العدد 966 صدر بتاريخ 2مارس2026
تُعد مشاريع الدراسات العليا بالمعهد العالى للفنون المسرحية إحدى المحطات المهمة لاختبار قدرات الدارسين الفنية والفكرية. ومن خلالها يقدّم والمخرجون والنقاد الشباب تجارب مسرحية تعكس قراءاتهم الخاصة للنصوص وقضايا المجتمع. وفى هذا التحقيق نرصد عددًا من هذه المشاريع، ونتوقف عند ملامحها العامة واختلاف رؤاها الإخراجية. كما نحاول الاقتراب من طبيعة الأسئلة التى تطرحها هذه التجارب، ومدى تنوع أساليبها الفنية
الانتظار بوصفه قهرًا ومقاومة: رؤية إخراجية فى مسرحية «فى الانتظار»
يقول المخرج والفنان إيهاب محفوظ إن مشروعه فى الدراسات العليا تمثّل فى إخراج مسرحية «فى الانتظار»، تحت إشراف الدكتور أيمن الشيوى، وهى من تأليف عبد الله شاهر.
ينطلق العرض من فكرة الانتظار، لا بوصفه حالة زمنية عابرة، وإنما باعتباره وضعًا قهريًا مفروضًا على المرأة، ناتجًا عن حكم أخلاقى يفرضه المجتمع الذكورى. هذا الحكم لا يقوم على فهم حقيقى أو تعاطف إنسانى، بل يستند إلى نظرة سطحية، تختزل المرأة فى شكلها وتُصدر عليها أحكامًا من موقع الهيمنة.
ورغم ذلك، لا تظهر المرأة فى العرض بوصفها كيانًا مستسلمًا، بل كشخصية تحاول المقاومة والتمرد على واقعها المحاصر. انتظارها ليس انتظارًا سلبيًا، بل حالة مشحونة بالصراع الداخلى والرغبة فى الخلاص والسعى نحو التغيير.
إخراجيًا، انعكست هذه الرؤية من خلال بناء علاقات غير متوازنة على خشبة المسرح، تقوم على سيطرة طرف ومحاولات مقاومة من طرف آخر. وقد تجلّى ذلك عبر تفاصيل دقيقة مثل النظرات، والحركات الجسدية، واستخدام الصمت بوصفه عنصرًا دلاليًا، إلى جانب إيقاع بطىء ومقصود يعكس امتداد الصراع وطوله.
وعن تعامله مع النص المسرحى، يؤكد إيهاب محفوظ أنه التزم بروح النص وبنيته الأساسية، لكنه عمل إخراجيًا على تعميق ثنائية القهر والمقاومة. فجاءت المعالجات من خلال الأداء، وتشكيل الحركة، وتوظيف الفراغ المسرحى والصمت، مع الحرص على تقديم المرأة كشخصية فاعلة ومؤثرة، لا كضحية سلبية للأحداث.
أما عن أبرز التحديات، فيشير إلى أن التحدى الأكبر كان تقديم فكرة القهر الذكورى ومقاومة المرأة له دون الوقوع فى المباشرة أو الخطاب الشعارى، فكان الرهان على التفاصيل الصغيرة والأداء المكبوت، بحيث يُرى الصراع ويُحَسّ قبل أن يُقال، ليخرج العرض فى النهاية معبّرًا عن انتظارٍ مشحون بالرغبة فى التغيير.
«الفنار 101»… صراع الحلم والظلمة
قال المخرج مينا لويز إن عرضه المسرحى «الفنار 101» دراما تورج محمد علاء الدين، ديكور شريفة الفايلاكاوى، إضاءة وليد درويش الذى يقدّمه بوصفه مشروعه فى الدراسات العليا، انطلق من فكرة محورية تقوم على الصراع بين الإنسان الذى يمتلك الحلم والقدرة على التطلع إلى ما هو أبعد من واقعه، والإنسان الذى استسلم للظلمة الداخلية حتى غدت جزءًا من تكوينه النفسى والوجودى. وأشار إلى أن هذا الصراع لم يُقدَّم بوصفه مواجهة مباشرة بين شخصيتين، بقدر ما هو تعبير عن عالمين متجاورين: عالم فقد الرغبة فى التغيير، وآخر لا يزال يقاوم بالخيال والطموح.
