مسرح الفن .. ثكنة عسكرية

مسرح الفن ..   ثكنة عسكرية

العدد 755 صدر بتاريخ 14فبراير2022

لم أكن أتصور أن المسرح الخاص يمكن أن يتحمل مسئولية تقديم عمل مسرحي يتناول ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني, إلا أنني فوجئت أن مسرح الفن بقيادة المخرج الكبير جلال الشرقاوي يتحمس لتقديم مثل هذه الأعمال الخطيرة. وكانت تلك بالفعل تجربتي الأولى في المسرح الخاص. كنت في ذلك الوقت قد بدأت الاهتمام بظاهرة التطرف والإرهاب بأجنحته الثلاثة (الفكري والاقتصادي والدموي). 
وحين بدأت بكتابة مسرحية (المليم بأربعة) عن كارثة شركات توظيف الأموال كتبت هذه المسرحية في إطار الكوميديا الشعبية والتي تدور أحداثها داخل احد الموالد الشعبية بكل ما فيها من ظواهر ألعاب النصب والدجل والشعوذة والتجاوزات الجنسية التي فاحت رائحتها لدى هذه الجماعات من ذوي اللحى الكثيفة وعرضتها على الصديق المخرج/ جلال الشرقاوي الذي تقلفها مني  كما كتبتها تماما وقرر أن يعرضها على الفنان/ نور الشريف الذي وافق فور قراءتها واستقر معه على بقية الممثلين وعلى رأسهم الفنانة نورا وليلى فهمي ومحمود الجندي ومحمد أبو العينين بأشعار عبد الرحمن الأبنودي وألحان جمال سلامة وبدأ العرض في الموسم الصيفي سنة 1990م, كان بمثابة قنبلة فنية أحدثت دويا واسعا في كافة الأوساط الثقافية والأمنية على حد سواء. كانت هي تجربتي الأولى مع مسرح القطاع الخاص الذي كنت أخشى أن أكون قد انزلقت إلى متطلبات هذا المسرح سيء السمعة ولكن وجود نور الشريف في الحقيقة هو الذي أنقذني من هذه الورطة التي كان من الممكن أن تؤدي بالعرض إلى أسفل سافلين من خلال الخروج على النص واستخدام الألفاظ البذيئة والسوقية والحركات الخليعة  وكلها كانت للأسف  من سمات مسرح القطاع الخاص. وحمدت الله أنني خرجت من هذه الورطة دون خسائر أدبية أو فنية. أما الخسارة الكبرى التي حدثت في الخضوع لابتزاز وتهديد الإخوان والجماعات المتطرفة التي أعلنت حربها على المسرحية وأخذت تصل إلى جلال الشرقاوي العديد من التهديدات بتفجير مسرحه (مسرح الفن) وهدمه على رؤوس مشاهديه مما اضطر لإبلاغ سلطات الأمن التي أرسلت قوات أحاطت المسرح كأنه ثكنة عسكرية, وأخذت تبحث تحت مقاعد المتفرجين وحجرات الممثلين والكافيتيريا وموقف السيارات حول المسرح وذلك للكشف عن متفجرات محتملة.
وبعد شهرين من بدء العرض قرر جلال الشرقاوي إغلاق المسرح حرصا على أمنه خصوصا بعد أن حدثت أحداث جسام في المنطقة العربية بعد كارثة  اقتحام صدام حسين لدولة الكويت وتشريد أهلها. مما أثر على السياحة العربية التي كانت تمثل أهمية ورواجا لمسرح القطاع الخاص. 
وهكذا واجه مسرح جلال الشرقاوي كارثتين: كارثة تهديد الجماعات الإرهابية وكارثة احتلال دولة الكويت لدرجة أنه أعلن أن هذه المسرحية التي سببت له خسارة مادية فادحة هي آخر مسرحية محترمة يقدمها مسرح الفن على حد قول  الدكتور أحمد يونس في جريدة الأخبار. 
