ندوة «إقليم التجريب ومنعطفات وتحولات المشاهدة» تناقش جغرافيا المتفرج وتحولات علاقته بالعرض المسرحى

ندوة «إقليم التجريب ومنعطفات وتحولات المشاهدة» تناقش جغرافيا المتفرج وتحولات علاقته بالعرض المسرحى

العدد 997 صدر بتاريخ 5أكتوبر2026

اقيمت ضمن فعاليات المحور الفكرى للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، من خلال ندوة «إقليم التجريب ومنعطفات وتحولات المشاهدة»، التى أدارها أ. هزاع البرارى من الأردن، وشهدت نقاشًا موسعًا حول موقع المتفرج فى التجربة المسرحية، وتحولات فعل المشاهدة، وعلاقة الجمهور بالجغرافيا الثقافية والاجتماعية والجمالية التى يأتى منها، إلى جانب بحث أثر الفضاء والجسد والزمن والسلطة فى إعادة تشكيل علاقة العرض بجمهوره. وجاءت الندوة فى سياق متصل بالجلسة الفكرية السابقة، مع انتقال النقاش من سؤال بناء المتفرج إلى البحث فى الإقليم الذى تتحرك داخله التجربة التجريبية، وما إذا كان هذا الإقليم يمكن فهمه فقط من خلال المكان الذى يقدم فيه العرض أم أنه يتسع ليشمل جغرافيا المتفرج نفسه، بما يحمله من رأس مال اجتماعى، وقيم وثقافات وعادات ومعتقدات وتجارب سابقة تشكل وعيه وتؤثر فى طريقة استقباله للعرض. 
وفى افتتاح الجلسة، أشار أ.هزاع البرارى إلى أن الحديث عن «الإقليم» يرتبط عادة باللغة الجيوسياسية، إلا أن المقصود فى هذه الندوة هو الإقليم داخل المسرح، مشيرًا إلى أن الاهتمام النقدى ينصرف غالبًا إلى المنصة أو الخشبة، بينما يقل النظر إلى الجهة المقابلة، أى الصالة والمتفرج. وطرح تساؤلات حول مدى حضور المتفرج عربيًا داخل الدراسات المتعلقة بالتجريب، وحول تأثير جغرافيته الثقافية والاجتماعية فى تلقى العرض، وكذلك حول اللحظة التى يستطيع فيها المتفرج نفسه أن يحكم بأن ما يراه ينتمى إلى التجريب أو لا ينتمى إليه. 
وأكد البرارى أن الناقد يمكن أن يكون حاضرًا فى تحديد طبيعة التجربة، إلا أن الكلمة الفصل تظل للمتلقى، باعتباره الطرف الذى يختبر العرض بالفعل ويمنحه، من خلال عملية المشاهدة، أحد وجوه وجوده ومعناه. 

محمد الروبى: المتفرج إحدى جغرافيات التجريب المسرحى 
استهل الناقد المسرحى محمد الروبى، من مصر، مداخلته بالتأكيد على أن مفهوم الجغرافيا فى سياق المسرح ينبغى ألا يتوقف عند حدود المكان أو الخريطة، موضحًا أن الذهن ينصرف عادة عند سماع كلمة الجغرافيا إلى المدينة التى نشأ فيها العرض أو البلد الذى ينتمى إليه، أو المسرح الذى احتضنه، أو المسافة التى قطعها حين انتقل من ثقافة إلى أخرى.
وأوضح أن علاقة المسرح بالجغرافيا أوسع من ذلك بكثير، لأن المكان المسرحى نفسه يشارك فى تشكيل الحدث، واختلافه يؤدى إلى تغيير مواقع الأجساد والمسافات بينها وزوايا النظر وحركة الممثل وموقع المتفرج، وقد يقود فى النهاية إلى تغيير طبيعة العرض وطريقة تلقيه. 
