«أبي تحت الشجرة» قضية جادة في إطار بسيط ومحبب

«أبي تحت الشجرة»  قضية جادة في إطار بسيط ومحبب

العدد 693 صدر بتاريخ 7ديسمبر2020

ربما هي المرة الأولى التي يطرح فيها مسرح الدولة قضية من أهم قضايا الأسرة والمجتمع، والتي طالما تناولتها الدراسات النفسية والاجتماعية، هي غياب الأب بالسفر وما يترتب عليه من آثار سيئة تضر الأسرة وبالتالي تنعكس على المجتمع، من خلال العرض المسرحي «أبي تحت الشجرة» الذي يقدمه مسرح السلام بطولة هاني كمال، لبني الشيخ، منير مكرم، شادي أسعد، دينا هريدي، أحمد عبد الهادي، دعاء رمضان، ديكور يحيى صبيح، موسيقى محمد خالد، تأليف طارق رمضان، وإخراج إسلام إمام.
 وقد تناول العرض هذه القضية كما تناولتها الدراسات العلمية من حيث: الفقدان العاطفي فحين يعود هذا الزوج المسافر في إجازة أو يعود بشكل نهائي يشعر بغربة شديدة مع زوجته وأبنائه لأنه مختلف عنهم في كل شيء ولأنهم رتبوا حياتهم لسنوات طويلة بطريقتهم الخاصة بعيدًا عن تدخله، الحرمان الجسدي الذي قد يؤدي إلى نفور الزوجة من زوجها وربما إقدامها على الانتقام منه وإن كان ذلك في اللاوعي من خلال تجاهلها له وتعمدها حرمانه مما حرمت هي منه في غيابه، والإلتصاق بالأبناء وتكوين جبهة ضده، كذلك حدوث فجوة بين مفاهيمه ومفاهيم زوجته وأبناءه نظرًا لاختلاف البيئة التي عاش فيها كل منهم، مما يضعف الصلة بين الأب وأبنائه، وقد يصل الأمر ببعض الآباء ?ن يصبحوا مجرد اسم في شهادات ميلاد أبنائهم لا يعرفونهم حقا، هوس الشراء: حيث يحاول بعض الآباء تعويض غيابهم عن طريق إغداق الأموال على الأبناء على سبيل التعويض المادي، فيصاب بعض الأبناء بهوس الشراء، مما يؤدي لحدوث خلل في قدرتهم على إدارة مواردهم المالية فيما بعد، التدليل المفرط أو القسوة المفرطة، فبعض الأمهات تفرط في تدليل الأبناء ظنًا منهن أنهن يقمن بتعويض غياب الأب عن حياتهم، والبعض على العكس يتعاملن مع الأبناء بقسوة مفرطة كي لا يفسدهم غياب الأب.
 كل ذلك ظهر واضحَا في العرض حيث يعود الأب من السفر فجأة بعد غياب ثلاث سنوات متصلة فلم يجد أي ترحاب بل أنهم صدموا لكونه أتخذ قرار العودة النهائية إليهم وهم مازالوا بحاجة لأشياء كثيرة لم يحققها لهم، على الرغم من أنه أشترى لهم أكثر من شقة وشاليه بالساحل الشمالي ووفر مبلغًا كبيرًا أودعه بأحد البنوك، فوجد الزوجة والأبناء منصرفين عنه بفتح الحقائب وتفريغها ثم ينصرفون إلى غرفهم حتى الزوجة التي تغلق الباب عليها من الداخل مما يضطره للنوم على الكنبة، وفي الصباح يحاول الاقتراب منهم بإعداد الفطور الذي اعتقد أنهم سيحتفون به لكنهم ينصرفون عنه بلا مبالاه، ويجد زوجته منصرفة بالنادي والأصدقاء عن بيتها وأولادها التي أفرطت في تدليلهم، فنجد البنت على علاقة بأكثر من شاب، بينما الولد مدمن مخدرات، ومنصرفين تمامًا إلى عوالهم غير عابئين بوجود الأب.
يكتشف الأب أن بواب العمارة يعاني من المشكلة نفسها حيث ترك أولاده في الصعيد وجاء إلى القاهرة باحثًا عن الرزق، فاعتادوا على غيابه ولم يهتموا به ولا حتى بالإتصال من خلال أجهزة المحمول التي اشتراها لهم.
يعقد الأب مع البواب اتفاقًا هو أن يقوما بعمل تمثيلية على الأبناء حيث يقوم البواب باستفزاز الأبن فيضربه فيمثل أنه ميت ليلتف الأبناء حول أبيهم ليخلصهم من هذه الورطة، كما يشعر أبناء البواب بقيمة أبيهم بعد فقده، لكن تأتي الرياح بما لا يشتهي السفن وينقلب السحر على الساحر، حيث يتم إلصاق تهمة القتل بالأب، ويقبل أبناء البواب مبلغًا كبيرًا من المال كتعويض عن مقتل أبيهم، وهو أكبر بكثير مما أتفق الأب مع البواب عليه فيختفي البواب نهائيًا حتى لا يضطر أولاده لرد المال لصاحبه، وتقوم الزوجة بإبلاغ البوليس عن زوجها بتهمة قتل البواب.
 الحقيقة أن مجرد اختيار هذه القضية لعرضها على الجمهور ببساطة وفي إطار كوميدي يسهل استيعابه من كل الفئات والثقافات كذلك مناسبته للطفل والأسرة لما يتسم به من كوميديا خالية تمامًا من الإسفاف، يعد عملاً عظيمًا يستحق القائمون عليه التقدير.
والأعظم هو إنارة مسرح في ظل ظروف جائحة الكرونا وخروج القائمين عليه من منازلهم واجتهادهم لتقديم عمل يتناول قضية جادة في إطار بسيط ومحبب يستحقون عليه كل الشكر والتقدير.
 لكن هذا لا ينفي أن العرض به بعض الهنات التي لا تقلل من قيمته ولا جهد العاملين عليه منها: المباشرة في عرض القضية في بعض المشاهد، والمبالغة في الكوميديا خاصة في مشاهد أبناء البواب «الصعايده»، وطول الحوار والانفصال كثيرًا عن الجمهور مما يجعلنا نشعر أننا أمام سهرة درامية وليست عمل مسرحي، وربما وصلني هذا الشعور لأن العرض قد أُعد خصيصًا لتقديمه «أونلاين» ثم تقرر عرضه على الجمهور الذي يستحق الشكر هو الآخر لحرصه على ارتياد المسرح في ظل هذه الظروف.


نور الهدى عبد المنعم