وأوضح لويز أن هذه الرؤية تُرجمت إخراجيًا عبر بناء بصرى قائم على التباين الحاد، حيث جاء فضاء العرض كاملًا بالأبيض والأسود ليعكس حالة الجمود الداخلى للشخصية الغارقة فى الظلمة، فى مقابل ظهور الشخصية القادمة من الخارج – الحاملة للأحلام – باعتبارها العنصر الوحيد الملوَّن على الخشبة. وأكد أن هذا الاختيار لم يكن جماليًا فحسب، بل أداة درامية أسهمت فى تعميق العلاقات بين الشخصيات، إذ بدت كل مواجهة بينهما وكأنها صدام بين عالمين لا مجرد حوار عابر.
وفى السياق نفسه، أشار إلى أن الحركة المسرحية صُممت بما يخدم هذه الفكرة، حيث اتسمت حركة الشخصية الغارقة فى الظلمة بالمسار المحدود والدائرى، بينما جاءت حركة الشخصية الأخرى منطلقة ومتنوعة، فى إشارة إلى اتساع الفضاء أمام الحلم وضيقِه أمام الاستسلام.
وعن تعامله مع النص المسرحى، قال المخرج مينا لويز إنه تعامل مع النص بوصفه منطلقًا فكريًا وشعوريًا أكثر منه قالبًا جامدًا، مؤكدًا حرصه على الحفاظ على البنية الدرامية الأساسية وروح الصراع التى يحملها النص، مع إجراء معالجات إخراجية على مستوى الإيقاع والبناء البصرى، إلى جانب اختصار بعض التفاصيل الحوارية. وأوضح أن الهدف من ذلك كان تكثيف الحالة الشعورية وتسليط الضوء على الفكرة المحورية المرتبطة بالظلمة الداخلية وفقدان الحلم.
وأضاف أن تقديم العرض فى إطار مشروع أكاديمى ضمن متطلبات الدراسات العليا أتاح له قدرًا من الحرية فى إعادة قراءة النص من منظور إخراجى معاصر، مشيرًا إلى أن الاشتغال على الصورة المسرحية والرمز اللونى وتكوينات الممثلين فى الفراغ جاء بوصفه امتدادًا للنص لا خروجًا عليه، ومحاولة لقراءة ما بين السطور وتجسيدها بصريًا بدل الاكتفاء بالمعنى المباشر للكلمات.
وحول التحديات، أوضح لويز أن العرض واجه صعوبات فنية ومادية فى آن واحد. فعلى المستوى الفنى، تمثل التحدى الأكبر فى تقديم عالم مسرحى كامل بالأبيض والأسود دون الاستعانة بأى ألوان فى الإضاءة أو التكوين البصرى، وهو ما استلزم بحثًا طويلًا فى الخامات ودرجات الإضاءة وملمس الأزياء والديكور لتحقيق التباين عبر الظل والنور والتكوين.
وأشار إلى أن هذا القيد تحوّل من عائق إلى دافع، حيث أسهم فى تعميق الطابع التعبيرى للعرض، وجعل الصورة أكثر تجريدًا وارتباطًا بالحالة النفسية للشخصيات، وكأن الفراغ المسرحى ذاته يعكس عالمها الداخلى.
أما على المستوى المادى، فقال إن التحدى لم يكن فى تقليل عناصر العرض، بل فى القدرة على تنفيذ رؤية بصرية تعتمد على ديكورات كبيرة وتكوينات واضحة رغم غياب الدعم الإنتاجى المؤسسى، نظرًا لأن عروض الدراسات العليا لا تحظى بتمويل من المعهد. وأشار إلى أنه تحمّل، بالاشتراك مع مهندسة الديكور شريفة، التكلفة المادية من مواردهما الشخصية لتحقيق الشكل البصرى المنشود.
واختتم المخرج مينا لويز حديثه بالتأكيد على أن كل عنصر فى العرض جاء نابعًا من إيمان حقيقى بالمشروع الأكاديمى، وأن الضخامة لم تكن شكلية، بل موظفة دراميًا للتعبير عن الإحساس بالحصار والجمود داخل عالم الشخصية الغارقة فى الظلمة، فى مقابل حضور الشخصية الأخرى التى تجسد الحلم والطموح، لتتحول الصعوبات الإنتاجية إلى جزء أصيل من التجربة وبصمة جمالية نابعة من الإصرار قبل الإمكانات..
