بيت السحيمي يحتفي بفنون الفرجة وعرض «صبر ناعسة»

بيت السحيمي يحتفي بفنون الفرجة  وعرض «صبر ناعسة»

العدد 961 صدر بتاريخ 26يناير2026

استضاف مركز إبداع بيت السحيمي بشارع المعز، التابع لصندوق التنمية الثقافية، الأسبوع الماضي ندوةً عن فن الفرجة الشعبية، أدارها الاستاذ بقسم فنون الأداء شعبة المسرح الشعبي بالمعهد العالي للفنون الشعبية  ورئيس تحرير جريدة مسرحنا الناقد محمد الروبي، وشارك فيها كلٌّ من الدكتور محمد حسن شاكر، رئيس قسم فنون الأداء بالمعهد العالي للفنون الشعبية، والدكتور إبراهيم عبد العليم استاذ دكتور بقسم الادب الشعبي ، إلى جانب المخرج عادل مهران، مخرج عرض «صبر ناعسة» الذي قُدِّم قبل الندوة. وجاءت الندوة بحضور نخبة من الإعلاميين والصحفيين والمسرحيين، وعميد المعهد العالي للفنون المسرحية الدكتورة سمر سعيد مونودراما « صبر ناعسة «هو عرض تابع للمعهد العالي للفنون الشعبية قسم فنون الاداء شعبة المسرح من تأليف د. ابراهيم عبد العليم اخراج عادل مهران بطولة غادة الشرقاوي  إشراف الاستاذ الدكتور محمد حسن شاكر    مساعدين إخراج إسلام فايد ورضوى حمدي ، إضاءة موكا بوسترات وتنفيذ ديكور ملك ماجد مكياج منه بدر الدين عازفة ربابه وغناء صفاء هلالي مخرج منفذ أدهم صفوت، دعاية وإعلان إسلام فايد، مساعدين ديكور صفوت محمد وصلاح بدرالدين، مصمم ديكور مريم ماجد ،دراما حركية عبد الله رفعت  العرض يسلط الضوء على الدور التاريخي لشخصية « ناعسة « في رحلتها مع النبي أيوب ، حيث يسجد معاناتها وصبرها.

الفرجة الشعبية .... من الجذور الشعبية إلى جوهر المسرح
استهلّ الناقد محمد الروبي الندوة قائلًا: «نتحدث اليوم عن فن الفرجة الشعبية، ومعنا اثنان من المتخصصين في هذا الفن، ومعنا أيضًا أحد أبنائنا النجباء، عادل مهران، الذي قدّم عرضه صبر ناعسة قبل الندوة».
وأوضح الروبي معنى مصطلح «الفرجة الشعبية»، مؤكدًا أن أي مصطلح مركّب من أكثر من كلمة يستلزم تفكيك عناصره لفهمه على نحو أدق، وهما هنا: «فرجة» و«شعبي».
وتابع: «كلمة فرجة في أصلها الشعبي مشتقة من فرج أي انكشف، لكنها اصطلاحًا تتجاوز مجرد الرؤية البصرية. أما كلمة شعبي فتقع حولها إشكالية شائعة، إذ يتصور البعض أن ما هو شعبي أقل قيمة أو أدنى شأنًا، وهو تصور خاطئ نسعى إلى تصحيحه. فـ(نون الجماعة) هنا تعود على كل المتخصصين في هذا المجال، وبشكل خاص على المكان الذي ننتمي إليه، وهو المعهد العالي للفنون الشعبية التابع لأكاديمية الفنون. فالشعبي لا يعني أبدًا أنه شيء أدنى؛ بل قد يكون العكس تمامًا، إذ إن الشعبي هو نتاج شعب، خارج من إحساسه ومعتقداته الخاصة وطريقته في النظر إلى الحياة والعالم، وعاداته وتقاليده. وأي تعالٍ على هذه الخصوصية يُدين صاحبه، لأنه لا يعي أن لكل شعب طريقته في فهم الكون والتعبير عن الحياة».