ومثلما كانت مسرحية المليم بأربعة هي تجربتي الأولى في مسرح القطاع الخاص كانت أيضا التجربة الأولى مع جلال الشرقاوي ونور الشريف. والحقيقة أن الذي شجعني للعمل مع مسرح الفن  كانت تجربة جلال الشرقاوي في مسرحيته الرائعة (انقلاب) التي تعتبر نموذجا من نماذج المسرح الخاص الذي يجب أن تحتذيه بقية المسارح الأخرى. لقد كان من الممكن أن يستمر عرض ( المليم بأربعة) سنوات وسنوات لتحذير الناس حتى لا يقعوا في هذه الكارثة كما حدث بالفعل فيما بعد, لولا ما حدث من ابتزاز وتهديد الجناح الإرهابي لجماعة الإخوان  الذي بدأ يكشر عن أنيابه بعد ذلك طوال مرحلة التسعينيات. والذي جعل معظم العاملين في مجال الفنون والثقافة يتخوفون لدرجة أن كثيرا من فناني المسرح والسينما والتليفزيون أخذوا يتراجعون ويخضعون للابتزاز والتهديد. 
وبالطبع قد حدثت لجلال الشرقاوي خسارة مادية فادحة حيث كان يأمل في أن تستمر المسرحية عدة مواسم إلا أنها لم تكمل موسما واحدا. لذلك فقد بدأ يفكر في تعويض هذه الخسارة. فاتصل بي وسألني عن مسرحية أخرى يستكمل بها مواسمه المسرحية الضائعة. فأخبرته أنني بصدد كتابة مسرحية تعالج أسطورة (بجماليون) من وجهة نظر جديدة غير تناول توفيق الحكيم أو برنارد شو التي قدمت باسم «سيدتي الجميلة» ونجحت جماهيريا.
قدمت إليه المسرحية بعنوان «دكتوراه في الحب» وأعجبته أيما إعجاب, وتحمس لها حماسا شديدا لمضمونها الرومانسي, الذي جعله يسرع في إخراجها واختار لها نخبة من كبار الممثلين المشهورين, على رأسهم عبد المنعم مدبولي وسمية الألفي وأحمد آدم ومحمود الجندي وأسامة عباس وهندية.
 بقيت مشكلة كانت تؤرقه كمنتج هي اختيار اسم تجاري آخر للمسرحية. إلى أن جاءني يوما يطرح علي اسما عجيبا كان قد اقترحه عليه أحد العاملين في مسرحه على حد قوله ورأى أنه اسم تتوافر فيه كل مقومات الاسم التجاري الجذاب, كما أنه يعبر تعبيرا حرفيا عن فكرة المسرحية. وكان هذا الاسم هو «بحبك يا مجرم» حقيقة هو اسم يبدو مبتذلا وقد أصابني بالإحباط لأول وهلة. إلا أنني تحت ضغط شعوري بالذنب تجاه ما حدث له من خسائر مادية بسبب مسرحيتي السابقة «المليم بأربعة» وافقت  على الاسم ولم أعترض خصوصا وأن بعض الأصدقاء أقنعوني أنه اسم مناسب  تماما مع موضوع المسرحية الذي تضمن حب الباحثة  للمجرم الذي صنعت منه نجما. وبالفعل حقت المسرحية نجاحا جماهيريا  واسعا واستمر عرضها ثلاث سنوات متتالية في القاهرة والإسكندرية.
 لقد كنت سعيدا بهاتين التجربتين مع جلال الشرقاوي لسببين: أولهما أنني خضت التجربة مع هذا النوع من المسرح كي أجرب قدرتي الفنية والأدبية حتى لا يقال إن كتاب مسرح الدولة تقليديون ومتعالون بل وعاجزون عن الكتابة الكوميدية للمسرح الخاص. والسبب الآخر كان للرد على الأقاويل التي تحملنا مسئولية ما يحدث لهذا المسرح من ابتذال, وأننا يجب أن نتحمل مسئولية اصلاحه بتقديم الأعمال المسرحية الجيدة التي تطرد المسرحيات الرديئة. هذا بالفعل ما حاولته بقصد إصلاح هذا التيار الذي لا أنكر أهميته وضرورته في تقديم الكوميديا الشعبية التي تدعم الحياة الصحية للحركة المسرحية المصرية في الاتجاه الذي أشار إليه الدكتور يوسف إدريس في دعوته لمسرح السامر وتوفيق الحكيم والبحث في قالبنا المسرحي والدكتور علي الراعي في العودة إلى فنون المسرح الشعبي في كتابه مسرح الشعب.


محمد أبو العلا السلاموني