الناقد محمد علام حديثه مؤكدًا أن المسرح المستقل ليس بديلًا عن المسرح التجارى، لكنه وجود ضروري؛ لأنه مصدر ثقافى ومعرفى متنوع لا يُستهان به، حتى وإن لم يكن مفهومًا دائمًا للجماهير. كما يمثل بوابة للتجريب الذى يعيد تشكيل لغة المسرح العربى.
أما المسرح التجارى، فيبقى – بحسب قوله – الأمل فى استمرار المسرح بوصفه صناعة لها شروطها ومقاييسها الخاصة، وهو الوجه الاقتصادى الذى يمكن أن يضمن للمسرحيين مكانة اجتماعية راقية إذا ما انتعش هذا النوع من الإنتاج المسرحى.