ندوتا «دور النقد والإعلام فى صناعة الجمهور» و«طبيعة الجمهور والمسرح النوعى»..

ندوتا «دور النقد والإعلام فى صناعة الجمهور» و«طبيعة الجمهور والمسرح النوعى»..

العدد 988 صدر بتاريخ 3أغسطس2026

تظل العلاقة بين العرض المسرحى ومتلقيه إشكالية متجددة تعيد صياغة نفسها مع كل تحول ثقافى أو تكنولوجى. وفى إطار الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومى للمسرح، برئاسة الفنان محمد رياض، التقت القضايا النقدية والإعلامية الرؤى التطبيقية والفضاءات النوعية فى ندوتين مفصليتين تحت مظلة المحور الفكرى «المسرح والجمهور» بالمجلس الأعلى للثقافة.
استهدفت الندوة الأولى — التى أدارتها أ.د. مايسة زكى بعنوان «دور النقد والإعلام فى صناعة الجمهور» — 
فك التداخل بين الترويج الإعلامى والنقد الأكاديمى، وتتبع أثر الثورة الرقمية وتغير المؤسسات فى توجيه ذائقة المتلقى. وفى امتداد لهذه الرؤية، جاءت الندوة الثانية — التى أدارها د. عبدالكريم الحجراوى بعنوان: “طبيعة الجمهور والمسرح النوعى” لتسلط الضوء على آليات التفاعل المباشر، وخصوصية الجمهور النوعى من أطفال وجمهور مسرح الشارع والتجارب المستقلة، مؤكدةً فى مجملها أن استعادة الجمهور مرهونة بتطوير أدوات العرض وقراءة تحولات المتلقى دون المساس بأصالة اللعبة المسرحية.

فى ندوة دور النقد والإعلام فى صناعة الجمهور 
د. أمينة سالم
الناقد باسم صادق (رئيس قسم المسرح بجريدة الأهرام)
د. لمياء أنور
الناقد محسن ميرغنى

