العدد 962 صدر بتاريخ 2فبراير2026
كثيرون تناولوا «كارمن» لبروسبير مريميه، لكن قلة فقط حاولوا الاقتراب منها خارج الظل الكثيف الذى فرضته أوبرا بيزيه، بما رسّخته من صورة أيقونية لكارمن بوصفها رمزًا للحرية المطلقة والأنوثة المنفلتة.
من بين هؤلاء المختلفين يأتى المخرج ناصر عبدالمنعم، الذى قدّم – اعتمادًا على نص استُلهم مباشرة من الرواية الأصلية، وصاغه الكاتب الشاب محمد على إبراهيم – قراءة مسرحية تسعى إلى تفكيك الأسطورة لا إعادة إنتاجها.
ليست ملاكا ولا شيطانا
أجمل ما فى هذا الاختلاف أن النص ومن بعده العرض تجرآ على نزع غلالة التقديس عن كارمن، وجرداها من أجنحتها الملائكية التى طالما أحاطت بها، دون السقوط فى الفخ المقابل بتحويلها إلى شيطان خالص، رغم اعترافها الصريح فى وجه الضابط خوسيه: «أنا الشيطان ذاته».
كارمن هنا ليست ملاكًا ولا شيطانًا، بل إنسانة حباها الرب ملكات خاصة، روحية وجسدية، دعمتها أصولها الغجرية، واستخدمتها فى صراع دائم من أجل البقاء.
انطلاقًا من هذا التصور، اختار الكاتب والمخرج بناء رؤيتهما على السؤال/اللغز: لماذا قتل العاشق خوسيه عشيقته كارمنيستا؟ سؤال يخلق بناءً دائريًا يبدأ من لحظة القتل ويعود إليها، عبر رحلة تعتمد تقنية الفلاش باك، لا بوصفها حيلة سردية، بل كآلية كشف داخل وعى القاتل.
الزمن والمونتاج السينمائى
من لحظة القتل، ومع عويل العاشق على جثة معشوقته، تتردّد الجملة المفتاح: «جميلة جدًا لتموت.. قاسية جدًا لتعيش». أما كيف ولماذا، فذلك ما يتكفل به العرض، الذى يوظف تقنيات قريبة من اللغة السينمائية: من الفلاش باك، إلى المونتاج المتوازى، وصولًا إلى ما يشبه اللقطات القريبة، التى تصنعها بؤر الإضاءة حين تُسلّط على الوجوه والأجساد، فتجبر المتفرج على الإصغاء لما تقوله الشخصيات، وما تعجز عن قوله.
تبدأ الرحلة من حانة باستيا، القواد، بوصفها نقطة الانطلاق والعودة معًا. من هناك، ومن لحظة النهاية، ينتقل المشهد إلى سجن القاتل، حيث يستجوبه آخر عشاق كارمن - مصارع الثيران - بالسؤال نفسه: لماذا قتلت كارمن؟ ومن هنا تبدأ الحكاية، مروية على لسان خوسيه، فى مقاطع منفصلة متصلة، يربط بينها مونتاج دقيق ورقيق فى آن.
الإيقاع والتوتر
يحافظ العرض على توتره دون استعجال، مستفيدًا من البناء الدائرى. يتباطأ الزمن عند لحظات الاعتراف، ويتسارع عند لحظات المواجهة، وكأن الإيقاع نفسه يخضع لاضطراب ذاكرة خوسيه. ومع كل عودة إلى الماضى، تتآكل الحدود الأخلاقية الحادة: لا كارمن مسئولة بالكامل عن مصيرها، ولا خوسيه قادر على الإفلات من جريمته.
وهكذا جاء الأداء يكشف عن وعى الممثلين بالمنطقة الرمادية التى تتحرك فيها الشخصيات، وهو رهان كسبه العرض فى مجمله.
فريم أحمد قدمت كارمن بإدراك لالتباس شخصيتها. لم تقع فى فخ تقديمها عاهرة دائمة، ولا انزلقت إلى صورتها الرومانسية بوصفها امرأة حالمة بالحرية المطلقة. تعرف جسدها كما تعرف هشاشتها، تستخدم الأول، لكنها لا تنكر الثانية. أداء يقوم على الاقتصاد والإيحاء، فتبدو كارمن ككائن يقاتل للبقاء، لا كرمز جاهز للإغواء أو الإدانة.
