البداية الموثقة لنجيب الريحاني

البداية الموثقة لنجيب الريحاني

العدد 828 صدر بتاريخ 10يوليو2023

عزيزي قارئ مسرحنا.. أعتذر لك بسبب إرهاقك طوال الأسابيع العشرين الماضية، وأنت تتابع حلقات «مذكرات الريحاني الحقيقية والمجهولة».. وأظنها كانت متابعة سارة لك، لأنك قرأت ما لم تقرأه عن الريحاني في مذكراته الحقيقية المكتشفة، والتي جعلتك تصحح أمورا كثيرا، وأضافت إليك الكثير والكثير مما كنت لا تعرفه عن الريحاني، ولهذا أنا واثق أنك قبلت اعتذاري!! لذلك سأكون سباقا باعتذار جديد لك الآن، قبل أن أرهقك مرة أخرى في متابعة الحلقات الجديدة حول «تاريخ مسرح نجيب الريحاني وتفاصيله المجهولة»!! ولعلك تقول الآن: أهناك مجهول!!!! عن الريحاني لم نعرفه حول مسرحه حتى الآن؟ وإذا كان موجودا هذا المجهول، فمن المؤكد أنه المذكرات المكتشفة التي تمّ نشرها في الحلقات السابقة.. فهل سنقرأ صياغة جديدة لما تمّ نشره من قبل؟!
عزيزي القارئ.. في الحلقات السابقة قرأت عن مذكرات الريحاني الحقيقية والمجهولة التي أضافت إليك الكثير لتضعه بجانب مذكرات الريحاني المعروفة والمنشورة في الكتب.. وبذلك تكون قد اطلعت على مذكرات الريحاني كاملة، ولكنك لم تطلع على «تاريخ مسرحه».. فالمذكرات كانت تشير إلى بعض المواقف لبعض المسرحيات، ولكنها لم تتحدث عن تاريخ مسرح الريحاني بتفاصيله، وهذا ما سأقوم به –بمشيئة الله– في هذه الحلقات التي قد تصل إلى رقم قياسي في عددها –إن كان في العمر بقية– ورغم عددها القياسي المتوقع –بمشيئة الله– لن أقترب من حلقاتي السابقة حول المذكرات المجهولة، ولن أقترب من المذكرات المعلومة.. مما يعني أنني سأتحدث عن تاريخ مسرح الريحاني بعيدا عن مذكراته، وبعيدا عن كل ما كتبه السابقون عن الريحاني ومسرحه!! وكل دوري سيتمثل في ركوب «عجلة الزمن» لأعود بها إلى الماضي في زمن مسرح الريحاني من عام 1908 إلى 1949 لأتتبع خطواته المسرحية وعروضه المسرحية.. عرضا عرضا، معتمدا على مصدرين لا ثالث لهما «الوثائق والدوريات»، وذلك وفقا لمشروعي في التأريخ ومنهجي في التوثيق!! مما يعني أن أغلب –إن لم يكن كل- ما سأذكره في هذه الحلقات يُعدّ جديدا –بمشيئة الله– وله وثيقة ومرجعية علمية.. وعلى بركة الله نبدأ.
البداية عند زكي طليمات
الصورة الذهنية عندنا جميعا أن نجيب الريحاني بدأ نشاطه المسرحي عندما ألفّ مع صديقه «عزيز عيد» فرقة مسرحية عام 1908 وكانت مسرحية «الملك يلهو» البداية!! ومن يقرأ هذا الكلام المعروف، يظن –أو هكذا حسب الصياغة التي تؤكد– أن الريحاني هو صاحب الفرقة ونجمها الأول، وما عزيز عيد إلا مجرد كمبارس أو صديق حنّ عليه الريحاني وضمّه إلى فرقته!! وللأسف هذه ليست الحقيقة، بل العكس هو الصحيح، لأن عزيز عيد بدأ عملاقا في المسرح منذ عام 1907 عندما ألفّ فرقته الكوميدية الأولى، وعرض مجموعة مسرحيات –تُرجم أغلبها– مثل: «مباغتات الطلاق، وضربة مقرعة، والابن الخارق للطبيعة، والماسون، والملك يلهو، والزفاف، وجون وار»، وهذه العروض تمّ تمثيلها على أشهر مسرحين في ذلك الوقت، هما: دار التمثيل العربي، ومسرح إسكندر فرح بشارع عبدالعزيز. كل هذا تمّ قبل أن يظهر الريحاني مسرحيا!!