ومن هنا طرح الروبى سؤاله المركزى: هل يمكن أن يصبح المتفرج إحدى جغرافيات التجريب المسرحى؟ موضحًا أنه إذا كان العرض ينتقل من ثقافة إلى أخرى، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيدًا عندما يصل إلى متفرج تشكلت علاقته بالمسرح داخل جغرافيا ثقافية مختلفة عن تلك التى نشأ فيها العرض. وأشار إلى أن المسرح يمكن النظر إليه باعتباره عملية مستمرة لإعادة ترتيب المكان والعلاقات داخله؛ ففى الفضاء المسرحى التقليدى تتحدد المواقع منذ البداية، فيكون الممثلون فى جهة والمتفرجون فى جهة أخرى، وظل هذا الترتيب طويلًا جزءًا من العادة المسرحية، إلى أن جاءت تجارب أخذت فى تحريك هذه الحدود، فخرج الممثل من الخشبة، وغادر العرض المبنى المسرحى، واقترب المؤدى من المتفرج، وأصبح المتفرج فى بعض التجارب جزءًا من فضاء الأداء. 
ورأى الروبى أن الجغرافيا المسرحية يمكن تصورها من خلال ثلاث دوائر متداخلة: جغرافيا المكان، أى أين يحدث العرض؛ وجغرافيا العلاقة، أى كيف تتوزع الأجساد والمسافات داخل هذا المكان؛ وجغرافيا التلقى، أى كيف يعيد المتفرج بناء ما يراه من موقعه الثقافى والنفسى والجمالى. وأكد أن الدائرة الثالثة، جغرافيا التلقى، هى التى تشغله بصورة أساسية.
وأوضح أن المتفرج لا يدخل المسرح فارغًا، وإنما يدخل محملًا بذاكرته وثقافته وخبراته السابقة وتوقعاته وصوره عن المسرح والممثل وعن دوره هو فى عملية المشاهدة. كما يدخل، وهو يحمل معرفة، بدرجات مختلفة، بالقواعد غير المكتوبة التى تحدد متى يصفق، ومتى يصمت، ومتى يضحك، ومتى ينبغى ألا يتدخل، فضلًا عن صورة معينة عن الحدود التى تفصل المتفرج عن المؤدى وعن الطريقة التى ينبغى أن تجرى بها الفرجة. 
وشدد على أن ذلك لا يعنى افتراض وجود متفرج مصرى نموذجى أو أوروبى نموذجى أو يابانى نموذجى، لأن كل جمهور يحتوى داخله على اختلافات واسعة، وإنما المقصود أن كل متفرج يصل إلى العرض محملًا بخبرات تكونت قبل لحظة رفع الستار، وأن العرض عندما يسافر من بلد إلى آخر يجد أمامه هذه الخبرات، وكأنه يصل إلى جغرافيا بشرية جديدة. 
وتوقف الروبى عند تجربة بيتر بروك ومفهوم «المساحة الخالية»، معتبرًا أن المسرح يستطيع أن يبدأ من مساحة يعبرها شخص بينما يشاهده شخص آخر، وهى فكرة تبدو بسيطة لكنها تضع العلاقة بين الفاعل والمشاهد فى قلب الحدث المسرحى. فحتى إذا تغير المبنى أو اختفى الديكور أو أصبحت المساحة شديدة البساطة، يظل هناك اللقاء الجوهرى بين من يفعل ومن يشاهد، وهو لقاء قابل للتجريب مع كل تغيير فى المسافة أو موقع الجسد أو زاوية النظر. 
كما تناول تجربة جروتوفسكى، مشيرًا إلى أعمال مثل «الأكروكوليس»، التى أعادت تنظيم الفضاء وقلصت الحدود المألوفة بين المؤدين والمتفرجين. لكنه رأى أن هذه التجربة تكشف مسألة أخرى مهمة، هى أن قرب المتفرج من الممثل لا يعنى بالضرورة زوال المسافة بينهما، إذ قد تكون المسافة الجمالية أكبر بكثير من المسافة المادية، والعكس صحيح. وانتقل إلى تجربة ريتشارد شيكنر، خاصة المسرح البيئى و«ديونيسوس فى 69»، حيث يصبح المكان بيئة مشتركة يتحرك داخلها المؤدون والمتفرجون، وتتداخل مساحات الأداء والمشاهدة، وتصبح الحدود أكثر مرونة. إلا أن الروبى أكد أن وجود المتفرج داخل فضاء الفعل لا يكفى وحده، إذ قد يتحرك الجمهور ويشارك جسديًا ويغير مكانه، بينما تظل مشاركته مجرد حركة لا تترك أثرًا فى جوهر الحدث. 