جذور أزمة النقد والقصور التعليمى:
، ندوة «دور النقد والإعلام فى صناعة الجمهور»، أدارتها الأستاذة الدكتورة مايسة زكى، بمشاركة كلٍّ من الكاتبة والفنانة الدكتورة أمينة سالم، والناقد باسم صادق، رئيس قسم المسرح بجريدة الإهرام، والناقدة الدكتورة لمياء أنور، والناقد محسن ميرغنى. 
استهلّت الدكتورة مايسة زكى الندوة بالترحيب بالحضور، معربةً عن شغفها بالمسرح، ومؤكدةً اعتزازها بموضوع الندوة ومشاركيها، لما يجمعهم من حبٍّ عميق للمسرح ودراسة جادة لمساراته النقدية، رغم تباين خلفياتهم الثقافية. وأشارت إلى أن الناقد باسم صادق، رئيس قسم المسرح بجريدة الأهرام، يجمع بين دراسة اللغة العربية والتخصص الأكاديمى فى «الدراما والنقد»، بما يمنح طرحه عمقًا معرفيًا. كما لفتت إلى اهتمام الناقد محسن ميرغنى بالنقد بوصفه «صناعة ثقيلة»، ونوّهت بتجربة الدكتورة أمينة سالم التى تجمع بين التمثيل والدراسة الأكاديمية والنقد، إلى جانب عضويتها بالمسرح القومى، مؤكدةً فى الوقت ذاته جدية الدكتورة لمياء أنور واجتهادها البحثى. 
وأوضحت أن هذه الندوات تسعى إلى مقاربة الجمهور المسرحى من زوايا متعددة، مشيرةً إلى أن العلاقة بين النقد والجمهور تظل إشكالية معقدة، ازدادت تشابكًا مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعى. 
واختُتمت المقدمة بالإشارة إلى ورقة الدكتورة أمينة سالم ذات الطابع التساؤلى، والتى اتسمت بالدقة الاصطلاحية والمنهج العلمى، وطرحت تساؤلًا حول مدى توافق الوظيفة الترويجية للصحافة والإعلام مع الوظيفة النقدية للعرض المسرحى                        
 استعرضت الكاتبة والفنانة الدكتورة أمينة سالم خلال بحثها مجموعة من النقاط المهمة، منها أنه لم يعد دور المسرح فى السياق الثقافى المعاصر منتجًا فنيًا يكتمل أثره بمجرد تقديم العرض، بل أصبح جزءًا من منظومة اتصالية وثقافية تتداخل فيها المؤسسات الإعلامية والخطابات الثقافية مع العملية الإبداعية، لتؤثر جميعها فى تشكيل الوعى الجمالى وصناعة الجمهور.
وأوضحت أن وظيفة النقد المسرحى لا تقتصر على تقويم العرض أو إصدار أحكام قيمية بشأنه، وإنما تمتد إلى بناء الوعى الجمالى لدى المتلقى، من خلال تقديم قراءة تفسيرية تكشف البنية الفكرية للنص والعرض، وتربط بين مكوناتهما الفنية وسياقاتهما الثقافية، ومن ثم يغدو الناقد وسيطًا معرفيًا بين العمل المسرحى والجمهور. 
كما أوضحت أن دور الإعلام التقليدى، ممثلًا فى الصحافة والإذاعة والتليفزيون، لا يقتصر على نقل النشاط المسرحى إلى الجمهور، بل يسهم فى إعادة تشكيل حضوره داخل المجال الثقافى بوصفه وسيطًا بين المؤسسة المسرحية والمتلقي؛ فالإعلام لا يكتفى بالإخبار عن العرض، وإنما يصوغ صورته الذهنية، ويؤثر فى حجم انتشاره، ويحدد—بدرجات متفاوتة—مستوى الاهتمام الجماهيرى به. 
وأشارت إلى أن التغطية الصحفية تُعد إحدى أهم حلقات الاتصال بين العرض المسرحى والجمهور، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل الخبر أو الإعلان عن العروض، بل تمتد لتكوين صورة ذهنية عن العمل المسرحى، وتوجيه المتلقى نحو آليات محددة للفهم والتلقى. 
كما أكدت أن البنية الرقمية أحدثت تحولًا جوهريًا فى آليات تداول الخطاب المسرحى، فلم يعد المتلقى يعتمد على الصحف التقليدية بوصفها مصدرًا للمعلومات، بل أصبح شريكًا فى إنتاج المحتوى عبر المنصات الرقمية. 
وأشارت فى ختام بحثها إلى أهمية التكامل بين المؤسسات المسرحية والإعلامية والأكاديمية لإعداد نقاد يمتلكون أدوات التحليل العلمى.
وعقّبت د. مايسة زكى على دراسة د. أمينة سالم مؤكدةً أنها تطرح رؤيةً بينيةً تجمع بين الإعلام والنقد، مشيرةً إلى أن الخطر الأكبر يتمثل فى تأثير مواقع التواصل الاجتماعى، حيث تنفلت المعايير، رغم إمكانية تكامل العلاقة بين الجانبين فى غير ذلك. عقّبت د. مايسة زكى على ورقة الناقد باسم صادق، مشيرةً إلى ما تحمله من نزعة حنين، ومحيّيةً الكاتبة آمال بكير، ومستحضرةً دور صفحتها فى «الأهرام» كنافذة لمتابعة المسرح، مؤكدةً أن الورقة عزّزت من قيمة الصورة بوصفها وسيطًا نقديًا مؤثرًا.
