المسرح بوصفه مساءلة للوجود.. قراءة نقدية فى تحولات الخطاب المسرحى بين الجمالى والوظيفى

المسرح بوصفه مساءلة للوجود..   قراءة نقدية فى تحولات الخطاب المسرحى بين الجمالى والوظيفى

العدد 976 صدر بتاريخ 11مايو2026

يمكن أن أسمى أى مساحة فارغة مسرحًا، حين يمشى فيها إنسان آخر بينما يشاهده آخر (Brook, The Empty Space).
فالمسرح بوصفه فعلًا إنسانيًا مركبًا لا يمكن اختزاله فى كونه عرضًا فنيًا أو نصًا مكتوبًا، بل هو حالة وجودية تتجسد فيها أسئلة الإنسان الكبرى حول المعنى والحرية والسلطة والهوية، ومنذ نشأته الأولى ظل مرتبطًا بفكرة المحاكاة كما صاغها أرسطو حين قال إن التراجيديا: «محاكاة لفعل جاد كامل.. تُثير الرحمة والخوف وتُحقق التطهير، وهو ما يكشف أن المسرح منذ بداياته لم يكن منفصلًا عن الوعى الإنسانى بل كان أداة لفهمه وإعادة تشكيله. غير أن هذا التصور الكلاسيكى لم يظل ثابتًا، بل تعرض لتحولات عميقة مع تطور الفكر الجمالى والفلسفى، حيث انتقل المسرح من كونه محاكاة للعالم إلى كونه مساءلة له.
ومع تطور المدارس المسرحية، خصوصًا فى القرن العشرين، ظهرت إشكالية العلاقة بين الشكل والمضمون بوصفها إحدى أكثر القضايا النقدية تعقيدًا. فالشكل لم يعد مجرد إطار خارجى، بل أصبح منتجًا للمعنى ذاته. رولان بارت فى تحليله للنصوص يرى أن «النص شبكة متعددة من الدلالات المفتوحة»، وهو ما يعنى أن الدلالة ليست ثابتة بل تتولد من تفاعل العناصر النصية والقرائية معًا. هذا التصور انعكس بوضوح فى المسرح التجريبى الذى كسر الخطية السردية وأعاد توزيع السلطة داخل العرض المسرحى.
وفى المقابل، قدّم برتولت بريخت رؤية مختلفة تقوم على إحداث مسافة نقدية بين المتلقى والعرض، إذ يقول: «على المسرح أن يمنع الجمهور من الانغماس، لكى يجعله يفكر». هذه الفكرة، المعروفة بالتغريب، لا تستهدف إلغاء الانفعال بل إعادة توجيهه نحو التفكير النقدى. فالمسرح هنا يتحول إلى أداة وعى اجتماعى وسياسى، لا مجرد تجربة جمالية. ويذهب بريخت أبعد من ذلك حين يرى أن الفن ليس مرآة تعكس الواقع، بل مطرقة لتشكيله، وهو ما يضع المسرح فى قلب الفعل التاريخى لا على هامشه.
لكن هذا الاتجاه الوظيفى لم يكن الوحيد، إذ ظهرت رؤى أخرى تؤكد جوهرية التجربة المسرحية بوصفها فعلًا إنسانيًا خالصًا. جيرزى غروتوفسكى، على سبيل المثال، يدعو إلى «المسرح الفقير» الذى يتجرد من كل عناصر الزينة ليبقى فقط الممثل والجمهور، مؤكدًا أن المسرح يمكن أن يوجد دون ديكور أو موسيقى لكنه لا يمكن أن يوجد دون هذا اللقاء الحى. هذا التصور يعيد المسرح إلى أصل وجوده كطقس حى، ويجعل من الجسد مركزًا للمعنى لا مجرد أداة تمثيل.
أما على مستوى المتلقى، فقد شهدت النظرية المسرحية تحولًا جذريًا، إذ لم يعد الجمهور عنصرًا سلبيًا يتلقى المعنى الجاهز، بل أصبح شريكًا فى إنتاجه. أومبرتو إيكو يصف هذا التحول حين يقول: «كل عمل فنى حديث هو دعوة مفتوحة للتأويل»، وهو ما يجعل من العرض المسرحى بنية مفتوحة تتعدد قراءاتها بتعدد المتلقين والسياقات. وهكذا يتحول المسرح إلى فضاء تفاعلى تتداخل فيه الذوات بدل أن تكون فيه ذوات منفصلة.
لذا فى السياق العربى، لم يكن المسرح بعيدًا عن هذه التحولات، بل قدم تجارب حاولت التوفيق بين الهوية المحلية والتقنيات الحديثة. توفيق الحكيم، على سبيل المثال، سعى إلى تأسيس ما سماه «المسرح الذهنى»، حيث يصبح الحوار الفكرى هو مركز الحدث المسرحى، فى حين اتجه سعد الله ونوس إلى مسرح سياسى نقدى يضع المتفرج فى قلب الأزمة، معتبرًا أن المسرح «أداة لتمرين المجتمع على التفكير فى ذاته». هذه التجارب العربية لم تكن مجرد استنساخ للغرب، بل كانت محاولة لخلق خطاب مسرحى مرتبط بالواقع الاجتماعى والسياسى العربى، حيث تتداخل الأسئلة الجمالية مع أسئلة التحرر والهوية.
ومع تطور المسرح المعاصر، أصبح الجسد هو النص الأكثر حضورًا، ولم يعد الأداء مجرد تجسيد للكلمات، بل أصبح كتابة موازية لها. ستانسلافسكى كان قد أرسى مبكرًا مفهوم «الصدق الداخلى»، حين قال: «لا تكن على المسرح، بل عش على المسرح»، وهو ما فتح الباب لاحقًا لتجارب الأداء الجسدى التى تجاوزت النص نحو التعبير الحركى والرمزى. هذا التحول يعكس انتقال المسرح من خطاب يروى إلى تجربة تُعاش.
إن المسرح فى صورته المعاصرة لم يعد يقدم إجابات، بل يفتح الأسئلة. فهو لا يسعى إلى تثبيت المعنى، بل إلى زحزحته وإعادة تشكيله داخل وعى المتلقى. وبين الاتجاهات التى تركز على البعد الجمالى وتلك التى تركز على الوظيفة الاجتماعية، يظل المسرح فضاءً للتوتر الخلاق الذى يمنحه حيويته واستمراريته. فهو فن لا يكتمل إلا فى لحظة العرض، ولا يكتسب معناه إلا عبر التفاعل الحى بين الخشبة والجمهور.
وهكذا يمكن القول إن المسرح ليس مجرد فن من الفنون، بل هو شكل من أشكال الوعى الإنسانى فى حالة أداء مستمر. إنه مساحة يتقاطع فيها الجمالى بالفكرى، والواقعى بالمتخيل، والذاتى بالجماعى، ليظل دائمًا فعلًا مفتوحًا على الاحتمال، وعلى الإنسان فى أكثر حالاته تعقيدًا وصدقًا وارتباكًا.


هند محسن حلمى