وأضاف: «ومن خلال هذين المعنيين، فرجة وشعبي، نستطيع أن نقول إن الفرجة الشعبية هي أشكال أدائية تخص شعبًا بعينه. وكونها تخص شعبًا يعني أنه هو من اخترعها، دون أن نعرف تحديدًا من فعل ذلك؛ فهذه إحدى سمات الشعبية، إذ لا يوجد مؤلف فرد، ولا شخص يدّعي أنه اخترع هذا الموال أو تلك الرقصة أو هذه الطريقة في تفصيل الزي. لقد نشأت هذه الأشكال وانتشرت عبر مسار طويل من الزمن، وتوارثتها الأجيال المتعاقبة عبر حضارات الشعوب».
وأشار الروبي إلى أن الحضارة المصرية تُعد من أعرق الحضارات في العالم، وهو أمر تثبته حقائق التاريخ، موضحًا أن هذه الحضارة أفرزت عددًا كبيرًا من أساليب التعبير الشعبي عن الحياة، منذ مصر القديمة وحتى اليوم، في طقوس الدفن والحزن والزفاف والختان، وغيرها. ومع تطور الزمن وتوالي الأجيال، تطور كل أداء من هذه الأداءات بشكل مستقل، لتشمل الرقص والغناء والموال وطقوس الحزن، وطريقة صنع الأزياء، وأساليب الطهي، وغيرها من أشكال التعبير المتعددة.
وتابع: «عندما جاءنا المسرح، كان مسرحًا يخص حضارة أخرى وأناسًا آخرين، وقد تصوّر من جلبوه إلينا أنهم سيعرضونه في صحراء إنسانية لدى أناس لا يعرفون الفرجة. لكنهم اكتشفوا أن هؤلاء الناس تربّوا على الفرجة وصناعتها، وأن لديهم أشكالًا متعددة منها. لذلك لم يكن المسرح فنًا غريبًا عنهم، وإن اختلف شكله. ومن هنا اكتشفوا الحكواتي، الذي يمسك بربابته ويروي سيرة أبي زيد الهلالي أو عنترة، وهو شكل قريب من المسرح الوافد مع بعض الاختلافات البسيطة، لكن أوجه التقارب واضحة: مؤدٍّ وجمهور يجتمعان في اللحظة نفسها والمكان نفسه. وينسحب الأمر ذاته على الأراجوز والحكايات الشعبية».
وأوضح الروبي أنه مع دخول المسرح الإيطالي، قُدِّم بوصفه الشكل المعتمد للمسرح، لكن سرعان ما تساءل بعض المبدعين: كيف يُقال إننا نتعرف إلى المسرح لأول مرة ولدينا أشكالنا الخاصة؟ وكان من أوائل من خاضوا هذه المغامرة الروائي الكبير يوسف إدريس، الذي رأى في حفلات السامر بالقرى شكلًا مسرحيًا أصيلًا يخصنا وله مواصفاته الخاصة. والمفارقة، بحسب الروبي، أن هذا الشكل وغيره من الأشكال الشعبية استلهمه المسرح العالمي لاحقًا بعشرات، بل مئات السنين، وهو يتصور أنه يطوّر المسرح، بينما كانت فكرة التفاعل المباشر مع الجمهور موجودة لدينا منذ زمن بعيد.
واختتم الروبي حديثه بالإشارة إلى المخرج العالمي بيتر بروك، أحد أهم مخرجي المسرح في العالم، الذي لم يكتفِ بالمسرح الغربي، بل طاف العالم وجاء إلى الشرق، معلنًا أنه وجد ضالته، مؤكدًا أن المسرح، سواء كان غربيًا أو شرقيًا، هو في جوهره احتفالية. وبما أنه احتفالية، فلا يصح أن ينقسم إلى محاضر وجمهور، بل يجب أن تقوم على المشاركة. ومن هنا، فإن أغلب مبدعي المسرح الحديث في العالم، من بريخت وحتى تيارات «ما بعد الحداثة» و«ما بعد الدراما» و«ما بعد المسرح»، كانوا يدورون حول جوهر فكرة الفرجة الشعبية المصرية، التي تجعل المتلقي شريكًا فاعلًا في العرض المسرحي .