والحق يُقال: إن الريحاني لم يظهر اسمه في أية وثيقة منشورة أو مكتوبة أو معروفة تثبت إنه بدأ نشاطه المسرحي عام 1908 إلا الريحاني نفسه في مذكراته!! لأن اسم الريحان بدأ مسرحيا في الظهور – على صفحات الصحف - عام 1915 – ومن هنا قررت أن أبدأ تأريخ مسرح الريحاني بعام 1915، لولا زكي طليمات!! لأن طليمات كتب بخط يده –على غلاف إحدى المسرحيات التراثية– عبارة قال فيها: «عزيز عيد ألف أول فرقة للتمثيل المسرحي الحالي من الفلاحين عام 1908، مع نجيب الريحاني وقدم فودفيلات».
بناء على هذه الوثيقة –المعتمدة من زكي طليمات– نستطيع أن نؤكد أن بداية الريحاني كانت مع عزيز عيد، بوصفه ممثلا مغمورا أو ممثلا ضمن ممثلي الفرقة دون أي امتياز أو إلفات نظر أو موهبة فذة غير مسبوقة.. إلخ، لأن الصحف لم تذكره ولو لمرة واحدة طوال عام 1908، وكل الذكر والمدح كان لعزيز عيد بوصفه صاحب الفرقة!! وبناء على ذلك تتبعت أخبار الفرقة في بعض عروضها عام 1908، فوجدت جريدة «المقطم» تنشر خبرا في يناير تقول فيه: 
«يمثل جوق حضرة الموسيو عزيز عيد كوميدياته المضحكة الشهيرة يوميا في تياترو عدن الجديد أمام تياترو عباس بشارع قنطرة الدكة، ويكون افتتاح الليلة الأولى اليوم مساء فيمثل رواية «الابن الخارق للطبيعة»». وفي فبراير نشرت جريدة «الشرق» خبرا قالت فيه: «كان مسرح الحمراء ليلة أمس غاصا بالمتفرجين على رواية «ليلة الزفاف» التي مثلها جوق عزيز عيد، وكان تصفيق الاستحسان من الجمهور جادا والضحك بالغا النهاية والتمثيل على تمام الاتقان. وخرج المتفرجون وهم يثنون على مدير الجوق وممثليه». وبعد أيام قليلة قالت الجريدة نفسها: «عزم جوق عزيز عيد المشهور على الإقامة في الثغر دائما واختار صالة أعياد الإسكندرية في المنشية الكبرى لتمثيل رواياته الجميلة المعروفة من نوع الكوميدي. وهو يمثل كل ليلة رواية من الساعة التاسعة مساء حتى منتصف الليل. وقد أعجب الذين حضروا تمثيله ببراعة الجوق وحُسن رواياته وشهدوا أن عزيز عيد مُمثل حقيقي، جامع لكل الصفات التي يتحلى بها كبار الممثلين وقد سر كثيرون من إقامة هذا الجوق في الثغر لأنه في حاجة إلى مثله». واختتمت الجريدة أخبارها عن الفرقة في نهاية فبراير قائلة: «يمثل جوق عزيز عيد في مساء غد في صالة أعياد الإسكندرية خلف قهوة محمد علي بالمنشية الكبرى رواية «الكابورال العجوز» أو «الإرث المغتصب» وهي ترجمة عزيز رئيس هذا الجوق. وقد حدثت وقائع هذه الرواية في عهد نابليون الأول، وهي ذات خمسة فصول. وتعدّ من أبدع الروايات العصرية التي كان يمثلها جوق إسكندر فرح. وسيخصص نصف الدخل من هذه الرواية للجنة التي تألفت في العاصمة لإقامة تمثال لفقيد الوطن مصطفى كامل باشا فعسى أن تنال كل إقبال».
أما جريدة «المقطم» فقالت في شهر مارس: «يقوم حضرات أعضاء جمعية النهضة الأدبية في الثغر بمعاونة الممثل الشهير عزيز عيد بتمثيل رواية «البرج الهائل» المشهورة في صالة أعياد الإسكندرية بالمنشية الكبرى، وذلك في الساعة التاسعة من مساء يوم الخميس القادم 12 الجاري. وسيقوم حضرة عزيز بتمثيل دور بوريدان وما اشتهر به حضرته من براعة التمثيل مع شهرة الرواية واستعداد الجمعية لتكون الحفلة مستوفية لشروط البهجة والإتقان. كل ذلك يحدو إلى الأمل بأن يقبل على حضورها العدد الكثير من محبي فن التمثيل ومعضديه، لا سيما وهي آخر ليلة من الليالي التي يمثل فيها هذه الأيام حضرة عزيز. وأسعار تذاكر الدخول رخيصة وهي ثمانية قروش صاغ ثمن تذكرة الفوتيل الممتاز».
