«الذى لم يخرج».. حين تصبح الحركة بديلًا للكلمة فى المسرح

«الذى لم يخرج»..    حين تصبح الحركة بديلًا للكلمة فى المسرح

العدد 963 صدر بتاريخ 9فبراير2026

ضمن فعاليات الموسم المسرحى الجديد 2025/2026، للهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة اللواء خالد اللبان، يواصل إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد حضوره الثقافى عبر عرض «الذى لم يخرج» لفرقة قصر ثقافة ببا بمحافظة بنى سويف، من تأليف طارق عمار وإخراج غريب مصطفى، يقدم العرض برعاية الإدارة المركزية للشئون الفنية، برئاسة الفنان أحمد الشافعى، والإدارة العامة للمسرح لمديرتها سمر الوزير.

غريب مصطفى: العرض الذى يترك أسئلة هو العرض الذى يصنع بصمته
يقول المخرج غريب مصطفى: «جاء اختيار النص مصادفة؛ حيث تمت مناقشتى أنا ومهندس الديكور من قبل الإدارة العامة للمسرح حول نص آخر بعنوان «زمن الحصار»، لكن فى اللحظات الأخيرة اقترح علينا المخرج المنفذ قراءة نص «الذى لم يخرج»، وهو نص فصيح وقوى يمكن تعميمه. وبالفعل قرأته فوجدت ضالتى، وتم التغيير».
ويكمل: «أرى أن هناك استحالة فى أن تتوافق أفكار المؤلف والمخرج بنسبة مائة فى المائة؛ لذلك أتعامل مع النص بحرية تامة وفقًا لرؤيتى الإخراجية، التى تكون مفتوحة التأويل فى مناطق معينة، ومقصودة المعنى فى مناطق أخرى».
ويؤكد: «تُبنى الإيقاعات داخل المشاهد وفقًا للإمكانات البشرية المتاحة؛ فالمشاهد التى يشارك فيها جرانْدات الفرقة تختلف عن تلك التى تضم شبابًا جددًا ليست لديهم الخبرة الكافية، إذ يحتاج الأمر أحيانًا إلى خلفية موسيقية أو تكثيف الجمل لضبط إيقاع العرض. أما بخصوص الارتجال فى البروفات فهو موجود بالطبع، لكنه يقتصر على التفاصيل فقط؛ فالخطوط العامة للحركة، مثل أماكنها وتوزيعها على خشبة المسرح، أمر مدروس مسبقًا، بينما تأتى تفاصيلها من حركات مستقيمة أو منحنية أو «كُرفات» وغيرها فى إطار ارتجالى، ولا شك فى ذلك».
ويضيف: «تميل المسرحية إلى مدرستى الواقعية والتراثية، لكننى أحاول قدر الإمكان كسر هذا التصنيف من خلال أداء إخراجى يميل إلى التجريد. كما يسعى مصمم الديكور إلى سحب الرؤية البصرية نحو الاتجاه التجريدى، مع الاحتفاظ بجماليات القطع الديكورية. أغلب عروضى السابقة مالت إلى الفضاءات المغايرة، والتجارب النوعية، ومسرح الشارع، وقد حققت فيها - والحمد لله - نجاحات عديدة، كان آخرها جائزة أفضل عرض حقق أهدافه فى مهرجان «التجارب النوعية». أما هذا العرض، فقد اتجهت فيه إلى العلبة الإيطالية، وهو خيار ابتعدت عنه منذ فترة، ويسعدنى خوضه مجددًا لما يحمله من تحدٍّ جديد بالنسبة لى».
ويوضح: «إن اتصال العين بالعقل لدى المشاهد أكثر قوة وتأثيرًا من اتصال الأذن بالعقل؛ فالثانية تحتاج إلى وقت لترجمة ما يُقال، بينما تأتى الحركة أبسط فى واقعها، وأجمل، وأقوى تأثيرًا على المتفرج. ومن هذا المنطلق جاء اعتمادنا على إبراز الاستعراض بوصفه بديلًا للكلمة، كما أن تكثيف النص والاختزال من المساحة الكلامية دليل واضح على تبنّى الحركة على حساب الكلمة، وهو ما يقتضيه المنهج التجريدى الذى نعمل من خلاله. فنجاح أى عمل فنى يقوم على ترك علامات استفهام لدى المتلقي؛ إذ إن العرض الذى يترك أسئلة حتمًا يصنع بصمة».