«العائلة».. رؤية إخراجية فى التضحية حين تنقلب على أصحابها
أشار المخرج أحمد عزت فهمى إلى أن اختياره لنص «عائلة توت» للكاتب أشتيفان أوركينى جاء انطلاقًا من إيمانه بقدرة النص على طرح سؤال إنسانى عميق حول معنى التضحية وحدودها، مؤكدًا أن المعالجة الدراماتورجية التى قدّمها مصطفى عابد أسهمت فى تكثيف الصراع وتركيز الرؤية دون الإخلال بجوهر الفكرة.
وقال إن العرض يرتكز على زيارة الميجور لمنزل عائلة الجندى «جيولا توت» خلال إجازته، وهى الزيارة التى تبدأ بشكل اعتيادى، ثم تتحول تدريجيًا إلى عامل قهر يفرض نظامًا جديدًا على حياة الأسرة، لافتًا إلى أن العائلة تقبل هذا التحول بدافع واحد هو إرضاء الميجور، على أمل أن ينعكس ذلك إيجابًا على مصير الابن الموجود على الجبهة فى حربٍ دائرة بين الجيش المجرى ومجموعات المقاومة.
وأضاف أن إظهار الابن على الجبهة كان خيارًا إخراجيًا مقصودًا، بهدف تعميق التعاطف الإنسانى مع الأسرة، وتمهيد الصدمة الدرامية عند سماع خبر موته فى نهاية العرض، موضحًا أن هذه اللحظة تمثل نقطة التحول الحاسمة فى وعى الأب «لايوش توت»، الذى يدرك أن كل ما قُدِّم من تنازلات وتضحيات قد ذهب سدى.
وأوضح أن فعل الانتقام، المتمثل فى قتل الميجور بقطاع الورق المقوّى، لم يُقدَّم بوصفه فعل عنف مباشر، بل كرمز يجمع بين العبث والقسوة، ويؤكد انحياز العرض إلى الكوميديا السوداء بوصفها أداة لكشف المأساة لا لتخفيفها.
وأشار إلى أنه تعمّد الخروج من عباءة اللغة العربية الثقيلة، متجهًا إلى لغة أكثر بساطة وقربًا من الجمهور، بما يسمح بتواصل مباشر مع المتلقى، ويمنح العرض مرونة أكبر فى الانتقال بين التراجيديا والسخرية.
وأكد أن من أبرز التحديات التى واجهت العمل كون أغلب الممثلين من طلاب المعهد العالى للفنون المسرحية، وتزامن البروفات مع فترة الامتحانات، إلا أن روح التعاون بين فريق العمل، باعتبارهم زملاء وأصدقاء، كانت دافعًا قويًا لإنجاز العرض فى صورته النهائية.
وأضاف أنه لجأ إلى تقليص عدد شخصيات النص الأصلى، مكتفيًا بالشخصيات الأساسية داخل المنزل (الأب، الأم، الابنة)، إلى جانب (الميجور، ساعى البريد)، مع حضور الابن «جيولا»، وذلك لخدمة التكثيف الدرامى وتوضيح الرؤية أمام لجنة التحكيم.
وختم المخرج حديثه بالتأكيد على أن عرض «العائلة» يسعى إلى طرح تساؤل جوهرى أمام المتفرج: متى تتحول التضحية من قيمة إنسانية نبيلة إلى سبب مباشر فى فقدان الذات؟ معتبرًا أن هذا السؤال هو جوهر التجربة المسرحية التى حاول تقديمها على خشبة المسرح .
الحقيقة بوصفها بناءً ذهنيًا.. قراءة إخراجية فى عرض اعترافات زوجية:
عن عرض اعترافات زوجية للكاتب إيريك إيمانويل شميت - إعداد محمد خلف - إخراج عبدالرحمن السبكى قال المخرج عبدالرحمن السبكى، إن العرض انطلق من فكرة محورية تقوم على مساءلة الحقيقة، بوصفها بناءً ذهنيًا قابلًا للتشكّل، لا يقينًا ثابتًا، موضحًا كيف تتحول العلاقات الإنسانية لا سيما القريبة والحميمة، إلى ساحة صراع بين ما نعرفه وما نختار أن نصدقه. وأوضح السبكى أن الرؤية الإخراجية اعتمدت على ترجمة هذه الفكرة عبر بناء مشاهد قائم على التدرّج النفسى لا الحدثى؛ إذ تتكشف العلاقات بين الشخصيات تدريجيًا من خلال الحوار والإيقاع والأداء، وليس عبر تطور تقليدى للصراع. وأشار إلى أنه لجأ إلى تكثيف المواجهات المباشرة وتفعيل الفضاء المسرحى بحيث يصبح المكان امتدادًا للحالة النفسية للشخصيات، بما يبرز هشاشة العلاقة وتوترها، مع توظيف الإضاءة والحركة لتأكيد التحولات الداخلية أكثر من التغيرات الخارجية. وأضاف المخرج أنه تعامل مع النص بوصفه مادة فكرية مفتوحة، فالتزم بروحه وأفكاره الأساسية، مع إجراء معالجات إخراجية على مستوى الإيقاع وبناء المشاهد والتأكيد على بعض اللحظات الدلالية. ولفت إلى أن الهدف لم يكن تغيير النص، بل إعادة قراءته من منظور إخراجى معاصر يخدم الرؤية العامة للعرض.