فنون الفرجة الشعبية وجذورها في الوجدان المصري
وفي كلمته أوضح الأستاذ الدكتور محمد شاكر أن الحديث عن الفنون الشعبية يظل حديثًا في غاية الأهمية، مشيرًا إلى أن من تربّى في بيوت الفلاحين يدرك جيدًا كيف كانت مواسم الحصاد تمثل مناسبات اجتماعية وثقافية كبرى؛ حيث كان الناس يلتقون، ويمارسون فنونهم وألعابهم الشعبية وأغانيهم، وكان يظهر المسرح آنذاك في صورة شعبية بسيطة، يتخذ من بعض خفيفي الظل – أو ما أطلق عليه يوسف إدريس لاحقًا اسم “فرفور” – عنصرًا أساسيًا، ليقوم بتمثيل قصة بسيطة في حبكتها وصراعها، تنتهي وفق ما يريده الجمهور، مع وجود تفاعل مباشر وأساسي بين المؤدين والجمهور، الذي لم يكن مجرد متفرج، بل شريك في العرض.
وتابع قائلاً: عندما نتحدث عن فنون الفرجة الشعبية، نجد تمييزًا بين مصطلحين: “فرجة شعبية” و“فنون فرجة شعبية”. فالفرجة الشعبية تشمل أنماطًا مثل البهلوان، والقرداتي، وألعابًا شعبية متعددة كالثلاث ورقات ولعب النار، بينما تضم فنون الفرجة الشعبية الفنون الأدائية مثل الأراجوز، وخيال الظل، وشاعر الربابة، وريّس فن الموال المصري. كما أشار إلى الفنون المسرحية التي تناولها المؤرخون القدماء، حيث رصد إدوارد وليم أحد عروض المحبظين، وذكر أنه شاهد عرضًا لم يفهم محتواه في البداية، لكن بعد ترجمته تبيّن له بساطته، ورغم ذلك اعتبره حالة فريدة من التفاعل الحيوي والمشاكس بين الجمهور والمؤدين، مؤكدًا أنه لم يشاهد في العالم عرضًا بهذه البساطة يمتلك هذا القدر من الجاذبية والتفاعل، حيث يؤدي الجمهور دورًا أقرب إلى المؤدي منه إلى المتفرج.
وأضاف: عندما نتناول فنون الفرجة الشعبية، سنجد أن معظم من نادوا بتأصيل المسرح المصري – بداية من يوسف إدريس وحتى الآن – ارتكزوا في أطروحاتهم على هذه الفنون. وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر، جاءت بفرقها المسرحية وقدمت عروضًا رآها الشعب المصري شكلاً جديدًا ومختلفًا، إلا أن المصريين كانوا يمتلكون بالفعل مسرحهم وأشكالهم الأدائية الأصيلة. وحين ظهر يعقوب صنوع، اعتمد على المزاوجة بين العروض الشعبية ومضامينها، وبين الشكل المسرحي الأوروبي، إلى أن وصلت أخباره إلى الخديوي إسماعيل، الذي أُعجب بتجاربه وطلب منه تقديم عروضه على مسرح قصر النيل بقصر الخديوي آنذاك. وقد استثمر يعقوب صنوع التيمات الشعبية والفنون الأدائية التي يقبل عليها الجمهور، معتمدًا على ذائقته وميوله.
وأشار الدكتور محمد شاكر إلى أنه عند الحديث عن فنون الفرجة الشعبية في مصر، نجد أن الموسيقى تمتزج بالأداء، وبالكلمة، وبالرقص، في وحدة لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها البعض؛ ففي أفراح الفلاحين تتجلى هذه العناصر مجتمعة، لأن المصري بطبيعته يجد متعته في امتزاج الموسيقى بالرقص وبالأغنية وبالكلمة، وهي عناصر لا يمكن تجزئتها. وأكد أن معظم منظّري الدراما أقرّوا بأن لمصر طابعًا خاصًا في تقديم فنونها، ومذاقًا ونكهة فنية مميزة تبهر العالم أجمع.