?قال الناقد باسم صادق، رئيس قسم المسرح بجريدة الأهرام، إن جريدة «الأهرام» لعبت دورًا تاريخيًا فى تشكيل الوعى المسرحى العربى منذ تأسيسها، عبر ثلاثة محاور: التوثيق، والتنوير، وصناعة الجسر بين الفنان والجمهور. ?
وأوضح أن الجريدة شهدت تحولًا مفصليًا عام 1957 بجهود محمد حسنين هيكل لتتحول إلى صانعة للحدث الثقافى، مستشهدًا بتغطية زيارة جان بول سارتر وسيمون دى بوفوار للقاهرة عام 1967 لمشاهدة عرض «الذباب»، مما حوّل المسرح من مجرد ترفيه إلى فضاء فكرى منافس عالميًا. ?
وأشار إلى احتضان «الأهرام» لكبار المفكرين والنقاد مثل توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ولويس عوض، وعلى الراعى، مشيدًا بدور الحكيم فى عقلنة المسرح عبر نقله من التسلية إلى القضايا الفلسفية وابتكار لغة مسرحية وسطى. ?
وأضاف أن الاهتمام الصحفى المنتظم بدأ بصفحة «فنون» للكاتبة آمال بكير والصور الجذابة للمصور أنطون ألبير، مؤكدًا أن بكير كانت شاهدة على تاريخ المسرح وموثقة له عبر سلسلة «شاهدت لك»، وحظيت بثقة المسرحيين؛ إذ عدّ المخرج عصام السيد مقالاتها شهادة اعتماد للعروض، ووصفها المخرج خالد جلال بـ«الملاك الحارس» للشباب. ?
وأوضح أن التغطية المسرحية شهدت مرحلة مؤسسية جديدة مع تولّى محمد بهجت مسئولية الصفحة عام 2012، وصولًا إلى تأسيس قسم متخصص للمسرح منح المادة استقلالية واستقرارًا أكبر. ?
وأشار إلى أن القسم طور أدواته لمواكبة العصر الرقمى وسوشيال ميديا عبر التركيز على الصور عالية الجودة، وتكثيف النصوص وتقديمها بوضوح، مع استغلال صفحات أخرى بالجريدة مثل «حديث الصور» والصفحة الأخيرة. ?
واختتم مداخلته بالحديث عن المرحلة التى تولى فيها رئاسة قسم المسرح فى الأهرام 2023 موضحاً انه سعى لإستكمال النهج الذى تأسس عبر عقود مع تطوير أدوات التواصل مع الجمهور والمسرحيين وشملت هذه الجهورد اسضافة رؤساء المهرجانات فى حوارات مفتوحة واسضافة الفرق الفائزة بجوائز داخل مؤسسة الأهرام كما ركز القسم على الإنفتاح على التجارب العربية والعالمية من خلال اسضافة رؤساء المهرجانات العربية ومسئولى الهيئة العربية للمسرح والمكرمين العرب والأجانب فى مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى.
استعرضت الناقدة دكتورة لمياء أنور الدراسة التى تستعرض عبر مقاربة ميتا نقدية، والنقد الثقافى مجموعة من الكتابات التى تناولت «الجمهور» من زوايا متباينة، حيث يسعى هذا التحليل إلى استقراء التعريفات التى قدمها النقاد للجمهور، وتفكيك الإشكاليات التى طرحوها حول طبيعة التفاعل المسرحى، دون إغفال التفاعل بين هذه المقالات والسياق الاجتماعى والثقافى الذى كتبت فيه ومن أمثال هؤلاء النقاد نجد محمد القصاص، راجى عنايت، نجيب سرور، سعد أردش، فاروق عبدالقادر،عبدالقادر القط، مهدى الحسينى، جلال الشرقاوى وقد تم تقسيم الدراسة إلى ثلاثة مباحث رئيسية، فى الفترة من العشرينيات حتى الآن، وقد توصلت الدراسة لمجموعة من النتائج أهمها شهد مفهوم الجمهور تحولًا نوعيًا فى الخطاب النقدى ليخرج من حيز التلقى السلبى ويعرف بوصفه شريكًا ومواطنًا ضمن إطار المسؤولية المؤسسية والوطنية، حيث تعامل النقاد معه باعتباره أداة إصلاح يتوجب توجيهها وتربيته، اعتبار الجمهور طرفاً يمتلك حقوقاً معرفية يجب حمايتها برفض التسطيح والتهريج، والتأكيد على أن «الإيهام» يمثل فضاءً للحماية الذهنية والتأمل النقدى، الارتقاء بمكانة الجمهور ليكون «العنصر الجوهري» الذى يمنح المؤسسة المسرحية مشروعيتها الوجودية ويحول المشاهد إلى صدى خلاق، النظر إلى توقعات الجمهور كـ «بنية متغيرة» تتأثر بالواقع السياسى والاجتماعى، حيث يستخدم المسرح كمرآة لهويته ويرفض العروض المنفصلة عن أزماته الوجودية، عزوف الجمهور عن المسرح لا يعود لقصور فى ذائقته، بل بسبب عدم مواكبة المسرح والمؤسسات الثقافية لقضاياه الحقيقية وانفصالها عن نبض الشارع.                                                       