شريف شجاع: أنا وسيط بين التنفيذ وإعادة الخلق
يكمل المخرج المنفذ شريف شجاع: «دورى يجنح إلى تنفيذ الرؤية الإخراجية دون تدخل، إذ ألتزم بضبط الإيقاعين البصرى والصوتى، والتوجه العام المتفق عليه مع المخرج. فهو دور وسيط بين التنفيذ وإعادة الخلق، ولكن بشكل واعٍ ومدروس».
ويقول: «فيما يخص سلطة المخرج المنفذ، فهو المخرج فى حال عدم وجود المخرج، لكن دون أى تغيير فى الرؤى المطروحة. ومن هنا نستشف حجم سلطتى كمخرج منفذ أثناء البروفات، حيث أُعد الرجل الثانى فى العرض بعد المخرج، بينما أثناء العروض أُصبح الرجل الأول؛ إذ تنتهى مهمة المخرج ضمنيًا ومهنيًا بانتهاء أول ليلة عرض، ويتسلم المخرج المنفذ العرض برمته لاستكماله».
ويضيف: «الرؤية النظرية غالبًا ما تصطبغ بالطبيعة التجريدية وبإمكانات ضخمة، لكنها تصطدم حتمًا بواقع عملى يعتريه فى الغالب طابع ملموس وإمكانات محدودة ومشروطة، ولا شك فى ذلك. وهو ما يفقدنى – كمنفذ لخطة المخرج – القدرة الكاملة على السيطرة على الحالة المسرحية، ويجبرنا فى كثير من الأحيان على الخضوع للتفاوض حول كل التفاصيل، بحثًا عن بدائل وحلول أخرى».
ويوضح: «يتم تحقيق الاتساق بين الحركة، والإضاءة، والصوت من خلال إدارة هذا الاتساق، الذى يهدف فى الأساس إلى خدمة الدراما. ولكى يحدث ذلك، نتفق منذ البداية مع المختصين، كلٌّ على حدة، على تنفيذ خطة الإضاءة وبلان الموسيقى».
ويؤكد: «غالبًا ما يعمل المخرجون المنفذون المتعاقدون مع مخرجين مغتربين، أى من خارج المحافظة، وهو شرط مالى وإدارى وفنى تفرضه إدارة المسرح؛ فحتى يتم التعاقد مع مخرج منفذ، لا بد أن يكون المخرج مغتربًا عن الفرقة، وإلا فما جدوى التعاقد؟ وهذا يمنح مؤشرًا واضحًا لبعض الاختلافات الفنية بين المخرج والمخرج المنفذ، وأهمها توزيع الأدوار؛ إذ قد يقع المخرج فريسة للقراءة الأولى للممثلين، ومنهم من لا يجيد القراءة».
ويختتم: «فقد يقرأ الممثل ببراعة منذ المرات الأولى لكنه لا يكون ممثلًا جيدًا، والعكس صحيح. وهذا يُنصب فخًا كبيرًا للمخرج الغريب عن الفريق، حيث قد يخطئ توزيع الأدوار. ولأن المخرج المنفذ هو ابن الفرقة، وأهل مكة أدرى بشعابها، أجد نفسى أحيانًا فى حرج بين أن أشير على المخرج بالصواب أو ألتزم الصمت، إلا إذا سمح لى هو بالحديث فى هذا الشأن أو بإعادة التوزيع بالمشاركة معه بالطبع. أما عندما يرسم المخرج حركة مسرحية تكشف خروجه عن نطاق اللعبة المسرحية، فأصمت تمامًا، وأدعو الله أن تمرّ على خير هذا الموسم».
أسامة بدر: الشعر فى المسرح يجب أن يُكمل رؤية المخرج
يقول الشاعر أسامة بدر: «تم ترشيحى للمخرج المتميز غريب مصطفى عن طريق الصديق الشاعر شريف شجاع، حيث إنه لم يسبق أن تعارفنا أنا والمخرج من قبل. ولحبى وتقديرى الكبيرين لفرقة ببا، كونهم جميعًا أصدقاء، سعدت كثيرًا بهذا الترشيح».
ويكمل: «الأغنية الدرامية يجب أن تكون إضافة حقيقية للمشهد، وأن تُعمّق اللحظة الدرامية، وتتسق مع نسيج العرض والمدرسة الفنية التى يُنفَّذ من خلالها، وأن تُكمل رؤية المخرج. أما غير ذلك، فتتحول إلى زيادة وزخرفة، حتى وإن كانت جيدة فى ذاتها».
ويوضح: «نص الذوق للكاتب الكبير د. طارق عمار أقرب إلى السيرة الشعبية؛ لذلك اتفقت مع مخرج العرض على كتابة الأشعار من هذه الزاوية، معتمدًا على التراث الغنائى الشعبى. فموسيقى الأشعار تتماس مع الثيمات المعروفة فى أغانى المصريين، ومع تراثهم الشفاهى العظيم والثرى».