وتطرق إلى ما أشار إليه سابقًا الأستاذ محمد الروبي حول “بريخت”، موضحًا أن الملحمية عند بريخت تستند في جوهرها إلى الدراما الشعبية، والمسرح الشعبي، وفنون الفرجة الشعبية، حيث يقوم العرض المسرحي – وفق رؤية بريخت – على اتفاق ضمني بين المؤدي والجمهور على الفرجة والاستمتاع. كما تناول عرض “الفرافير” للفنان الكبير كرم مطاوع، والخلاف الذي نشأ بينه وبين الكاتب يوسف إدريس، حيث كان يوسف إدريس يرى أن المخرج هو من يمتلك العرض، بينما يكون للمؤلف النص. وأكد أن كرم مطاوع، لو كان قد فعّل حالة التفاعل الحي الموجودة في المسرح الشعبي، والتي نادى بها يوسف إدريس، من خلال إشراك الجمهور وتداخله كما يحدث في العروض الشعبية، لكانت رؤية يوسف إدريس قد تحققت بشكل أوضح.
ثم عادت الكلمة إلى الناقد الأستاذ محمد الروبي، الذي وجّه سؤاله إلى الدكتور إبراهيم عبد العليم حول سر اهتمامه بهذا النوع من المسرح، وكيفية تعامله مع نص يمزج بين الموال الشعبي المستلهم من نص ديني وبين البناء المسرحي.

التراث الشعبي المصري زاخر بالتيمات الغنية
وفي مداخلته، استهل الدكتور إبراهيم عبد العليم حديثه بتوجيه الشكر إلى الدكتورة سمر سعيد، مشيرًا إلى أن دعمها وجهودها كان لهما الفضل الأكبر في خروج العرض إلى النور. وأوضح أن عرض «صبر ناعسة» ينتمي في جوهره إلى الفرجة الشعبية والمسرح الشعبي، مستشهدًا بـالسيرة الهلالية بوصفها واحدة من أهم أشكال الفرجة الشعبية في التراث المصري.
وتوقف عبد العليم عند إحدى مفارقات السيرة الهلالية، حين كان أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة يتبارزان فوق أحد المباني، رغم أن الزناتي خليفة كان يبلغ من العمر تسعين عامًا، واستمر القتال بينهما تسعين يومًا حتى انتصر أبو زيد. وأشار إلى أن الحسن بن سرحان تساءل آنذاك عمّا فعله أبو زيد، ليقوم عبد العليم بإلقاء مقاطع شعرية تروي مراحل المبارزة في أعمار العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين وصولًا إلى التسعين عامًا، في دلالة على الامتداد الزمني والبطولي للشخصية الشعبية.
وأكد عبد العليم أن انشغاله بالقصص الشعبية بدأ منذ طفولته، حين كان والده يروي له هذه الحكايات، مشيرًا إلى أن العديد من الأعمال العالمية انطلقت في الأصل من حكايات شعبية، مستشهدًا بمسرحية «الملك لير» المعروضة حاليًا على خشبة المسرح القومي، والتي تعود جذورها إلى قصة شعبية عن ثلاث فتيات (وعد، ودهب، وفضة)، لافتًا إلى أن شكسبير وغيره استلهموا التراث الشعبي في أعمالهم، كما فعل كثيرون.
وانتقل عبد العليم للحديث عن عرض «ناعسة»، موضحًا أن الناس في تلك الفترات التاريخية كانوا يتحدثون باللغة الشعبية المتداولة، ولم تكن هناك لغة رسمية بالمفهوم الحديث، مؤكدًا أن اللغة المصرية بمصطلحاتها لغة قديمة خالصة ومتوارثة.