ومن هنا، شدد على أهمية السؤال عن أثر الحضور وليس الحضور فقط: ماذا يغير وجود المتفرج؟ وماذا يحدث للعرض بسبب وجوده؟ واستعرض الروبى كذلك تجربة أوجستو بوال ومفهوم «المتفرج الممثل» فى «مسرح المنتدى»، حيث يستطيع المتفرج إيقاف المشهد واقتراح احتمال آخر والدخول إلى فضاء الأداء والحلول محل إحدى الشخصيات. وهنا تتحول المشاهدة إلى مساحة للفعل والاختيار، لكن التجربة، بحسب الروبى، تذكر أيضًا بأن الحرية المسرحية لها شروطها، لأن المتفرج يدخل لعبة لها قواعد، ومن ثم فإن تغيير موقع الجسد وحده لا يكفى لتغيير طبيعة العلاقة. 
وأكد أن المعنى يتكون أثناء اللقاء، وأن استجابة الجمهور تؤثر فى المؤدى، كما يؤثر المؤدى فى الجمهور، ومن هذه الدائرة المتبادلة يتشكل الحدث الأدائى. ولذلك لا يتكرر العرض الحى بصورة مطابقة لنفسه، لأن الجمهور يتغير، والزمن يتغير، ومدارك الانتباه تتغير، والطاقة داخل المكان تتغير، وحتى الصمت يمكن أن يحمل فى ليلة معنى مختلفًا عن ليلة أخرى.
وتساءل الروبى عما يحدث عندما يسافر التجريب من بلد إلى بلد، موضحًا أن العرض يحمل معه طريقة معينة فى التفكير فى الفضاء والجسد والعلاقة مع الجمهور، لكنه عندما يصل إلى جغرافيا جديدة يجد جمهورًا لم يشارك فى تكوين هذه اللغة الجمالية، ويحمل ذاكرة أخرى وخبرات أخرى وعادات مشاهدة أخرى، فتحدث عملية أشبه بالتفاوض بين العرض والمتلقى. 
وفى هذا السياق، استعاد تجربته فى مشاهدة عرض «الملك لير» الذى قدمته ديبورا وورنر مع فرقة «كيك ثياتر» عام 1985، والذى قام بجولة دولية ووصل إلى مصر. وأشار إلى أن ما بقى فى ذاكرته من العرض هو الاقتصاد الشديد فى عناصره، حيث لم يكن هناك قصر ملكى بالمعنى المألوف، ولا عرش أو تاج أو سيوف، وإنما سلاسل حديدية ودمى من الألومنيوم وأجساد الممثلين والضوء والفراغ. 
وأوضح أن قلة العلامات فى العرض كانت تترك مساحة واسعة لخيال المتفرج، وأن أجزاء من العالم المسرحى ظلت ناقصة ليقوم الجمهور باستكمالها. واستعاد بشكل خاص مشهد العاصفة، حيث كان لير يحمل دلو ماء ويرش الماء على رأسه وجسده، بينما ترسم الإضاءة على أرضية المسرح ظلال أوراق وأغصان، فتتكون العاصفة من إشارات قليلة، بينما يكمل المتفرج بقية الصورة فى مخيلته. 
ورأى أن هذه اللحظة تكشف إحدى أكثر لحظات التجريب نقاءً، لأن العاصفة لا تقع على الخشبة وحدها، وإنما تقع داخل المتفرج، وهنا تنتقل الجغرافيا من مكان العرض إلى جغرافيا التلقى.
وأشار إلى أن المتفرج المصرى الذى شاهد العرض لم يكن صفحة بيضاء، وإنما دخل إليه محملًا بتاريخ طويل من الفرجة، يعرف قدرة الممثل على إنتاج المكان بالإشارة، ويعرف أن قطعة قماش يمكن أن تصبح شيئًا باذخًا، وأن العصا قد تتحول إلى حصان، وأن فرع الخشب يمكن أن يمتلئ بالخيال. 