محمد شلقامى: أداء الشيخ بهادر تطلّب العمل على الداخل قبل الخارج
يقول الممثل محمد شلقامي: «أقوم بتجسيد دور الشيخ بهادر، وقد بنيت الشخصية وأبعادها النفسية والاجتماعية وفق معايير وُضعت من قبل المخرج غريب مصطفى والمخرج المنفذ شريف شجاع، وذلك من خلال قراءة دقيقة للشخصية والتعرف على جميع تفاصيلها وأبعادها العميقة. ومن منطلق آخر، احتاجت الشخصية إلى مجهود جماعى لا يعتمد على جانب واحد فقط، إذ إن الدور أكبر من سنى بكثير، ما تطلّب نبرة صوت محددة، ومجهودًا بدنيًا وذهنيًا مضاعفًا، خاصة أنها المرة الأولى التى أؤدى فيها دورًا يختلف عن عمرى بهذا القدر».
ويوضح: «أضافت البروفة الأولى متعة وخيالًا أوسع مقارنة بالقراءة الفردية، وذلك بعد التعرف على رؤية المخرج وتحديد ملامحها، وشكل النص الذى يُراد تقديمه للجمهور. وقد ساعد على ذلك وجود علاقة إنسانية ومهنية جيدة للغاية، رغم عدم وجود معرفة سابقة، إذ إن المخرج على المستويين الفنى والشخصى فنان وخلوق».
ويختتم «الالتزام بالرؤية الإخراجية يأتى أولًا، بوصفه الإطار الحاكم للأداء وحركة الجسد وإيقاع المشهد، أما الارتجال فأعتمد عليه بالتأكيد، ولكن دائمًا فى المساحات التى يسمح بها البناء الدرامى، وبالتنسيق الكامل مع المخرج وموافقته، حتى لا يتحول الارتجال إلى خروج عن السياق أو كسر لنسق العرض. ويبقى التحدى الأكبر بالنسبة لى هو أننى أؤدى للمرة الأولى دور شيخ كبير فى السن، يحمل جانبًا روحانيًا عميقًا، ما فرض عليّ العمل على الداخل قبل الخارج؛ من حيث ضبط الإحساس، وتهذيب الإيقاع الداخلى، والسيطرة على الانفعال، إلى جانب تشكيل ملامح جسدية وصوتية تعبّر عن ثقل التجربة الحياتية والوقار، لا عن العمر الزمنى فقط، فى محاولة للوصول إلى صدق إنسانى يلامس المتلقى قبل أن يلفت انتباهه».

حسام الدين ياسين: العدالة الاجتماعية جوهر شخصية حسن الذوق
يقول الممثل حسام الدين ياسين: «أقوم بتجسيد دور حسن الذوق، وهى شخصية تراثية تعود إلى عصر المماليك. تتمتع شخصية حسن الذوق بأبعاد متعددة، تبدأ بعلاقته بالمسجد، ثم علاقته بالشيخ بهادر، وهى علاقة ذات طابع شبه صوفي؛ فهو الشخص الذى ربّاه، ورأى فيه نموذجًا قادرًا على خدمة المجتمع، فغرس فيه قيم التقى والنقاء وحب الناس. ومن هذا المنطلق تتشكل ملامح الشخصية، خاصة مع نزوله إلى القاهرة لصدّ الظلم الواقع على المجتمع».
ويكمل: «إلى جانب ذلك، تربطه علاقة خاصة بالصالح، ويمكن اعتباره بمثابة رسول إلهى لحسن الذوق؛ إذ يأتيه فى المنام أو فى لحظات الصفاء الروحى، وينير له بعض الرؤى والأفكار. وتُعد هذه العلاقة من أكثر العلاقات الروحية عمقًا داخل النص، وهو ما يتطلب بذل مجهود نفسى كبير أثناء الأداء».
ويؤكد: «من خلال البروفة الأولى، استطعت تكوين رؤية داخلية واضحة لشخصية حسن الذوق وبقية الشخصيات، انطلاقًا من الخيال. والأستاذ غريب - وله كل الشكر - ساعدنا كثيرًا فى تجسيد الشخصيات، من خلال خلق حالة من التضافر والتدفق المتبادل بين الشخصيات داخل العرض».
ويوضح: «أنا لا أُحبّذ الارتجال، وأؤمن بالالتزام بالرؤية الإخراجية، لكن هذا لا يعنى الجمود التام؛ فحسن الذوق ليس قطعة شطرنج تُحرَّك بلا وعى. الهدف الأساسى هو دمج الخبرات المختلفة للوصول إلى أفضل صورة إخراجية ممكنة. لا توجد تعليمات مجردة، بل هناك نقاش دائم فى كل جزئية، حتى فى مشاهد الأكشن بين حسن الذوق والفتوات، حيث كان حسن الذوق رافضًا لهذا الأسلوب القاسى، وهو ما انعكس على طبيعة الأداء».
ويختتم: «الذروة الحقيقية للعرض تظهر فى المشهد الأخير من المسرحية، حين يتجلى موقف حسن الذوق بوضوح؛ إذ يبدو مستعدًا لأن يفنى حياته فى سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية على الأرض، وهو ما يمنح الشخصية بعدها الإنسانى والرمزى العميق».
عرض الذى لم يخرج من تأليف طارق عمار وإخراج غريب مصطفى، مخرج منفذ شريف شجاع، وأشعار أسامة بدر، ألحان مدحت نظير، واستعراضات يحيى عبدالعليم، ديكور وملابس مصطفى صبرة. الممثلون: عاطف سعد، محمد طه، مينا جمال، رمزى وديع، محمد هشام، مى أشرف، هدى جمال، ندى فوزى، محمد شلقامى، الحسينى محسن، يوسف الشيخ، أحمد عادل.
 


جهاد طه