كما أشار إلى مفارقة كتابة نص «صبر ناعسة»، موضحًا أنه كان يشاهد عرض «الجازية الهلالية» على مسرح السامر، وهو العرض الذي حصد عدة جوائز، وبعد انتهائه جلس في أحد المقاهي وبدأ في كتابة النص، وعند عودته إلى منزله كان قد أتم كتابته بالكامل. ثم قدّم النص للمخرج عادل مهران، وهو طالبًا بالمعهد العالي للفنون الشعبية، وهو المكان الذي ينتمي إليه عبد العليم فكريًا، لما يحمله من اهتمام أصيل بالتراث والتيمة الشعبية.
وأوضح أن تقديم العرض في بيت السحيمي لم يكن مصادفة، إذ يُعد مكانًا ثريًا بالتراث الشعبي، كما أن رئيس البيت أستاذ في الأدب الشعبي وكان عميدًا سابقًا، فضلًا عن أن شباب المعهد العالي للفنون الشعبية يتمتعون بقدرات إبداعية مميزة. وأكد أن هذا الفضاء التراثي منح عرض «ناعسة» بعدًا جماليًا خاصًا.
وتابع عبد العليم قائلًا إن توفيق الحكيم قدّم مسرحية «بجماليون»، وكذلك «أهل الكهف» المستلهمة من التراث الديني، مشيرًا إلى أنه استلهم بدوره من التراث الشعبي، خاصة أنه تربّى فكريًا على كتابات شوقي عبد الحكيم الذي اعتبره بمثابة خالٍ له. وأكد أن التراث الشعبي المصري زاخر بالتيمات الغنية، ولا حاجة للاعتماد على النصوص المترجمة، مستشهدًا بتقديمه عرض «الأميرة ذات الهمة» العام الماضي عن نص لشوقي عبد الحكيم، والذي قُدم ست ليالٍ كاملة وحقق إقبالًا جماهيريًا كثيفًا في كل ليلة، ما يعكس تعطش الجمهور لتيمات التراث الشعبي أكثر من العروض المترجمة.
وتناول عبد العليم شخصية ناعسة، موضحًا أنها صبرت على زوجها أربعين عامًا، وأن ناعسة وردت في التراث الديني بوصفها رحمة بنت أفرائيم بنت يوسف عليه السلام، بينما ينتسب النبي أيوب عليه السلام إلى سيدنا إبراهيم، وهو ما يؤكد أن الأصل متوارث دينيًا وشعبيًا. وأشار إلى نماذج الصبر في القرآن الكريم، مثل صبر أيوب، وكرب سيدنا يونس في بطن الحوت، ويتم النبي محمد ?، مؤكدًا أن الصبر تيمة مركزية في الوعي الديني والشعبي.
وأضاف أن الأستاذ زكريا الحجاوي – رحمه الله – كان واعيًا بذكاء إلى هذه التيمات، فظل الإيقاع الموسيقي لـ«ناعسة» حاضرًا حتى اليوم. وأوضح أنه قدّم «ناعسة» في إطار معاصر، يجمع بين المعاناة والحب، متسائلًا: هل لو كانت ناعسة في مكان زوجها كانت ستتزوج عليه؟ ليؤكد أن الإجابة هي: نعم، لأن الرجل – في رأيه – لا يمتلك صبر المرأة. فالمرأة، بحسب التراث الشعبي، تمتلك قيم الصبر والمودة والحب، وهي في جوهرها تمثل كل شيء.
ثم عادت الكلمة مرة أخرى للناقد محمد الروبي، الذي وجّه تساؤلًا إلى الكاتب د. إبراهيم عبد العليم حول سبب تقديم شخصية «ناعسة» في هذا التوقيت، ولماذا اختار تقديمها في قالب المونودراما. وأوضح عبد العليم أن «ناعسة» قُدِّمت كثيرًا من قبل في الثقافة الجماهيرية، مشيرًا إلى أنه يسعى من خلال هذا العمل إلى إبراز تيمة المرأة الصابرة المتسائلة، كما طرح تساؤلًا محوريًا: هل لو كانت «ناعسة» في مكان زوجها، هل كانت ستتزوج؟ وأضاف أن المجتمع قاسٍ على المرأة، لا سيما أنها تتحمل العبء الأكبر من المسؤوليات الاجتماعية، بدءًا من تربية الأبناء، مرورًا بالأعمال المنزلية، وصولًا إلى تنظيم شؤون الحياة اليومية. مؤكدًا أن «ناعسة» تمثل رمزًا للصبر والتحمل، وهي رمز للمرأة المصرية على وجه الخصوص.