وأشار السبكى إلى أن هذه المعالجات جاءت بدافع تحويل النص من مجرد حوار فكرى إلى تجربة مسرحية حية تعتمد على الفعل الداخلى، وتمنح المتلقى مساحة للتأويل والمشاركة الذهنية، بما يتماشى مع طبيعة مشروع الدراسات العليا.
وحول التحديات، أوضح أن طبيعة النص القائم على الحوار الكثيف والصراع النفسى فرضت البحث عن حلول إخراجية - على مستوى السينوغرافيا والموسيقى والحركة - تمنع الرتابة وتحافظ على توتر العرض. كما أشار إلى وجود تحديات إنتاجية متعلقة بالإمكانات، ما دفعه إلى تبنّى اقتصاد فى السينوغرافيا والتركيز على الممثل بوصفه العنصر الأساسى فى بناء المعنى.
وختم المخرج حديثه بالتأكيد على أن هذه التحديات انعكست إيجابيًا على العرض، إذ أسهمت فى خلق رؤية إخراجية أكثر تفاعلًا وقربًا من الجمهور، وجعلت من الأداء والعلاقة بين الشخصيات المحرك الرئيسى للعرض.
«مش مهم» رحلة داخل العقل المضطرب بلغة المسرح التعبيرى
أشار المخرج مايكل رفلة إلى أن العرض المسرحى «مش مهم» ينطلق من تفكيك الحالة الذهنية لشخص واقع تحت تأثير المخدرات، حيث يصبح العقل مسرحًا للصراع، والذاكرة مجالًا مفتوحًا للهلوسة والتشظى، مؤكدًا أن النص لا يقدم حكاية تقليدية بقدر ما يغوص فى بنية نفسية مأزومة تتكشف تدريجيًا عبر الفعل المسرحى.
وقال رفلة إن بداية العرض جاءت مع تصاعد التوتر النفسى للبروفيسور، من خلال إشعاله للسجائر المخدرة، وهو ما يؤدى إلى تسارع غير طبيعى فى الأفكار والذكريات، لتتحول الخشبة إلى مساحة ذهنية تتداخل فيها الأزمنة والأصوات، وتظهر التصرفات القهرية مثل تمزيق أوراق التقويم، وفرك اليدين، والصعود المتكرر إلى الشباك، باعتبارها علامات مباشرة على فقدان السيطرة.
وأوضح أن العناصر السينوغرافية لم تُستخدم بوصفها ديكورًا ثابتًا، بل كرموز نفسية فاعلة؛ فالكتب والمكتبة تعبر عن المعرفة المفقودة والهوس بالذاكرة، بينما تمثل رقعة الشطرنج حالة العقل المنقسم ومحاولات التخطيط الفاشلة، فى حين يعكس الهاتف حالة الاضطراب بين الرغبة فى التواصل والعجز عنه، أما الشباك فيجسد الصراع الحاد بين فكرة الانتحار وإمكانية النجاة.
وذكر المخرج أن شخصية بائع الكتب لا تُقدَّم بوصفها كيانًا واقعيًا خالصًا، بل كصوت داخلى أو تجسيد للوعى الكامن داخل البروفيسور، يظهر فى لحظة الذروة كمرشد وحكيم، بينما يأتى صوت الطفل باعتباره رمزًا للبراءة والضمير والذاكرة الطفولية، ومصدرًا للأمل وسط هذا الانهيار النفسى.
وأضاف رفلة أن المنهج التعبيرى كان الخيار الجمالى والفكرى للعرض، حيث اعتمد على الحركة الجسدية المبالغ فيها، والمونولوجات الداخلية، وتداخل الأصوات الخارجية مع الهلوسات، وتشويه الإحساس بالزمن والمكان، مؤكدًا أن التكرار الحركى المقصود لبعض الأفعال يعكس دوران العقل داخل الحلقة المغلقة للألم والذنب.