واختتم الروبى مداخلته بالتساؤل: هل يوجد متفرج تجريبى؟ ورأى أن المتفرج التجريبى ربما لا يكون نوعًا من الجمهور يمكن التعرف عليه مسبقًا، وإنما حالة تنتجها العلاقة بين العرض والتلقى. وقد يظل جالسًا طوال العرض، ولا يصعد إلى الخشبة قط، ومع ذلك يمكن أن يكون متفرجًا تجريبيًا إذا أتاحت التجربة إعادة ترتيب طريقته فى النظر.

كمال خلادى: المشاهدة ليست الحلقة الأخيرة فى عملية الإنتاج 
تناول أ.د. كمال خلادى، من المغرب، لحظة لقاء المسرح بجمهوره باعتبارها تجربة تستحق إعادة الفحص، داعيًا إلى التخلى عن كثير مما نعرفه أو نظن أننا نعرفه عن فعل المشاهدة. 
وأوضح أن العرض المسرحى بوصفه حدثًا يتشظى إلى لحظات متعددة قد تحمل تجربة غير متوقعة، مستعيدًا تصورًا لدى المسرحى البولندى بأن الفكرة العميقة للمسرح قد تحضر فى لحظات خاطفة تشبه مرور ملاك فوق الخشبة. كما استحضر هايدغر ومفهوم «اللحظة» بوصفها فجوة تقود إلى الحقيقة وتجعل الإنسان يرى الأشياء ويوجد على نحو مختلف. وأشار إلى أننا ننظر أحيانًا إلى العرض باعتباره وسيلة للهروب من الملل أو الضيق أو الوحدة، لكن الأهم ما نهرب إليه وما نلتقطه من تجربة أخرى. وتساءل: ما الذى نسميه عرضًا مسرحيًا؟ موضحًا أنه بالنسبة إلى المبدعين التزام بالصدق والإصرار فى صنع شىء من أجل تجربة مختلفة، وبالنسبة إلى الجمهور سلسلة من التوقعات والوعود التى يصنعها قبل المشاهدة. 
وأكد أن المشاهدة لا تقتصر على النظر، بل تشمل الرؤية والسمع والإحساس والمشاركة والانفعال، وقد تصل إلى البكاء والضحك والتعليق والتصفيق والغضب ومغادرة القاعة. كما أنها لا تقبل العزلة، لأن التجربة تستلزم التقاسم، ومن هنا سؤال الجمهور بعضه بعضًا عن رأيه بعد انتهاء العرض. وشدد على أن اعتبار المشاهدة الحلقة الأخيرة فى عملية الإنتاج خطأ، لأنها جوهر التجربة المسرحية وعنصر أساسى يدفع المسرح إلى تغيير جلده باستمرار. 
واستعرض عرضين أجنبيين باعتبارهما مثالين على تحولات موقف الجمهور، وليس نموذجين للاحتذاء. الأول «المآسى الرومانية» لمسرح أمستردام الرئيسى، الذى تناول المآسى الرومانية الثلاث لشكسبير داخل مسرح تقليدى حُوّل إلى فضاء مفتوح للحركة، يضم أريكة وأكشاكًا ومقهى ومشربًا وطاولة جرائد، إلى جانب شاشات عملاقة حتى فى دورات المياه، تنقل مجريات العرض ومعلومات مرتبطة به وأخبارًا يومية ونتائج مباريات كرة القدم. 
وكان الجمهور حرًا فى التحرك كما يريد وفى الوقت الذى يريد، بينما تستمر الأحداث، بما يجعل العلاقة بين العرض والمتفرج جزءًا من البناء الدراماتورجى. 
أما «فندق ميديا» فتعامل مع أسطورة ميديا، وانتقل فيه الجمهور بين ضفتى نهر التايمز ثم إلى مستودع يتعلم فيه الرقص والغناء وأشياء مرتبطة بالأسطورة. ويدخل جيسون فى سيارة حقيقية، وينقسم الجمهور إلى رجال ونساء، ويشارك فى حفلات تجهيز العروسين والزفاف، قبل متابعة تطورات مرتبطة بطموحاته الانتخابية. واستمر العرض طوال الليل مع توفير أماكن للنوم، وفى الفجر يقع مشهد خيانة جيسون وانتقام ميديا، ثم ينتقل الجمهور عبر ممرات مظلمة إلى مشاهد أخرى، وتستمر التجربة عبر الهاتف والرسائل وغيرها من الوسائط. 