ينسحب هذا الوعى على أداء خوسيه (ميدو عبدالقادر)، الذى يوازن انفعالاته دون افتعال؛ فلا هو الضحية التى تستجدى تعاطف المتلقى، ولا هو القاتل المنزوع عنه الضمير. خوسيه هنا أقرب إلى البطل التراجيدى، شخصية تقاد إلى مصيرها عبر سلسلة اختيارات خاطئة، لكنها مفهومة إنسانيًا.
المكان بوصفه دلالة
على مستوى السينوغرافيا، يبرز الديكور، الذى صممه أحمد شربى، بوصفه عنصرًا دلاليًا لا خلفية محايدة. فحانة باستيا - المكان الرئيسى ومحرك الأحداث- تمثل فضاءً تتقاطع فيه الرغبات والمصالح، وتُدار فيه الصراعات فى نصف ضوء، كمنطقة بينية بين القانون والفوضى. وغلالة الخلفية كاشفة للقاءات السرية وكأنها عرض سينمائى لما يجب أن يخفى. بينما جاءت الأماكن الأخرى مجرد فضاءات تُحدَّد ببؤر إضاءة وموتيفات بسيطة، كبوابة مصنع التبغ، أو مدخل قصر أحد النبلاء الذى تلتقى أمامه كارمن وخوسيه مجددًا بعد هروبها الأول. وسور التهريب ليس أكثر من رايات مزخرفة يتخفى خلفها المهربون. اختزالات مقصودة تعمّق الدلالة ولا يتفقر المشهد.
فى المقابل، كشفت الإضاءة عن وعى مصممها أبوبكر الشريف بالمعنى الذى يستهدفه المخرج. فالوجوه تتأرجح فى لحظات خاصة بين نصف ظل ونصف نور. بل إن شموع الحانة ترتجف فى لحظات بعينها وكأنها تحذرنا من قادم شؤم.
الرقص لغة لا حلية
لعبت الاستعراضات التى صممتها سالى أحمد، خاصة رقصات كارمن، دورًا محوريًا فى بناء المعنى. فالرقص هنا ليس عنصر إبهار، بل لغة موازية للسرد. تتنوّع رقصات كارمن بين الإغواء الواعى، ومحاولة الخلاص، وشراسة القتال. فيتحول الجسد إلى ساحة صراع لا تقل قسوة عن الحوار. جسد يُستخدم للسيطرة، ثم للهروب، ثم للمقاومة، قبل أن يصير موضوعًا للقتل، فيصبح الاستعراض امتدادًا للصراع الدرامى لا فاصلًا عنه.
مأساة الجسد والحرية
فى المحصلة، لا يقدّم العرض «كارمن» بوصفها أسطورة عن الحرية، ولا حكاية غرام انتهت بجريمة، بل مأساة إنسانية يكون فيها الجسد ساحة الصراع الأخيرة. جسد يرقص للإغواء، ثم للنجاة، ثم للقتال، قبل أن يصير موضوعًا للقتل. وفى المقابل،حرص العرض على ألا يقدم خوسيه كوحش ولا كضحية، بل كبطل تراجيدى يعجز عن التعايش مع حرية لا يستطيع امتلاكها، فيحوّل الحب إلى حق، والرغبة إلى سلاح.
هكذا يصبح القتل ذروة منطقية لمسار لم يعرف كيف يتوقف، وتغدو الحكاية - كما رُويت على لسان خوسيه - محاولة متأخرة للتطهر، لا لتبرير الجريمة، بل لفهمها. وكأن العرض يواجه المتفرج بسؤال قاسٍ ومفتوح: حين يفشل العشق فى التعايش مع الحرية، من يدفع الثمن.. كارمن وحدها أم الجميع؟
رافد مضاف لنهر قديم
فى هذا السياق، لا يبدو عرض «كارمن» عملًا معزولًا داخل تجربة ناصر عبدالمنعم، بقدر ما يأتى امتدادًا طبيعيًا لمسيرته الإخراجية، التى تشى بانحيازه الواضح إلى مسرحة الرواية بوصفها مجالًا رحبًا للغوص فى النفوس والهويات الهشّة. فمن «أحدب نوتردام» إلى «الطوق والأسورة»، ومن «طفل الرماد» إلى «ناس النهر»، ظل ناصر عبدالمنعم مسرحيًا يجد نفسه أكثر فى معاركة النص الروائى، بما يتيحه من تعقيد نفسى وتداخل اجتماعى، وبما تحمله شخصياته – فى أغلبها – من حياة على الهامش.