وأشار إلى أن النهاية، التى تتجسد فى الموسيقى والرقص، لا تعنى الخلاص الكامل، بل تمثل حالة انفصال مؤقت عن الواقع وتحررًا لحظيًا من الألم، بينما اختفاء بائع الكتب فى الختام يوحى بانحسار الهلوسة أو استقرار نسبى للعقل، دون تقديم حلول جاهزة. وعن تعامله مع النص، قال مايكل رفلة:
«تعاملت مع بنية النص الأصلية من خلال معالجة تناسب الجمهور المستهدف، لأن أول قاعدة فى المسرح هى: اعرف وادرس جمهورك، ومن هنا جاء التعاون مع الصديق والزميل محمد ياسين، مؤلف النص، لإعادة صياغة بعض البنى الدرامية بما يخدم طرح المشكلة ويصل بوضوح إلى المتلقى».
وأكد رفلة أن الإبداع المسرحى لا ينفصل عن التحديات، موضحًا: «لا يوجد إبداع بلا تحديات، لكن الحلول الإخراجية ليست مجرد وسيلة لتجاوز العقبات، بل المتعة الحقيقية تكمن فى تناغم جميع أطراف العمل، من الفكرة الأولى وحتى لحظة استقبال الجمهور لها، والتحدى الأكبر دائمًا هو الانسجام مع هوية الجمهور وإثارة مشاعره تجاه القضية المطروحة».
ويُقدَّم العرض ضمن مشاريع الدراسات العليا، تحت إشراف الأستاذة الدكتورة سميرة محسن، تأليف: محمد ياسين، ديكور: آية، إضاءة: وليد درويش، دراما حركية: رحيل عماد، إعداد موسيقي: مايكل رفلة، ملابس: مايكل رفلة، تصميم بوستر: الأستاذة رانيا، مساعد إخراج: محمد البندارى، بطولة: إياد عيد، مارينا صبحى، إخراج: مايكل رفلة.
واختتم رفلة حديثه بالتأكيد على أن عرض «مش مهم» يمثل محاولة واعية لتوظيف المسرح التعبيرى فى كشف أعماق النفس البشرية، وطرح أسئلة الوعى والخلاص الداخلى فى مواجهة العزلة والاضطراب.
«التجربة» مواجهة صريحة مع الذات داخل العلاقات الإنسانية
قالت الفنانة مروج جمال إن عرض «التجربة»، الذى قُدِّم تحت إشراف الأستاذ الدكتور سيد خاطر، ينطلق من فكرة محورية تقوم على مواجهة الإنسان لذاته داخل العلاقات الإنسانية، فى اللحظة التى يُجبر فيها على نزع الأقنعة ومساءلة اختياراته، موضحة أن السؤال الأساسى فى العرض ليس: ماذا حدث؟ بل: ماذا سنفعل الآن؟.
وأوضحت مروج جمال أن العرض يطرح رؤية ترى أن العلاقات لا تنهار بفعل حدث مفاجئ واحد، بل نتيجة تراكم الخوف والصمت وتأجيل قول الحقيقة، ليتحول هذا التفكك العاطفى إلى ما يشبه «تجربة وعي» تكشف المسكوت عنه داخل النفس البشرية. ومن هنا يصبح الصراع الرئيسى صراعًا داخليًا يسبق أى صدام خارجى، وتُطرح أسئلة وجودية تتعلق بالكذب والحب والماضى، مثل: هل نكذب بدافع الحماية أم بدافع الهروب؟ وهل يكفى الحب وحده للاستمرار دون مواجهة؟ وإلى أى مدى يتحكم الماضى فى اختياراتنا وسلوكنا فى الحاضر؟ وأشارت إلى أن هذه الفكرة تُرجمت إخراجيًا عبر تقديم العرض فى صورة لعبة مسرحية، يتورط فيها الجمهور تدريجيًا، فلا يظل مجرد متفرج محايد، بل يتحول إلى شريك فاعل ثم إلى بطل حقيقى داخل التجربة نفسها. وقد تحقق ذلك من خلال كسر الحاجز التقليدى بين الممثل والمتلقى منذ لحظة دخول القاعة، حيث يجد المتفرج نفسه جالسًا إلى طاولة داخل مطعم، بأجوائه وموسيقاه، وكأنه فى موقف حياتى عادى، قبل أن يكتشف تدريجيًا أنه أصبح جزءًا من الحدث.