ورأى خلادى أن العرضين لم يراهنا فقط على ترتيب إخراجى جديد لنصوص الريبرتوار، وإنما على دراماتورجيا تقوم على تمتين الروابط بين الفعل والأداء والجمهور والمكان والزمان، بما يوسع العرض من تمثيل المعنى إلى ما يتولد من هذه العلاقات. 
وأكد أن الحديث عن العرضين لا ينفصل عن تجربة المشاهدة التى يخلقانها، لأن فعل المشاهدة مدمج فى نسيج هذه الدراماتورجيات. وأوضح أن «المآسى الرومانية» دفعت ترتيبات المشاهدة التقليدية إلى أقصى حدودها مع احتفاظ المشاهد بموقعه دون ادعاء زائف بالمشاركة، بينما أدخل «فندق ميديا» حاجة الجمهور إلى النوم فى البناء الدراماتورجى، محاولًا تحقيق توازن بين الحبكة وحرية الجمهور. 
واختتم بطرح سؤال: هل تجربة المشاهدة تجربة مشتركة فعلًا؟ مستندًا إلى سؤال الباحث برنار دور وتفاعلًا مع مقولة بيتر بروك فى «المساحة الفارغة» حول رجل يمشى فى مكان خالٍ وآخر يراقبه، مؤكدًا أن وجود أكثر من متفرج فى المكان نفسه لا يعنى أنهم يعيشون التجربة ذاتها، إذ يطور كل فرد، وفق تجاربه وخبراته وعاداته، احتمالات مختلفة فى علاقته بما يجرى أمامه.

نورس عادل: التجريب يعيد تشكيل علاقة المسرح بالمتفرج 
تناول أ.د. نورس عادل، من العراق، فى مداخلته «جينالوجيا السرديات الصامتة فى مؤسسة المتفرج»، تاريخ الجمهور فى الممارسة المسرحية، ومحاولات التجريب استنطاق السرديات المهمشة أو الصامتة، خاصة سرديات الجمهور الذى وضعته التصورات الأرسطية المرتبطة بالكاثارسيس والتطهير خارج مركز الاهتمام. 
وأوضح أن التجريب سعى إلى إعادة الاعتبار للمتفرج وصولًا إلى ما يمكن تسميته «مؤسسة الجمهور»، مؤكدًا وجود جمهور للتجريب اكتسب مهارات تتيح له التعامل مع تجارب مسرحية مختلفة. ورأى أن التجريب ممارسة تخليقية لا تنتج العرض فقط، بل تنتج جمهورًا جديدًا، لذلك فإن موقع المتفرج يرتبط بوجود الممارسة المسرحية ومستقبلها، فى ظل مدخلات جديدة تنافس المسرح وتؤثر فى جمهوره. 
وقسم دراسته إلى ثلاثة مرتكزات: الحفر الجينالوجى فى «مؤسسة المتفرج»، ومراجعة مركزيات الفرجة فى التجريب؛ ومساءلة معامل التجريب والأنماط الفرجوية التى تأسست داخله؛ والكشف عن مغذيات السلطة التى منحته هذا النطاق. 
وتوقف عند الجينالوجيا بوصفها منظورًا يرفض الأصل النقى ويرى التاريخ عبر تعدد الأصول والانقطاعات والتداخلات، مستندًا إلى فوكو، موضحًا أن هذا المنظور أعاد مساءلة تاريخ المسرح وفعل المشاهدة وشروطها. 
كما تناول استفادة التجريب من العلوم والفنون والحقول المعرفية المجاورة، متوقفًا عند ديكارت ولايبنتز وكانط وباشلار وأسئلتهم حول المكان والجسد والحركة وشعرية الفضاء. واستعرض تجربتى أرتو وبريخت فى الانقلاب على التصور الأرسطى والكاثارسيس وإعادة إنتاج متفرج جديد، ثم أشار إلى بيتر بروك وبحثه عن علاقة جديدة بين الفعل والمتفرج والمكان. 