وقالت الجريدة نفسها في أبريل: «تمثل رواية «في سبيل الاستقلال» مساء يوم الاثنين في 13 الجاري في دار التمثيل العربي، ويقوم بتمثيلها جوق حضرة عزيز عيد المشهور. وقد وضع هذه الرواية حضرة الكاتب الفاضل إبراهيم سليم نجار فاستخلص موضوعها من التاريخ، وبناها على الحرب التي وقعت منذ قرن في حوار رشيد بين جنود محمد علي باشا والجنود الإنكليزية. وهي تتضمن تاريخ مصر في عهد المماليك والحملة الفرنسية وبدء أيام محمد علي باشا والي مصر، وما كانت عليه البلاد في ذلك العهد. فنحث الجمهور على حضورها لما ستجمعه من لذة التاريخ والفكاهة وما سيتخللها من أدوار الغناء الشجية والحوادث المبهجة».
إلى هنا لم أجد شيئا يُذكر سوى خبرين عن إعادة تمثيل مسرحيتي «في سبيل الاستقلال وليلة الزفاف» في شهر مايو 1908، ثم انقطعت أخبار عزيز عيد وفرقته مما يعني أنها توقفت. وبناء على ذلك ليس أمامنا إلا القول بأن نجيب الريحاني بدأ حياته المسرحية ممثلا مغمورا ضمن فرقة عزيز عيد، ومثّل في بعض عروض الفرقة التي ذكرناها سابقا.. وهذه هي البداية الموثقة -نوعا ما– لأنها معتمدة على عبارة مكتوبة بخط يد زكي طليمات!

جوق الكوميدي العربي
يُعدّ يوم 20 مايو 1915 يوم ميلاد نجيب الريحاني مسرحيا وتوثيقيا!! ففي هذا اليوم ظهر الريحاني أمام الجمهور على خشبة مسرح «برنتانيا» ليؤدي دوره في مسرحية «خلي بالك من إميلي» بوصفه ممثلا في «جوق الكوميدي العربي» الذي يرأسه عزيز عيد!! وأول مقالة مسرحية منشورة عن هذا العرض والفرقة ويتم ذكر اسم الريحاني فيها، كتبها الكاتب المسرحي الكبير «إبراهيم رمزي» ونشرها في جريدة «المؤيد»، قائلا:
«تألفت في مصر جوق جديدة خصّ نفسه بتمثيل أنواع الكوميدي والفودفيل، وهي المهازل والمضاحك التي يُراد بها في الجوهر انتقاد نقائص المجتمع، وفي العرض لمجرد التسلية والإضحاك. وقد شاع هذا النوع في أوربا في السنوات الأخيرة، حتى لا يكاد يعثر إنسان برواية جديدة أو من نوع المأساة إلا نادرا. ولعل هذا إنما نشأ من احتياج الناس في أوروبا إلى ما يُبدد ظلام العبوسة التي تغشى وجوههم من تكاليف الحياة، أو لأن من صور الحياة الاجتماعية وتصرفات الناس ما لا يمكن تمثيله إلا على صورة الهزل. فإذا حاول ممثل الجد فيه فسد أو انقلب بصاحبه أضحوكة أمام المشاهدين. لم يدخل هذا الصنف من التمثيل إلى مصر بصفة صريحة إلا اليوم. تعاون على العمل له فريق من الممثلين الذين كانت ميولهم الهزلية أبين فيهم وأجبى من سواها حتى لقد يؤخذ على مديري الأجواق التي ينتسب لها ممثلو الجوق الجديد أن يعهدوا إليهم بتمثيل أدوار جدية. فإن كان الأستاذ عزيز أفندي عيد، وأمين أفندي عطا الله، والريحاني أفندي وغيرهم من الممثلين المعروفين قد اجتمعوا لتأليف هذا الجوق وأبرزوا لنا رواية «خلي بالك من إميلي»، التي هي أول رواية لهم ليلة الجمعة الماضية، فإنما يخدمون التمثيل بهذا التخصص، ويتركون لغيرهم من ناشئة الممثلين الجديين سبيلا إلى إظهار ملكتهم. ولا يسعنا تلقاء هذين الأمرين إلا الثناء عليهم جميعا. ولكن إن كانت