العدد 964 صدر بتاريخ 16فبراير2026
لم يعد المسرح فى زمننا الراهن قادرًا على تقديم الحكاية بوصفها نظامًا مطمئنًا، ولا الشخصية باعتبارها كيانًا مكتملًا يمكن الوثوق بحدوده النفسية أو الأخلاقية، ولا النهاية بوصفها لحظة حلّ أو استقرار. لقد تخلخلت البنية الكلاسيكية للعرض المسرحى، كما تخلخلت صورة الإنسان ذاته؛ فالعالم الذى كان يمنح السرد منطقَه، والشخصية اتساقَها، والحدث معناه، لم يعد قائمًا بالصورة التى عرفها المسرح عبر قرونه الطويلة.
دخل المسرح، مثل الإنسان المعاصر، مرحلة الانكسار العميق؛ مرحلة تهاوت فيها السرديات الكبرى، وتآكلت اليقينيات الفكرية والأخلاقية، وانكشفت هشاشة المفاهيم التى طالما شكّلت دعائم الفهم والتمثيل. لم يعد الواقع يُقرأ بوصفه بنية مستقرة، بل كشبكة متداخلة من الأزمات والاختلالات واللايقين، وهو ما انعكس مباشرة على لغة المسرح، وبنائه الدرامى، وعلاقته بالجمهور.
فى هذا السياق، لم يعد القلق حالة طارئة داخل النص المسرحى، بل غدا شرطًا وجوديًا وجماليًا، وحالة وعى تفرض نفسها على الفعل الدرامى برمّته. قلق الإنسان المعاصر – بين فقدان المعنى، وضغط الواقع، وتسارع الزمن، وتهشّم الهوية – وجد فى المسرح فضاءً مكثفًا للتعبير، لا بوصفه منبرًا للإجابات، بل باعتباره مساحة للأسئلة المفتوحة والارتباك الخلّاق.
من هنا تنبثق دراماتورجيا القلق بوصفها مفهومًا نقديًا وجماليًا يعيد التفكير فى وظيفة المسرح وأدواته، ويقترح صيغة مغايرة للعلاقة بين النص والعرض، وبين الشخصية والمتلقى، وبين الفعل والنتيجة. إنها دراماتورجيا لا تسعى إلى التفسير بقدر ما تحتفى بالارتباك، ولا تبحث عن الخلاص بقدر ما تكشف عمق المأزق الإنسانى، فى عالم يتآكل فيه المعنى، ويختل فيه التوازن بين الفرد والواقع، وتغدو فيه الأسئلة أكثر صدقًا من أى إجابة.
فى ظل هذا التحول، يصبح المسرح مرآة لانكسار الإنسان، لا ليعيد إنتاجه فحسب، بل ليضعه عاريًا أمام قلقه، محاصرًا بأسئلته، ومفتوحًا على احتمالات لا نهائية من التأويل.
أولًا: مفهوم دراماتورجيا القلق:
تشير دراماتورجيا القلق إلى نمط بنائى وجمالى فى المسرح المعاصر يتأسس على اللايقين بوصفه بنية، وعلى التشظى بوصفه رؤية للعالم، وعلى الانكسار الوجودى بوصفه جوهر التجربة الإنسانية. وهو مفهوم يمكن قراءته عند تقاطع عدة مسارات فكرية ونقدية، لا ينتمى إلى مدرسة واحدة بقدر ما يتشكّل من تفاعلها.
فمن منظور هانس-تيز ليمان فى كتابه المسرح ما بعد الدرامى، يغادر المسرح المعاصر مركزية الحبكة والشخصية لصالح البنية المفتوحة والتجربة الحسية، حيث لا يعود المعنى مُنجزًا داخل النص، بل معلّقًا بين العرض والمتلقى. هذا التعليق الدائم للمعنى هو أحد منابع القلق الدراماتورجى.
وفى ضوء الفلسفة الوجودية، لا سيما عند كيركجارد وهايدجر، يُفهم القلق بوصفه حالة أنطولوجية ناتجة عن مواجهة الإنسان لحريته، ولايقينه، ووعيه بالعدم. المسرح الذى يستلهم هذا التصور لا يعرض القلق كحالة نفسية فردية، بل كشرط وجودى عام، يتسلل إلى بنية النص وأدواته.
أما على مستوى التحليل النفسى، فإن تصورات فرويد ولاكان حول القلق بوصفه أثرًا لانفصال الذات عن المعنى المستقر، وانكسار العلاقة بين الدال والمدلول، تفسّر حضور اللغة المتكسّرة، والصمت، والتكرار القهرى فى المسرح القَلِق، حيث تفشل اللغة فى احتواء التجربة.