وأضافت أن تصاعد العرض يؤدى إلى تلاشى الحدود بين الممثل والجمهور، لتتكرر الأسئلة نفسها داخل السياق الدرامى، وتتحول فى النهاية إلى مواجهة حاسمة مع الذات، وطرح سؤال الهوية: من أنا الآن؟ وهل هذا ما أردت أن أكونه؟ مؤكدة أن المتلقى يجد نفسه فى النهاية أمام مرآة تجبره على مواجهة ذاته، لا بوصفه مشاهدًا، بل بوصفه إنسانًا معنيًا بالتجربة.
وعن تعاملها مع النص المسرحى، قالت مروج جمال إن فكرة العرض كانت تشغلها بشكل كبير، وهو ما دفعها إلى التوجه إلى زميلها المؤلف محمد غنيم وطرح رغبتها فى تقديم عمل مسرحى يتناول هذا الموضوع، وقد تحمس للفكرة وبدأ فى كتابة النص، الذى أُنجز خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا لم تتجاوز نحو عشرين يومًا، موضحة أن تلك المرحلة شهدت اجتماعات مكثفة للوصول إلى رؤية مشتركة تخدم العمل.
وأوضحت أن ظروفًا معينة أدت إلى توقف المشروع لمدة عامين، قبل أن تتاح الفرصة أخيرًا لخروجه إلى النور، مؤكدة أن عودة العمل جاءت برؤية أكثر نضجًا ووضوحًا. وأضافت أنه مع استئناف التجربة تواصلت مع مؤلف النص لإجراء بعض التعديلات، وقد رحّب بالفكرة، إلا أن انشغالاته حالت دون استكمال العمل سويًا، ما دفعها إلى إعادة كتابة العرض بنفسها.
وأكدت مروج جمال أن هذه المعالجات شملت إعادة النظر فى تكوين الشخصيات ووجهات نظرها، وبعض المواقف الدرامية، إلى جانب إضافة أبعاد جديدة ناتجة عن تطور الرؤية الإخراجية مع الزمن، مشيرة إلى أن الهدف لم يكن الابتعاد عن جوهر النص، بل تعميقه وتكثيف أسئلته الإنسانية. ويُقدَّم عرض «التجربة» تحت إشراف الأستاذ الدكتور سيد خاطر، بطولة: مروج جمال، محمد الأسمرانى، زياد وليد، تأليف: محمد غنيم، دراماتورجيا وتمثيل وإخراج: مروج جمال.
«الحادثة» مشروع دراسات عليا يعرّى الحب حين ينقلب إلى عنف
قالت المخرجة توئه عبد الفتاح إن عرضها المسرحى «الحادثة»، الذى قدّمته ضمن مشروعها فى الدراسات العليا، ينطلق من فكرة محورية تقوم على تشوّه مفهوم الحب، حين يتحوّل من علاقة إنسانية قائمة على المشاركة إلى امتلاك قهرى، ثم إلى عنف يُمارَس تحت غطاء زائف من التطهير.
وأشارت عبد الفتاح إلى أن اختيار المكان الواحد المغلق - الغرفة المعزولة - جاء بوصفه معادلًا بصريًا للحبس النفسى والعقلى الذى يعيشه «عاصم»، مؤكدة أن الحبس فى العرض لا يقتصر على منى جسديًا، بل يكشف أيضًا عن سجن داخلى يعيش فيه البطل نفسه، ناتج عن منظومة معقّدة من القهر والعنف العاطفى.
وأوضحت أن العلاقات بين الشخصيات بُنيت على ثنائيات درامية حادّة، أبرزها ثنائية المسيطر/الضحية فى علاقة عاصم ومنى، وثنائية الجلاد العاطفى/الضحية غير الواعية فى علاقة الأم بعاصم، معتبرة أن هذه الثنائيات تكشف آليات العنف الخفى داخل العلاقات الأسرية والحميمة.
وذكرت المخرجة أنها تعاملت مع النص الأصلى تعاملًا دراماتورجيًا واعيًا، جمع بين الالتزام بالخط الدرامى الأساسى لنص لينين الرملى-القائم على الحادثة والاختطاف والصراع النفسى وبين إعادة بناء الإيقاع والمشاهد بما يخدم رؤيتها الإخراجية، من دون الإخلال بروح النص أو أفكاره الجوهرية.