وأشار إلى أن «ناعسة» تمر بعدة مراحل إنسانية واجتماعية، ففي مرحلة تكون ثرية، وفي مرحلة أخرى لا تملك شيئًا، ليتجسد السؤال: هل ستترك أيوب أم ستقف بجواره وتعاونه؟ وفي النص الدرامي تصبر «ناعسة» على أيوب ثمانية عشر عامًا، بينما في القرآن الكريم صبرت «رحمة» — كما جاء اسمها — أربعين عامًا.
واختتم بأن «ناعسة» تمثل مراحل مصرية متعددة، مرت بالمعاناة والهزيمة، ثم النصر، وصولًا إلى التطور.
“ناعسة هي البطلة الحقيقة في حكاية الصبر"
 أعرب المخرج عادل مهران عن سعادته الكبيرة بتواجده وسط أساتذته الذين تتلمذ على أيديهم، موضحًا في البداية رؤيته لشخصية «ناعسة»، قائلًا: «الجميع يعرف من هو سيدنا أيوب، لكن كثيرين يغفلون من هي ناعسة. أيوب صبر على مرضه، نعم، لكن ناعسة هي من وقفت بجواره، وصبرت، وعملت بكد، وتحملت أقاويل الناس، وحملته وهاجرت به من مكان إلى آخر لتتعايش مع مرضه».
وأضاف مهران: «اخترت تقديم ناعسة في عمل مونودراما، وهي فكرة إخراجية خالصة، لأنني وجدت أن تقديمها وحدها يمنحها المساحة الكاملة التي تستحقها. ولو قُدمت ناعسة في زمنها الفعلي فقط، سنراها في الإطار التاريخي لسيدنا أيوب، لكنني أردت طرح سؤال أعمق: لماذا صبرت ناعسة؟ وهل لو وُضعنا مكانها كنا سنحتمل المرض وندعم الشريك، أم كنا سنبحث عن طريق آخر؟».
وتابع: «يتضمن العرض انتقال ناعسة إلى زمننا الحالي، لطرح تساؤل معاصر: هل كانت ستصبر على زوجها في هذا الزمن، أم كانت ستتركه؟ والإجابة التي يقدمها العرض أنها صبرت، وتحملت، وساندت، كما فعلت في الماضي».
واختتم قائلًا: «اخترت أن تكون ناعسة هي الشخصية الوحيدة على المسرح، حتى نُسلّط الضوء عليها وحدها، دون وجود أي شخصيات أخرى قد تُشتت انتباه الجمهور عن جوهر الحكاية ورسالتها “
وفي ختام الندوة، أعربت الدكتورة سمر سعيد، عميد المعهد العالي للفنون الشعبية، عن سعادتها بمشاهدة عرض «صبر ناعسة»، تأليف د. إبراهيم عبد العليم وإخراج عادل مهران، موضحةً أن العرض يبعث بالعديد من الرسائل المهمة التي عاشها الجمهور وتفاعل معها.
وأشارت إلى أن الدراما غالبًا ما تمنح في نهاياتها بصيصًا من الأمل، إلا أن العرض اتسم في مجمله بطابع المعاناة، لافتةً إلى أن توظيف فنون الفرجة الشعبية داخل العرض شكّل ملمحًا مميزًا، وأسهم في التخفيف نسبيًا من حالة الكآبة التي سيطرت على أجوائه واختتمت مداخلتها بالتأكيد على أنها كانت تتمنى وجود ولو بصيص من الأمل في نهاية العرض.
كما أشاد الناقد محمد الروبي ببطلة مونودراما ناعسة، الفنانة غادة الشرقاوي، معتبرًا إياها اكتشافًا مهمًا وموهبة متفردة لفتت الانتباه بقوة.
 


رنا رأفت