الكوميديات -وبناؤها الفودفيل والبرلسك والفارس وهلم جرا- يُراد بها الانتقادات المبنية على إظهار نقائص الهيئة الاجتماعية، كما ذُكر في الإعلان الذي نشره الجوق، قلنا إن رواية الأمس إنما تظهر نقائص الهيئة الاجتماعية الفرنسية دون المصرية، وهي جديرة بذلك! ولكن حريا بمثل عزيز أفندي عيد أن لا يفوته أنه يمثل للمصريين، وأنه كان يحسن به أن تكون خاتمة أعماله رواية من قبيل رواية الأمس، تتناول شيئا من نقائصنا، وما أكثرها! فأما وقد فاته ذلك فلا يسعني إلا أن أقول إننا لا نزال نأخذ بالتقليد الأعمى الذي ضجت منه الصحف، وقامت المجلات والجرائد لتحذير الناس منه. ولقد كان محور رواية الأمس فتاة حسناء أسمها إميلي عاشت عيشة مثيلاتها مُطلقات الحرية، بين عشق وسكر ودعارة.. فكانت خليلة لرجل ورفيقة لآخر، فتنقل الكاتب بها بين الرجال وأهوائهم، من دور إلى دور، بين التصريح بالشيء القبيح وتمثيل مظاهر الفسق والقيادة إلى آخر ما هنالك مما دعا مديري الجوق إلى أن يلتمسوا من السيدات عدم حضور هذه الرواية!! فليت شعري أي شيء في هذا ينطبق على حالتنا المصرية. إنّا نحن المصريين نخالف الفرنسيين عرفا وعادة ودينا ومبادئ اختلاف الشرق عن الغرب، فماذا في الرواية من العيب الذي يريد الجوق الجديد أن يصرفنا عنه، بل أليس هذا تبصير للناشئة وفيهم من هم أحق أن ترعى أخلاقهم من السيدات بأمور يخجل الكاتب أن يسردها. لعمري أن هؤلاء الناس يجنون على الفضيلة من حيث لا يشعرون! إن كان مرادهم إحداث شيء من المسرة للنفس، قلنا بئس الغرض إن كان وحده غرض التمثيل! على إنّا لا ندري كيف يكون في الرذيلة مسرة إلا لأولي الدعارة، ولا أظن بني قومي منهم! لا مراء في أن أثر مثل هذه الرواية في فرنسا قليل جدا، ولكن أثره في مصر الشرقية المسلمة من الكبر بحيث يخفى إلا على من كان كذلك. أما لغة الرواية فقد كانت العامية ولست أظنها تُرضي فريق الأدباء الذين يرون أنفسهم رقباء على اللغة إذ هي في تقديرهم عماد من عمد القومية. يقول أهل هذا الجوق إن لهم عذرا فى اتخاذها واسطة التفاهم لأن النكتة العربية خفيفة على المشاهد العادي، فلا ينتظر أن يحدث الأثر المطلوب ولكن لعلي لا أخطئ إذ أقول إن في قصص عنتر وأبي زيد والظاهر بيبرس، وهي التي تُتلى على العوام كل مساء في المقاهي ويتفهمونها تمام التفهم. تلك القصص التي لا تنزل عن لغة الجرائد إلا قليلا دحضا لهذا العذر. ولكن أصحيح أن اللغة كانت عامية بحتة؟ لقد سمعت في الرواية شيئا كثيرا جدا من مقولات مفتعلة وغير مصرية، كانت تفتقد من العبارة الملقاة شيئا من حرارتها. كما أنه لا يفوتني أن أقول إن من الممثلين من كانت تخونه الذاكرة.. كل هذه العيوب والنقائص لا تنسيني أن أثني على الممثلين ولا سيما من ذكرتهم، ومحمد أفندي صادق، والسيدة روزه [أي روز اليوسف] صاحبة الدور الأكبر لأنهم أظهروا براعة فى التمثيل استوجبت الإعجاب. وظني أنهم يفكرون بعد اليوم في تهذيب خطة جوقهم الجديد على الصفة التي تتطلبها مصلحة الأمة المصرية. والله لا يضيع أجر من أحسن عملا».


سيد علي إسماعيل