وأضافت أن العناصر الفنية لعبت دورًا أساسيًا فى تعميق المعنى، حيث أسهمت الإضاءة فى التعبير عن التحولات النفسية للشخصيات، وجاء الديكور والأزياء امتدادًا للحالة الداخلية، بينما دعمت الموسيقى التصويرية التوتر الشعورى العام للعرض، مؤكدة أن العمل قام على تكامل جماعى بين جميع عناصره.
واختتمت توئه عبد الفتاح حديثها بالتأكيد على أن عرض «الحادثة» يسعى إلى طرح تساؤل إنسانى وأخلاقى حول الحدود الفاصلة بين الحب والسلطة، وبين الحماية والعنف، مشيرة إلى أن المسرح - فى إطار مشروعها الأكاديمى - كان وسيلتها لكشف ما يُمارَس داخل العلاقات تحت مسميات بريئة بينما يخفى فى جوهره قهرًا عميقًا.
العرض التمثيل: فادى وهيب، إميلى خالد، شيماء رضا المرسى، أحمد عزت، الإضاءة: وليد درويش، الديكور والأزياء: شيماء رضا المرسى، الموسيقى التصويرية: إبراهيم عبد الناصر، المخرج المنفذ: زيكو الفخرانى، شكر خاص: عمر علاء، هبة حمدى.
«اعترافات زوجية» قراءة نقدية فى إشكالية الهوية داخل العلاقة الزوجية
قال المخرج عماد علوانى إن مشروعه فى الدراسات العليا بقسم الدراما والنقد المسرحى انطلق من اشتغاله على مسرحية «اعترافات زوجية» للكاتب إيريك إيمانويل شميت، من زاوية إشكالية الهوية داخل العلاقة الزوجية، موضحًا أن المشروع قُدِّم تحت إشراف الأستاذ الدكتور حسام عطا، واعتمد على مستويين متكاملين: تنظيرى وتطبيقى تصوّرى.
وأوضح علوانى أنه على المستوى التنظيرى اعتمد على المنهج الهرمنيوطيقى فى قراءة النص، باعتباره نصًا قائمًا على الالتباس وتعدد المعانى وتأجيل الحقيقة، حيث لا تُمنح الحقيقة بشكل مباشر، بل تتشكل تدريجيًا داخل الحوار. وأضاف أن الحوار فى المسرحية يمثل المساحة الأساسية التى تتكون فيها الحقيقة، وتتحدد من خلالها علاقة كل طرف بذاته وبالآخر، وهو ما جعله مهتمًا بكيفية تشكّل المعنى داخل العلاقة الزوجية، لا بوصفه معنى ثابتًا، بل نتيجة مستمرة للتأويل والمواجهة والاعتراف.
وأشار إلى أنه، بالتوازى مع القراءة النقدية، عمل على بناء تصور لرؤية إخراجية افتراضية انطلقت من منهج فينومينولوجى نفسى، بهدف البحث فى كيفية تجسيد هذه الدلالات على خشبة المسرح. وطرح فى هذا السياق تساؤلات تتعلق بقدرة العرض المسرحى على نقل إحساس الارتباك والشك وفقدان اليقين الذى تعيشه الشخصيات، مؤكدًا أن الهدف لم يكن سرد الحكاية، بل تحويل الحوار والزمن والفضاء والأداء إلى تجربة شعورية يعيشها المتلقى.
وأكد علوانى أن العلاقة بين النص والرؤية الإخراجية داخل المشروع لم تكن علاقة فرض أو إسقاط، بل علاقة تأويل وتجسيد، حيث ساعدته القراءة النقدية على فهم منطق النص من الداخل، بينما انطلق التصور الإخراجى من هذا الفهم ليترجمه إلى تجربة مسرحية تحافظ على روح النص دون تحميله أفكارًا خارجة عنه. وأضاف: «بالنسبة لى، الإخراج هو فعل فهم قبل أن يكون فعل تنفيذ». وأوضح أن المشروع يعكس طبيعة الدراسة فى قسم الدراما والنقد المسرحى، التى تمنح الطالب حرية اختيار المسار النقدى أو الدراماتورجى وفق اهتمامه، وهو ما ينعكس بدوره على شكل التقييم والامتحان. وأشار إلى أنه اختار المسار النقدى، مع وعى كامل بأهمية الربط بين التحليل النظرى والتصور التطبيقى.
وأضاف عماد علوانى أنه اشتغل أيضًا داخل المشروع على مبحث التلقى، من خلال مقارنة عدد من الرؤى الإخراجية التى قُدمت لمسرحية «اعترافات زوجية» فى ثلاث قارات مختلفة: أوروبا، وآسيا، وأفريقيا.