وانتقل إلى المسرح التفاعلى، متوقفًا عند تجربة «عزيزة» للمخرج د. قاسم الطيب، المقدمة فى بغداد بمنتدى المسرح التجريبى عام 2015؛ موضحًا أن «العزيزة» تميمة للشؤم فى الفلكلور العراقى، وأن العرض قدم داخل منزل بغدادى يضم باحة وغرفًا، بمشاركة 11 لاعبًا من الشباب، فى تجربة أعادت التفكير فى العلاقة بين الفضاء والمتفرج والأداء.

يوسف أمفزع: التجريب العربى بين تحولات الفرجة وصناعة المتفرج 
قدم د. يوسف أمفزع، من المغرب، مداخلة بعنوان «المسرح التجريبى العربى وصناعة المتفرج: من ديمقراطية الفرجة إلى نخبوية التمويل»، استعرض خلالها نماذج من الكتابات النقدية حول العروض التجريبية منذ نهاية الثمانينيات حتى الألفية الثالثة، مستندًا إلى رولان بارت وألان باديو وريجيس دوبريه، وقراءة النقد للمسرح بوصفه بناءً شكليًا ونظرة مسئولة إلى العالم. 
وأوضح أن هذه الكتابات تكشف تصاعد التحولات الجمالية وانتقاء مرجعيات تتحكم فى بناء النص والموضوع وطبيعة المتفرج، إلى جانب تحول بعض جماليات التجريب إلى ما يشبه الموضة المسرحية. وتوقف عند إشكالات المسرح العربى منذ علاقته بالمسرح الحديث، مستعيدًا تجربة مارون النقاش وعرض «البخيل» عام 1848، وما رافق البدايات من حضور برجوازى ونخبوى قبل اتساع علاقة المسرح بالجمهور. 
وأشار إلى أن المسرح العربى منذ السبعينيات دخل فى منافسة مع السينما والتلفزيون والشاشات المتعددة والأجهزة اللوحية، بما خلق متاهة جمالية للمتفرج الباحث عن دلالة مستقرة، مقابل اتجاه يرى ضرورة أن يجد المسرح مكانه فى الصناعات الترفيهية عبر تقديم ما يطلبه الجمهور الشعبى. كما تناول رؤية محمد الكغاط للتجريب باعتباره مختبرًا يخلخل السائد ويفتح آفاقًا وأسئلة جديدة، رافضًا عزله عن القارئ والمتفرج. 
وتوقف أمفزع عند التحولات البراديغمية منذ السبعينيات وتكسير الحدود بين الفنون، وما صاحب ذلك أحيانًا من أزمة فى هوية المسرح، مشيرًا إلى استمرار تأثر المسرح العربى بالمسرح الغربى حتى منتصف التسعينيات. كما تناول نقد فكرى النقاش للتجريب بمعناه المعملى، وملاحظات حول الجسد المسرحى فى بعض العروض المصرية، مقابل اتجاه يرى مركزية الكلمة، إضافة إلى ما وصفه بحصر بعض مسارات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبى فى إعادة تدوير التراث والموروث، وإقحام التكنولوجيا، وإعادة تقديم النصوص الكلاسيكية بترجمات ضعيفة، والسقوط فى فخ الأيديولوجيا. 
وأكد أن نظرية المسرح ظلت مرتبطة بأزمات الواقع السياسى والتحولات الفكرية والتفاعل مع المتلقى، مستعيدًا مقولة أمبرتو إيكو عن النص بوصفه «آلة كسولة» تحتاج إلى تعاون القارئ، ومتسائلًا: «عن أى قارئ نتحدث؟». كما تناول رؤية محمد عزام لأزمة المسرح العربى فى القاعات المغلقة، وتجربة مهرجان أفيغنون وقراءة ريجيس دوبريه لتحولات جمهوره، مؤكدًا أن زيادة عدد المتفرجين لا تعنى بالضرورة اتساع التفاعل مع الخشبة أو تقبل التجارب التى تفتقر إلى الحكاية. 
