يقدم محمد عادل يوسف من خلال منظمة آل يونسكو ماتريوشكا مسرحية، على غرار الدمية الروسية الخشبية الشهيرة التى تتكون من مجموعة دمى متداخلة ذات أحجام متناقصة توضع الواحدة داخل الأخرى- مكونة من ستة نصوص مسرحية كتبها يوجين يونسكو (1909-1994) فى الخمسينيات من القرن الماضى، ألا وهي؛ مرتجلة ألما (1956)، الكراسى (1952)، اللوحة (1955)، الدرس (1951)، والمغنية الصلعاء (1950)، بالإضا?فة إلى خراتيت (1959)، أضفت اتساقًا ومعقولية على مسرح يونسكو اللا معقول.يكسر محمد عادل يوسف الحاجز بين العرض والجمهور منذ بداية العرض، وكأنه يتفق ضمنيا مع الجمهور أن ما على وشك أن يشهدوه هو مسرح عبثى من إبداع يوجين يونسكو، والذى اشتهر بنقد المجتمع من خلال عبثية الحياة اليومية. يستكشف محمد عادل يوسف من خلال عبثية يونسكو ذاتها ماهية الإبداع والقيود المفروضة عليه، بالإضافة إلى قضايا متعددة ما زالت تهم المبدعين فى عصرنا الحالى مثل الهوية والفردية والمغزى من الحياة وفقد التواصل الإنسانى، فما معنى أن تكون إنسانا فى عالم فقد الإنسانية؟أسهم الديكور الذى صممه محمد عبدالله العشوائى فى كسر هذا الحاجز؛ فعلى الحائط، علقت صورة ليوجين يونسكو برأسه الصلعاء وعينيه الشاردتين محدقا فى الفراغ! وتناثر على الستار صور مطبوعة لغلاف نسخة مكتبة الأسرة الأعمال الكاملة ليوجين يونسكو وكرسى ومظلة ومانيكان، بالإضافة إلى عصفور محبوس فى قفصه، وفى وسط صالة العرض، يتدلى من السقف كرسى هزاز خاوى يلقى بظلاله على حائط الصالة؛ على ظهره بدلة سهرة سوداء وكأنه يرتديها، فتصبح مسرحية «الكراسى» ليونسكو فى ذهن الحاضرين قبل بدء العرض.يبدأ العرض من خارج الستار حيث تسلط الإضاءة الصفراء التى صممها أحمد طارق على يوجين يونسكو جالسًا إلى مكتبه فى إشارة إلى الصراع الداخلى الذى يعتمل بنفس يونسكو للتعبير عن أفكاره والصراع الذى يعانيه مع النقاد والأكاديمين فى محاولة منهم لقمع وتطويق إبداعه.يرتفع صوت النداء: «يونسكو! يونسكوووو»!تتجلى الكوميديا السوداء منذ بداية العرض من خلال الأزياء التى صممتها ميار ممدوح حيث يظهر المنادي؛ بارتولوميوس مرتديا زيا ملونا لمهرج- وهو أداة ذكية لكشف عورات المجتمع بأسلوب ساخر- مما يزيد من حدة السخرية نظرا لأنه فى نص يونسكو الأصلى يظهر فى زى «الأستاذية». (يقوم بدور بارتولوميوس أحمد عباس - الشهير بجمباز- ويقفز على المسرح يمينا ويسارا فى حركات بهلوانية أثناء الحوار، وفوق كتفى شخصية يونسكو التى يؤدى دورها أحمد مخيمر).يدور الحوار بين يونسكو وبارتولوميوس1عن الإبداع وقوانينه، ويجادل يونسكو أن هذه القوانين «قابلة للجدال والمناقشة»، وهى «تصبح خطيرة وخيمة العواقب حينما تتخذ صفة القوانين المنزلة المعصومة من كل خطأ». يصر بارتولوميوس 1 على موقفه ويضع رأس يونسكو داخل قفص عصفور ساجنا فيه أفكاره الإبداعية التى يحاول تقييدها وفقا لقواعد وقوانين الأساتذة والنقاد. فهل فقد الإبداع حريته؟