عرض من خارج الصندوق «جوغينغ»… حين يركض الجسد تبوح الذاكرة وتنكشف الجراح

عرض من خارج الصندوق «جوغينغ»… حين يركض الجسد تبوح الذاكرة وتنكشف الجراح

العدد 960 صدر بتاريخ 19يناير2026

إجمالًا، وقبل الدخول في تفاصيل عرض حنان الحاج علي الذي قدمته على خشبة مسرح الهناجر بالقاهرة، أقول إنني أحببته كثيرًا، وأدرجته مباشرة في قائمتي الخاصة بعروض «خارج الصندوق». تلك العروض التي لا تُختصر في حدوتة يمكن سردها. بل لابد من معايشتها  كفعل حي يُشاهد ويختبر.
قبل أن يبدأ العرض بالمعنى التقليدي، يكون قد بدأ فعليًا. حيث يدخل الجمهور فيجد جسد الممثلة ممددًا على الأرض، يمارس تمارينه الإحمائية، يتمطط، يختبر أنفاسه ومفاصله. جسد في حالة عمل لا عرض.
 تخاطب حنان الحاج علي الجمهور مباشرة، تشير إلى أماكن الجلوس، تقترح، تعيد ترتيب العلاقة المكانية. هذه اللحظات الأولى ليست تمهيدًا، بل تعاقدًا مسرحيًا: اتفاق ضمني على أن ما سيُشاهد ليس «شخصية» تحكي، بل «جسدًا» يعمل.
ينطلق العرض من فعل بسيط ( الركض ). لكنه لا يظل إطارًا شكليًا، بل يتحول إلى بنية إيقاعية وفكرية. فالنَفَس المتقطع و التوقفات المفاجئة وتغيّر الوتيرة، ليست عناصر أدائية فقط، بل أدوات بناء درامي. الركض هنا تمرين ونجاة ومقاومة في آن، بل واختبار للجسد في فضاء عام غير محايد للمرأة.
 حنان الحاج علي هنا لا ( تمثل) التعب، بل تُنتجه، فتتحوّل المشاهدة إلى شهادة مباشرة على فعل حي.
بنية العرض لا تعتمد السرد الخطي. بل أقرب إلى خرائط الذاكرة والجسد: ومضات، قفزات، استدعاءات مفاجئة، وتداخل أزمنة. فنحن مع حنان ننتقل بين أصوات متعددة:  زوجة، أم، ممثلة، امرأة خائفة أو غاضبة، و»ميديا» الأسطورية.
هذه الأصوات ليست شخصيات مكتملة، بل طبقات داخل وعي واحد، تكشف ما يطفو جسديًا: الخوف، القهر، الرغبة، ارتباك الهوية.
العرض إذن لا يقدم سيرة ذاتية، بل تفكيكًا لوعي أنثوي في تماس دائم مع واقع مضطرب.
الجسد هنا ليس مجرد أداة تمثيل، بل مولّد للمعنى. فكل تغيّر جسدي ينتج تحولًا دلاليًا. والأداء قائم على الحضور أكثر من التمثيل، وعلى الصدق الجسدي أكثر من الإقناع التقني، وهو ما يمنح العرض توتره الخاص: توتر ناتج عن الانكشاف لا عن الحبكة.
حكايات النساء هدف لا شعار
يبني «جوغينغ» على سلسلة حكايات نسائية: عاشقة، زوجة، أم، ممثلة. حكايات عن الجسد والخوف والرغبة والقهر والوحدة والشيخوخة، وعن التعايش اليومي مع عالم يضغط على المرأة لا بوصفها قضية، بل بوصفها كائنًا حيًا. هذه الحكايات ليست شعارات جاهزة، بل شظايا حياة تتقاطع وتتضارب، لكنها ترسم خريطة وجود نسوي معاصر.
ومع ذلك، فإن العرض ورغم انحيازه الواضح إلى أصوات النساء وتجاربهن، ليس نسويًا بالمفهوم العقيم الشائع؛ فهو لا يقيم مواجهة مباشرة بين امرأة ورجل، ولا يختزل المرأة في خطاب إدانة، بل يكشف هشاشة الجسد الأنثوي داخل شبكة أوسع من العنف والخوف والتاريخ. الرجال في العرض ليسوا خصومًا، بل جزء من الواقع نفسه.
إذن لماذا ميديا؟
استدعاء ميديا في العرض لا يأتي بوصفه إحالة ثقافية فحسب، بل كاختيار دلالي: الغضب، الخذلان، الأمومة، والانفجار عند حافة الاحتمال الإنساني. ميديا تتقاطع مع نساء الشارع، الأم، الزوجة، الممثلة، المرأة التي تُدفَع يوميًا إلى الصمت. في هذا التقاطع، لا تعود ميديا مجرد شخصية أسطورية، بل مرآة مكبّرة لما يُقمع في الأجساد النسوية. الأسطورة هنا لا تمثل الماضي فقط، بل ذاكرة جسدية ممتدة تتصل بالحاضر.
 الذروة الدلالية
تبلغ الحكايات ذروتها حين تقرأ علينا حنان خطابا طويلا، متوتراً، متكسر، يوجّهه الابن إلى أمه (حنان الحاج علي). الخطاب لا يروي واقعة، بل يعرّي علاقة كاملة: خوف، حماية زائدة، غضب، عجز، ووعي مبكر بعالم مشبع بالعنف. يتكلم عن جسده الذي ضُرب وأُهين ووُضع أمام احتمال الموت، ومحاولة يائسة لاستعادة معنى لما جرى بعد أن انقشع غمام أسود عن عقل الابن الذي أوهموه بفرض الـ( جهاد).
الجسد الأنثوي الذي حمل ذاكرة القهر يمرّ عبره الآن جسد رجل شاب مكسور، ليس بوصفه نقيضًا، بل نتيجة للمنظومة نفسها. ميديا تتحوّل هنا من نموذج لغضب أنثوي إلى نموذج وجودي للإنسان الذي يُدفع خارج العدالة والمعنى.
اختيار خطاب الابن خاتمة للعرض ليس تصعيدًا دراميًا، بل كسرًا أخير لأي وهم جمالي.
وهنا تحديدا كان لابد أن ينتهي « جوغينغ» لا بنداء، بل بشهادة. لا بصورة، بل بأثر.
لكل هذا وأكثر وصفت عرض حنان الحاج علي بـ (خارج الصندوق ).. فشكرا حنان على كل هذا الوجع الكاشف.


محمد الروبي