واختار لهذه المقارنة عرضًا فرنسيًا بوصف فرنسا موطن الكاتب، وعرضًا إيرانيًا، وآخر مصريًا، بهدف فهم كيفية تلقى النص الواحد فى سياقات ثقافية واجتماعية متباينة، وكيف تعيد كل رؤية إخراجية تشكيل علاقة الجمهور بأسئلة النص.
وأشار إلى أن هذه المقارنة كشفت عن قدرة النص على العبور بين الثقافات، مع اختلاف زاوية التلقى من مجتمع إلى آخر؛ ففى التجربة الفرنسية برز البعد الفلسفى والعلاقة الفردية، بينما ركز العرض الإيرانى على البعد الأخلاقى وضغط الجماعة، فى حين اقترب العرض المصرى من الواقع اليومى وهشاشة العلاقات الزوجية فى سياق محلى مألوف. وأكد أن الاختلاف لم يكن فى النص ذاته، بل فى الرؤية الإخراجية وموقع المتلقى من العمل.
واختتم علوانى حديثه بالتأكيد على أن مشروعه كان محاولة لفهم المسرحية بوصفها تجربة إنسانية قبل أن تكون نصًا أو عرضًا، تجربة تطرح أسئلة مفتوحة حول الهوية والصدق والحقيقة داخل العلاقات الزوجية، مشددًا على أن وظيفة المسرح، فى رأيه، ليست تقديم إجابات جاهزة، بل فتح مساحات للتفكير وإعادة النظر
القراءة النقدية جسر الفهم الحقيقى بين النص والرؤية الإخراجية
قال الناقد طارق رجب، طالب الدراسات العليا بقسم الدراما والنقد، إن مشروعه البحثى حول العرض المسرحى «فى الانتظار» انطلق من مجموعة من المنطلقات النقدية التى شكّلت إطارًا تحليليًا مفتوحًا، فى مقدمتها التفكيك، والتناص، ومسرح ما بعد الدراما، مؤكدًا أن الإشكالية الأبرز التى واجهته تمثّلت فى الخلط الشائع بين المصطلح والمفهوم، خاصة حين يظن بعض المخرجين أنهم ينتمون إلى المنهج الواقعى بينما تكشف آليات العرض عن مقاربات مغايرة.
وأوضح رجب أن دراسته لمقرر «العبقرية والثقافة» مع الدكتورة رشا خيرى مثّلت نقطة تحول فى وعيه النقدى، إذ علّمته—كما قال—ألا ينحاز إلى منهج نقدى واحد بوصفه طريقًا وحيدًا للقراءة، بل أن يظل الناقد فى حالة جاهزية دائمة لتلقى العمل الفنى، واختيار الأدوات النقدية التى تتناسب مع طبيعته وتقوم بوظائف النقد الحقيقية.
وأشار إلى أن العلاقة بين النص والرؤية الإخراجية فى المشروع محل الدراسة كشفت عن شعور متكرر بوجود فجوة تفصل بين الطرفين، لا جسرًا يصل بينهما، مرجعًا ذلك إلى سيطرة الرؤية الأحادية أحيانًا، وضعف الاطلاع، وغياب الجاهزية على مستويات معرفية وجمالية متعددة.
وذكر رجب أن القراءة النقدية العميقة أسهمت بشكل مباشر فى تعميق فهمه للمشروع، موضحًا أنه تعلّم من دراسته للنقد على يد أساتذة قسم الدراما والنقد أن أى عمل فنى يكون جاهزًا بعناصره لأن يُقرأ من زوايا متعددة، وأن فنيته تجعله حمّال أوجه وقابلًا لتعدد المستويات التأويلية، شريطة أن يمتلك الناقد القدرة على استيعابه وتذوقه قبل الحكم عليه.
وأضاف أن هذه الخلفية النقدية دفعته، عند دراسته لنص «أنشودة البجعة» لتشيخوف، إلى البحث فى مفهوم التناص كما طرحته جوليا كريستيفا، بينما قادته دراسة مشروع «فى الانتظار»، بوصفه عرضًا معاصرًا، إلى تتبع علاقته بنص «رجل المصادفة» لياسمينا رضا، مشيرًا إلى تقاطع العملين فى البنية غير الأرسطية، وتعدد الذروات، وعلاقة هذا التعدد بمفاهيم المسرح النسوى.