يرفع الستار ويظهر الزوجان العجوزان_من شخصيات مسرحية «الكراسي» اللذان يعيشان فى برج معزول ويستعدان لاستقبال ضيوف كثر لإعلان رسالة هامة للإنسانية، ويدور بينهما حوار عن ماضيهما وما فاتهما. صمم «العشوائي» منزلهما وكأنه عشوائى، ولكن دلالاته ليست عشوائية على الإطلاق؛ فيتدلى من سقفه برج ايفل مقلوبا فى إشارة إلى تبدل أحوال باريس وأحوالهما، ومرآة طويلة - فى مقابل كرسيين وطاولة صغيرة يجلسان إليها أحيانًا - لا ينظران إليها أبدا فى إشارة إلى عدم استبصارهما بعزلتهما، وقفص عصفور، ومانيكان خالية، ورؤوس خراتيت، ومظلة متدلية رأسا على عقب، وزهرية، وغطاء مصباح، وأطر لوحات فارغة، وحقيبة سوداء كبيرة كرموز لمسرحيات يونسكو المختلفة. يرتدى الزوجان بعض الأسمال البالية غير المهندمة فى إشارة إلى انعزالهما عن الواقع الخارجى وفقدان اهتمامهما بالمظهر الاجتماعى وحدود اللياقة والأناقة المتبعة، بينما استخدم أحمد طارق الإضاءة الزرقاء الخافتة فى مشاهد الزوجين فى إشارة إلى الكآبة والانعزال اللذان يعيشان فيه. وفى حين أن الكراسى الأصلية فارغة، والضيوف غير مرئيون، يعيد محمد عادل يوسف إحياء هؤلاء الضيوف فى شخصيات مسرحيات يونسكو الأخرى حين يدق الجرس. يظهر الضيوف تباعا، وبعد أن يخرجون تظل ملابسهم فوق الكراسى الخاوية. يدخل السيد والسيدة مارتان -وهما زوجان لا يكادا يعرفان بعضهما البعض- وبعد ثرثرة فارغة بينهما فى محاولة للتعرف على بعضهما البعض، ينهض السيد مارتان، قائلًا: «إذن يا سيدتى العزيزة، أعتقد أنه ليس هناك أدنى شك، لقد سبق أن التقينا، وأنت زوجتى…»، وفى ظل تغير الأدوار الجندرية وفقد الهوية التى نمر بها فى عصرنا الحالى، فصممت ميار ممدوح الأزياء بازدواجية جلية حيث يرتدى سعيد سالمان (السيد مارتان) بدلة رسمية بربطة عنق بنية اللون، وترتدى جاسمين خالد (السيدة مارتان) فستان سهرة ساتان أسود مع اكسسوار فضى لامع فى تباه كاذب وحين يستديران تظهر ملابسهما معكوسة؛ فيرتدى السيد مارتان فستان سهرة من الساتان الأحمر، وترتدى السيدة مارتان بدلة وربطة عنق حمراء. يلج الأستاذ المبجل منزل العجوزين فى حالة من الكوميديا السوداء التى سادت العرض منذ بدايته، حيث يظهر ببدلة ضخمة دون رأس - يختفى بداخلها المؤدى - ويخرج من حقيبته الجلدية «طبلة» ويشرع فى «التطبيل». فقد الأستاذ هيبته وفقد التعليم قيمته.يظهر سعيد سالمان وأحمد عباس مرة أخرى بدورين «السيد الضخم» و«الرسام» تباعًا. يرتدى «السيد الضخم» سترة لامعة مزينة بالكثير من الإكسسوارات البراقة صممها محمد مهدى فى إشارة إلى إدعاء تلك الطبقة الاجتماعية من الأثرياء الجدد الذين يسيرون فوق الجثث ويعلون من قيمة المال فى مقابل أى شىء آخر، ولا يعلو صوت فوق أصواتهم. ويظهر أحمد عباس بملابس رثة وملطخة بالألوان، أما لغته الجسدية فهى خنوعة ذليلة؛ يربط السيد الضخم الرسام بحبل ويشد وثاقه ويدهسه بقدمه وعصاه، بينما يتمسك الرسام بلوحته التى ينقلها من إبط إلى إبط إلى أن يخضع أخيرا لهذه السلطة الاستهلاكية التى يفرضها السيد الضخم ويبتاع فنه بثمن بخس، ولكن الفن ليس بسلعة! فهل يمكن تسليعه؟