وأكد أمفزع أن الجمهور لا يمكن فصله عن العمل الفنى، مستشهدًا بـ«غيرنيكا» لبيكاسو وتجارب مسرحية ارتبطت بواقع سياسى واجتماعى، لافتًا إلى بحث الجمهور عن مسرح يساعده على فهم حالة الشتات واللايقين. وطرح فى ختام مداخلته خيارين أمام المسرح العربى: متفرج شعبى عام مع احتمال التنازل عن جانب من جودة الفرجة، أو نموذج النخبوية الموجهة للجميع، مستشهدًا بما اختاره المسرح الفرنسى بعد الحرب العالمية الثانية مع أنطوان فيتيز: «مسرح نخبوى، لكن للجميع».

هشام زين الدين: التجريب لم يعد مجرد شكل أو لغة بل سؤال فى الخريطة نفسها
وعقب أ.د. هشام زين الدين، من لبنان، على المداخلات، مشيرًا إلى أن انتقال محمد الروبى من جغرافيا المكان إلى جغرافيا المتفرج يفتح سؤالًا أساسيًا: من هو هذا المتفرج؟ مؤكدًا ضرورة حضور هذا السؤال إلى جانب سؤال الجغرافيا. 
وفى تعليقه على مداخلة كمال خلادى، توقف عند تغيير الأمكنة وموقع المشاهد وتحولات المشاهدة، متسائلًا عما إذا كانت بعض التجارب تعيد إنتاج أشكال عرفها المسرح منذ قرون، كالمسرح المتحرك والدائرى فى القرون الوسطى. وحول مداخلة نورس عادل، رأى أن علاقة الجمهور بالتجريب والسلطة الفكرية كانت واضحة، بينما غابت صلة ذلك بالجغرافيا المكانية، رغم حضورها فى عنوان الندوة. كما رأى فى مداخلة يوسف أمفزع قراءة مهمة للتجريب العربى وسياقاته الاجتماعية والسياسية والثقافية، مع الحاجة إلى مزيد من معالجة علاقته بالإقليم العربى المتنوع والمتشظى. 
وأكد أن المداخلات اتفقت على أن الجمهور ليس كتلة واحدة، بل يتشكل وفق العرض والمكان والزمن. 
وفى تعقيبه المكتوب، رأى زين الدين أن «الجغرافيا المسرحية» تجعل المسرح إقليمًا له حدود وتضاريس وسياسات، بينما يمثل المتفرج أخطر نقاط هذا الإقليم. فالتجريب لم يعد مجرد شكل أو لغة، بل أصبح سؤالًا فى الخريطة نفسها: من يملكها؟ ومن يتحرك فيها؟ ومن يُستبعد منها؟ وقرأ المداخلات الأربع كطبقات لخريطة واحدة: الروبى قدم «البنية» وحدود الإقليم، وخلادى وصف «الحركة» داخلها، ونورس عادل كشف «القانون» الذى يحكم الدخول والخروج، بينما ربط أمفزع الجغرافيا بالطبقة والتعليم والثقافة، وطرح سؤال: لمن نرسم هذه الخرائط؟ وتساءل فى قراءة الروبى عن لغة المتفرج والسياسة الكامنة فى توزيع مواقع النظر وعلاقة القوة بالسلطة. وفى مداخلة خلادى، تساءل عن «وهم المتحرك»: هل كسر الكرسى تحرر حقيقى، أم أن حرية الحركة قد تكون داخل مسار رسمه المخرج مسبقًا؟ ورأى فى مداخلة نورس عادل انتقالًا من المكان إلى الجسد والسلطة، مع التحذير من اختزال كل فضاء تجريبى فى القراءة السياسية وحدها. 
واختتم بتساؤلات حول أسباب هروب المتفرج: هل يعود الأمر إلى تعقيد المسرح أم إلى تحول عالمى فى أنماط المتعة؟ وحول النخبوية: هل تعنى الإقصاء دائمًا، أم يمكن أن تكون مشروعًا جماليًا وأخلاقيًا ضمن مشروع ثقافى متكامل؟ وأكد أن المتفرج عنصر أساسى فى جغرافيا التجريب، لا مجرد وجود مادى فى الصالة، بل حاملًا للذاكرة والثقافة والهوية والتجربة، يشارك فى إعادة تشكيل معنى العرض وعلاقته بالمكان والزمان والجسد والسلطة.
 


رنا رأفت