العدد 989 صدر بتاريخ 10أغسطس2026
ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومى للمسرح المصرى، وبرئاسة الفنان محمد رياض، واصل المهرجان فعاليات «يوم الوفاء لرموز المسرح»، بندوة لتكريم المطرب والملحن المسرحى الراحل محمد عزت، أحد أبرز الأصوات التى ارتبطت بالغناء المسرحى والموسيقى ذات الجذور الشعبية. ويُعد محمد عزت من الفنانين الذين صاغوا تجربة خاصة فى المسرح الغنائى، حيث مزج بين البساطة والعمق، ونجح فى التعبير عن هموم الإنسان البسيط من خلال ألحانه وصوته القريب من الوجدان الشعبى.
أدار الندوة الفنان عزت زين، بمشاركة الفنان القدير يوسف إسماعيل، والكاتب شريف جاد، والشاعر زين العابدين فؤاد، والموسيقار الكبير منير الوسيمى، الذين استعادوا محطات من مسيرته الفنية والإنسانية، مؤكدين أن تجربته تجاوزت حدود التلحين والغناء إلى تأسيس مشروع فنى منحاز للهوية المصرية والإنسان البسيط.
عزت زين: صوت مختلف يحمل مشروعًا فنيًا لم يُنصفه التقدير
استهل الفنان عزت زين الندوة باستعادة ذكرياته الأولى مع محمد عزت، مشيرًا إلى أن لقاءه الأول به كان خلال مهرجان «100 ليلة» بمسرح السامر عام 1982، حيث اكتشف صوتًا مختلفًا يحمل مشروعًا فنيًا واضحًا، واستعاد الأغنيات التى كانت تبشر بالتغيير وتحمل هموم الناس، مؤكدًا أن مسيرة محمد عزت بعد ذلك شهدت حضورًا بارزًا على خشبات المسرح من خلال عروض عديدة، كما لفت إلى أن الراحل جمع بين التمثيل والتلحين، وعمل فى مختلف مسارح الدولة، لكنه لم ينل المكانة التى يستحقها رغم موهبته الكبيرة وإسهاماته الممتدة فى المسرح المصرى.
يوسف إسماعيل: عود واحد كان يصنع عالماً موسيقيًا كاملًا على خشبة المسرح
وأكد الفنان القدير يوسف إسماعيل أن علاقته بمحمد عزت امتدت لأكثر من أربعة عقود، منذ بداية الثمانينيات، حيث جمعتهما عشرات العروض المسرحية، موضحًا أن الفنان والإنسان كانا وجهين لشخصية واحدة لا يمكن الفصل بينهما، فقد عاش ببساطة انعكست بوضوح على ألحانه التى اقتربت من وجدان الجمهور بسهولة.
وأشار إلى أن محمد عزت قدم نغمة جديدة فى الغناء المسرحى، تختلف عن السائد فى ذلك الوقت، واعتمد على تيمات موسيقية شعبية بسيطة لكنها شديدة العمق، لافتًا إلى أنه كان يؤدى دور فرقة موسيقية كاملة بعوده فقط، فى وقت كانت فيه ميزانيات الإنتاج المسرحى محدودة، فكان يمثل حلًا فنيًا وإبداعيًا للمخرجين، دون أن يفقد العمل ثراءه الموسيقى أو قيمته الجمالية.
شريف جاد: الإخلاص للفن كفيل بأن ينصف صاحبه ولو بعد حين
وقال الكاتب شريف جاد إن الاحتفاء بمحمد عزت يمثل وفاءً لفنانين قدموا مشاريعهم بإخلاص رغم قلة الإمكانات، مشيرًا إلى أن المبدعين الحقيقيين كثيرًا ما يواجهون التجاهل فى حياتهم، لكن الزمن ينصفهم، مستشهدًا بتجربة المخرج الروسى أندريه تاركوفسكى، الذى تعرض للتهميش فى حياته قبل أن يصبح أحد أهم المخرجين فى تاريخ السينما.
وأضاف أن محمد عزت كان من هؤلاء الفنانين الذين ظلوا مخلصين لفنهم، وارتبطوا بقضايا الناس وبالتراث الشعبى، كما استعاد ذكرياته داخل بيت الراحل، مؤكدًا أنه كان بيتًا يعج بالفن والشعر والغناء، وأن والدته شكلت مصدرًا مهمًا لإلهامه، بعدما نقل صوتها وحضورها الشعبى إلى المسرح، فى تجربة كشفت اهتمامه الحقيقى بجمع التراث الشعبى وتقديمه بصورة فنية معاصرة.
زين العابدين فؤاد: الفن عنده يبدأ من الإنسان قبل أى أدوات أو تقنيات
واستعاد الشاعر زين العابدين فؤاد تجربته مع محمد عزت فى أوائل التسعينيات، خلال تقديم عرض مسرحى مع نساء حى الزبالين، مؤكدًا أن الراحل خاض تجربة إنسانية وفنية استثنائية حين وضع ألحان العرض لمجموعة من السيدات اللاتى لا يقرأن ولا يكتبن، معتمدًا على الغناء الجماعى دون استخدام أى آلة موسيقية.
وأوضح أن محمد عزت لم يكن يقدم الألحان دفعة واحدة، بل كان يحضر البروفات بشكل يومى، ويشارك فى تدريب المشاركات حتى يحفظن الأغنيات ويؤدينها بطبيعتهن، معتبرًا أن هذه التجربة تعكس فلسفته الفنية القائمة على الإيمان بالإنسان، وقدرة الفن على الوصول إلى الجميع دون تعقيد أو استعراض.
منير الوسيمى: بساطة نابعة من وعى عميق بالهوية الموسيقية المصرية
وأكد الموسيقار الكبير منير الوسيمى أن محمد عزت كان فنانًا متفردًا، جمع بين روح الهاوى واحتراف الفنان الحقيقى، ولم يكن ينظر إلى الفن باعتباره وسيلة للربح، وإنما رسالة وقيمة إنسانية، مشيرًا إلى أنه ارتبط بالشعراء الكبار، وفى مقدمتهم فؤاد حداد، وقدم أعمالًا ستظل حاضرة فى الذاكرة، خاصة فى المسرح.
وأضاف أن ما ميز تجربة محمد عزت هو استيعابه العميق للتراث الشعبى المصرى، وقدرته على إعادة صياغته فى جمل موسيقية تبدو وكأنها جزء أصيل من الوجدان الجمعى، مؤكدًا أن الوصول إلى هذه البساطة الصادقة ليس أمرًا سهلًا، وإنما يحتاج إلى فنان يمتلك وعيًا بالهوية المصرية وفلسفة الموسيقى الشعبية، وهو ما تحقق فى معظم أعماله.