تظهر جاسمين خالد بشعرها الكثيف المجعد فى دور السوبرانو الصلعاء وتبدأ فى غناء «لا أندم على شئ» Non, je ne regrette rien (1960) للمطربة الفرنسية ايديت بياف Edith Piaf (1915-1963( ولكنها لا تنطق بأية كلمات، بل تتبع نفس اللحن بأداء صوتي: «لاااااا بلااااا بلااااااااااا» Blah Blah Blah فى إشارة إلى عجز الكلمات عن التعبير؛ حيث أنها مجرد ثرثرة لا معنى لها، وتدنى مستوى الموسيقى المعاصرة. أثناء تقديم المغنية الصلعاء لأغنيتها، يظهر ورائها قطيع من الخراتيت كجوقتها.استعان أحمد حسنى ببعض الألحان العالمية فى سياق تقديم الزوجين؛ فحين يتحدثان عن باريس - مدينة النور- التى انهارت وخبا نورها بعد أن كانت مركز الحضارة والثقافة، يرقصان على مقطوعة بيانو La valse d›Amélie «فالس اميليا» (2001) التى ألفها يان تيرسن خصيصا للفيلم الفرنسى Amélie. أما حين يرقص الزوجان مع الرجل ذو رأس الخرتيت، فيرقصون على أنغام Dangerous «خطِر» (1991) لمايكل جاكسون، وحين تهدهد العجوز زوجها، فتسمع أنغام تهويدة الأطفال الشهيرة Twinkle Twinkle Little Star. هل عمد أحمد حسنى إلى الاستعانة بألحان قديمة، لكنها خالدة أم لا ترقى الأعمال الموسيقية الحالية إلى نفس مستوى الإبداع؟يغلق الستار وتسلط الإضاءة على يونسكو مرة أخرى! وترتفع أصوات النداء مرة أخرى: «يونسكو! يونسكوووو!».يظهر بارتولوميوس 1، ثم يتبعه بارتولوميوس 2 (والذى قام بدوره سعيد سالمان مرتديا أيضا زيا ملونا كمهرج)- لم يقدم بارتولوميوس الثالث أسوة بالنص الأصلى، بل ذكره «البارتولوميوسان» كلمحة من السخرية أن الأساتذة لن يتوقفوا عن محاولة أكاديمية الإبداع بفرص القيود على المبدعين، كما يربط «البارتولوميوسان» لاحقًا يونسكو بشارة حمراء كالمستخدمة فى إشارات المرور تأكيدًا على المنع وتقييد الإبداع.يفتح الستار مرة أخرى! يمتلئ المسرح بالكراسى المعلقة حول الزوجين وكأنها ترتدى ملابس الضيوف الذين استقبلوهما. وأخيرا، يستقبل الزوجان الضيف الأخير؛ الفنان وهو حاف القدمين بملابس سوداء وعينين تائهتين، وحين يهم الفنان بتبليغ الرسالة، يعجز عن التفوه بأى شىء! كأنه فقد صوته، أو بالأحرى فقد حريته للتعبير عن أى شى، فهل فقد الفنان بالفعل حريته فى الإبداع؟فى النهاية، لا يبدو منظمة آل يونسكو مجرد عرض يستعيد نصوص يوجين يونسكو، بل إنه يعيد فتح التساؤلات القديمة حول الإبداع والنقد، والحرية والهوية والاغتراب، حيث يعيد قراءة عبث يونسكو من داخل واقعنا المعاصر، ليؤكد أن ما طرحه من قضايا لم يفقد راهنيته، بل ربما صار أكثر إلحاحًا فى زمنٍ تتزايد فيه محاولات التأطير والتصنيف والتقنين.