من هنا، لا تُبنى الدراما فى هذا السياق على تصاعد سببى تقليدى، بل على توترات داخلية، وانقطاعات دلالية، وصراعات غير قابلة للحسم. القلق لا يُروى، بل يُبنى.
القلق بوصفه آلية اشتغال درامى (تطبيقات متعددة المرجعيات):
قلق فى البنية (مرجعية ما بعد الدراما والتفكيك(:
تتجلى هذه السمة فى تفكيك الخط الزمنى، وكسر وحدة الحدث، وتبنى التكرار والدوران، وهو ما يتقاطع مع تصورات جاك دريدا حول تفكك المركز واستحالة المعنى النهائى. العرض لا يسير إلى نهاية، بل ينفتح على فراغ دلالى مقصود.
2- قلق فى اللغة (مرجعية العبث والتحليل النفسى:
تتجاور هنا تأثيرات بيكيت ويونسكو، حيث اللغة عاجزة، مكرورة، شبه مفرغة من وظيفتها التواصلية. الصمت – كما يرى بيكيت – ليس غيابًا للكلام، بل امتلاء بالفشل فى القول. القلق يُنطق عبر العجز عن النطق.
3 - قلق فى الجسد (مرجعية المسرح الجسدى والأنثروبولوجي):
وفق تصورات أنطونان أرتو فى مسرح القسوة، يصبح الجسد حاملًا للألم والاضطراب أكثر من الكلمة. فالجسد هنا لا يشرح، بل يصطدم، يتشنج، ينهار، ويقاوم، بوصفه آخر معاقل الحقيقة فى عالم كاذب.
4 - قلق فى الشخصية (مرجعية نقد الشخصية الحديثة):
لم تعد الشخصية – كما عند لوكاش أو الدراما الكلاسيكية – كيانًا متماسكًا، بل ذاتًا منكسرة، متعددة الأصوات، وهو ما يتقاطع مع نقد ريتشارد شِشنر لفكرة الشخصية المستقرة، ومع تصورات ما بعد الحداثة عن تفتت الهوية.
- 5 قلق فى العلاقة مع المتفرج (مرجعية بريخت وما بعده):
إذا كان بريخت قد سعى إلى إيقاظ وعى المتفرج عبر التغريب، فإن مسرح القلق يذهب أبعد: لا يوقظ وعيه فقط، بل يربكه، ويضعه فى قلب التجربة القلقة، من غير مسافة أمان. المتفرج هنا شريك فى الأزمة لا مراقب لها.
بهذا المعنى، تتحول دراماتورجيا القلق إلى منطقة التقاء بين:
المسرح ما بعد الدرامى
الفلسفة الوجودية
التحليل النفسى
التفكيك
مسرح العبث
المسرح الجسدى
وهى ليست اتجاهاً مغلقاً، بل أفقًا مفتوحًا للسؤال.
ثانيًا: زمن الانكسار وسقوط اليقين (فى ضوء السياق الفكرى والتاريخي):
يندرج هذا التحول داخل ما يصفه زيجمونت باومان بـ الحداثة السائلة؛ زمن السيولة، وعدم الثبات، وانهيار الأطر المرجعية الكبرى. كما يتقاطع مع تشخيص جان فرانسوا ليوتار لسقوط السرديات الكبرى، حيث لم تعد الأيديولوجيات قادرة على تفسير العالم أو إنقاذه.
فى هذا السياق:
الحروب (كما يحللها سوزان سونتاج بوصفها مشهدية دائمة للألم)
الهويات الممزقة (وفق دراسات ما بعد الاستعمار)
الاغتراب (كما عند إريك فروم)
فقدان المعنى (كما عند ألبير كامو)
كلها تشكّل الخلفية العميقة لمسرح لا يستطيع – ولا يريد – تقديم عالم منسجم.
اختار المسرح أن يكون صادقًا لا مريحًا؛ أن يعكس العالم مكسورًا بدل أن يعيد ترتيبه وهميًا. وهكذا، يغدو القلق ليس عرضًا جانبيًا، بل اللغة الأصدق للتعبير عن واقع لم يعد قابلًا للتفسير البسيط، ولا للخلاص السريع.
دراماتورجيا القلق: الجذور النظرية والملامح الجمالية فى زمن الانكسار:
يمكن النظر إلى دراماتورجيا القلق بوصفها نتاجًا تراكميًا لتقاطعات فكرية ومسرحية متعددة، تشكّلت عبر تحولات عميقة فى وعى الإنسان بذاته وبالعالم. فهى لا تنتمى إلى اتجاه مسرحى واحد بقدر ما تنبثق من منطقة التماس بين الفلسفة الوجودية، ومسرح العبث، والمسرح ما بعد الدرامى، والتحليل النفسى، ونقد الحداثة وما بعدها. هذا التداخل هو ما منحها طابعها الإشكالى، وجعل القلق ليس مجرد ثيمة، بل بنية جمالية شاملة.
مع المسرح الوجودى، كما عند سارتر وكامو، انتقلت الدراما من تمثيل الفعل الخارجى إلى مساءلة الداخل الإنساني؛ حيث أصبحت الشخصية كائنًا مأزومًا، محاصرًا بالاختيار، مثقَلًا بالحرية، ومهددًا بالعدم. هنا بدأ القلق يتخذ موقعه المركزى، لا بوصفه اضطرابًا نفسيًا عابرًا، بل كشرط وجودى يولّد التوتر الدرامى من الداخل، ويفكك فكرة البطل القادر على الفعل والحسم.
ثم جاء مسرح العبث ليعمّق هذا المسار؛ فعند صموئيل بيكيت وأوجين يونسكو بلغ القلق ذروته الجمالية، حيث انهارت اللغة، وتكررت الأفعال بلا جدوى، وتحوّل الصمت إلى عنصر دلالى أساسى. فى هذا المسرح، لم تعد الحكاية قادرة على التقدم، ولم تعد اللغة أداة للمعنى، بل شاهدًا على فشله. القلق هنا لم يُعرض، بل تجسّد فى البنية ذاتها: زمن دائرى، شخصيات عالقة، انتظار بلا أفق.
ومع تنظيرات هانس-تيز ليمان حول المسرح ما بعد الدرامى، تفككت مركزية النص، وتقدّم الجسد، والصورة، والحدث اللحظى، بوصفها حوامل للمعنى. لم يعد العرض يسعى إلى الطمأنة أو الإقناع، بل إلى إرباك الإدراك، ووضع المتفرج داخل تجربة حسية قلقة. هذا المسرح لا يقدّم سردية مكتملة، بل يعلّق المعنى، ويجعل التوتر حالة إدراكية مشتركة بين الخشبة والصالة.
فى ضوء هذه الجذور، تتجلى دراماتورجيا القلق عبر ملامح فنية واضحة: تفكك البناء الدرامى، وغياب الحبكة التقليدية، وتعدد البدايات والنهايات المحتملة، ولغة مأزومة تتسم بالجمل المبتورة، والتكرار، والصمت، واللا معقول. الشخصيات تظهر بوصفها ذواتًا غير مكتملة، بلا تاريخ مستقر أو هوية ثابتة، بينما يتحول الجسد إلى خطاب أساسى، مشحون بالتوتر، والتشنج، والسكون الطويل. الزمن بدوره يفقد خطيته، ويدور فى فراغ دائرى يعكس العجز عن التقدم.
ولا يقف القلق عند حدود النص والعرض، بل يمتد إلى علاقة المسرح بالمتفرج؛ إذ يُسحب الجمهور من موقع التلقى الآمن إلى موقع المشاركة فى عدم الأمان الجمالى. المتفرج لا يُمنح تفسيرًا ولا خلاصًا، بل يُجبر على مواجهة أسئلته الخاصة، وعلى الاعتراف بهشاشة المعنى.
فى هذا الإطار، لا تمثل دراماتورجيا القلق استسلامًا للانكسار، بل فعل مقاومة جمالية. إنها ترفض التبسيط، وتقاوم الحلول الجاهزة، وتُصرّ على مواجهة الواقع كما هو، دون أقنعة أو مساحيق. مسرح القلق لا يعد بالشفاء، لكنه يفضح المرض.
أما فى المسرح العربى، فتكتسب دراماتورجيا القلق خصوصيتها من واقع سياسى واجتماعى مأزوم، حيث تتقاطع الأسئلة الوجودية مع القهر اليومى، والذاكرة الجمعية المثقلة، والخيبات المتراكمة. الشخصية العربية القلقة ليست كائنًا فلسفيًا مجردًا، بل ذاتًا مسحوقة بين السلطة والخوف والمنفى الداخلى. لذلك اتجهت كثير من العروض العربية المعاصرة إلى تفكيك السرد التاريخى، واستخدام الرمزية والعبث، وكسر الإيهام المسرحى، وتقديم شخصيات مهزومة لا بطولية، تعكس عمق الأزمة بدل التستر عليها.
خاتمة:
ليست دراماتورجيا القلق مرحلة عابرة فى تاريخ المسرح، بل تعبيرًا صادقًا عن زمن فقد توازنه، وانكسرت فيه اليقينيات، وتآكلت السرديات الكبرى. إنه مسرح لا يمنح عزاءً، ولا يقدّم حلولًا، لكنه يمنح ما هو أكثر خطورة وأهمية: الوعى.
وفى زمن الانكسار، ربما لا تكون مهمة المسرح أن يرمم العالم، بل أن يقول الحقيقة، كما هي:
مؤلمة، ناقصة، وقلقة.. لكنها حقيقية.