واستعرض الناقد محسن ميرغنى خلال ورقته البحثية عدة محاور مهمة منها النقد المسرحى يعانى أزمة تمتد جذورها لمراحل نشأته وتأسيسه فى المجال العام.. ومظاهر هذه الأزمة الآن أصبحت واضحة فى قصور نظام التعليم عن تقديم متعلم ذو ذائقة جمالية ورؤية نقدية يمكن استثمارها فى بناء ناقد مسرحى واع ونقد مسرحى مرتبط بقضايا الناس والمسرح.. لا بد من معرفة دور النقد ومهمة الناقد المسرحى فى الوقت الراهن وتحديد أهداف لعمله وما يتفق مع مطالب المستقبل وتطلعات المسرح التى تتطور بوتيرة متسارعة جدا لدى الجمهور قبل النقاد.               
وأوضح أن أبرز ملامح أزمة النقد المسرحى غياب دور الناقد العام الذى يملك القدرة على تشكيل الذائقة الفنية والجمالية بلفت الأنظار للفن الجيد والجميل وتنبيه الفنانين والجمهور للعيوب والنقائص وكذلك لكل ماهو جديد فى الفن واتجاهاته ونظرياته. نتيجة لإشاعة روح الديمقراطية التى تسببت فيها وسائل التواصل الاجتماعى وما نتج عنها من تفتت لقدرة النقد والناقد ربما منذ إعلان موت المؤلف الذى صاغه بارت.
وأضاف: “إن القراءة عملية ذات طابع فردى لا تحتاج لمعرفة وفهم قصد المؤلف لتكتسب مشروعيتها، إن غرض تحرير القاريء ومنحه الحق فى القدرة على التأويل والتفسير والحكم النقدى ساهمت بشكل كبير فى تقليص دور الناقد.                 
وساعدت على التقليل من قدرته كمثقف عام يحدد معايير جودة العمل ويقود الجمهور للمعنى مع تراجع الصحافة الورقية وحركة نشر الكتب المتخصصة. 
وعقبت دكتورة مايسة زكى على الجلسة موضحة أنها جلسة ثرية وبها العديد من المحاور المهمة.  
واختتمت الجلسة بمجموعة من المداخلات ومنها أكد د. محمد سمير الخطيب أن الناقد يعيش حالة دائمة من مراجعة الذات، ويعمل داخل شبكة معقدة بوصفه وسيطًا بين المبدع والمتلقى، مشيرًا إلى أن فاعلية النقد ترتبط بقوة الإنتاج المسرحى من جهة، وبقوة أدوات الناقد—وفى مقدمتها الكتابة—ومستوى الوعى القرائى فى المجتمع من جهة 
أخرى. وفى مداخلتها، استعرضت المخرجة والكاتبة د. داليا بسيونى نموذج «نيويورك تايمز»، موضحةً أن نقادها لا يُسمح لهم بالحصول على دعوات مجانية، بل يلتزمون بشراء تذاكر العروض، بما يرسّخ منذ البداية علاقة مهنية قائمة على الاستقلالية والحياد. وأشارت إلى أن صُنّاع العروض يترقبون آراء النقاد بقلق، نظرًا لدورها فى تحديد مصير العرض واستمراره. 
وأضافت أنها، عودتها لمصر، كتبت ما يقرب من مئة مقال نقدى باللغة الإنجليزية، مؤكدةً أن النقد كان بمثابة «عينها» التى تتعرّف من خلالها على خريطة الموسم المسرحى وتفاصيله. وعند عودتها، لاحظت أن بعض الكتابات النقدية باتت تميل إلى تلميع العروض، فتتحول من نقد حقيقى إلى دعاية مباشرة، وهو ما يُفقدها دورها التقييمى والتنويرى. أوضحت الناقدة منار خالد أن الناقد حين يكون له تأثير حقيقى ودور فعّال داخل المجتمع قد يتعرض أحيانًا للإقصاء من المشهد النقدى. كما أشارت إلى معاناة المجال من قلة دوريات النشر المتخصصة، إلى جانب ضعف الأجور، وهو ما يؤثر سلبًا على استمرارية وتطور الحركة النقدية 
واختتمت الندوة الكاتبة رشا عبدالمنعم بتوجيه الشكر للدكتورة مايسة زكى على إدراتها للندوة للمتحدثين على المنصة وكل الشكر للناقد باسم صادق لحضوره رغم الظرف الصحى، موضحا أن هناك جيلا مهما نتاج متغير المهرجان التجريبى وهو ما تسبب فى طفرة وتحول ظهر فى كتابات كل من الناقد عز الدين بدوى، الناقد هشام إبراهيم، د.مايسة ذكى، دكتورة سامية حبيب موضحه فكرة افتقادنا لفكرة وجود الناقد مع المبدع قبل العرض المسرحى.

ندوة طبيعة الجمهور والمسارح النوعية 
د. رضا حسنين
د. فيفى أحمد
الباحثة سمية أحمد
المخرج والكاتب ناصر العزبى

أما ندوة طبيعة الجمهور والمسارح النوعية أدارها الناقد الدكتور عبدالكريم الحجراوى وبمشاركة نخبة من المسرحيين والمتخصصين، وهم المخرج دكتور رضا حسنين، والكاتب والناقد والمخرج المسرحى ناصر العزبى، والأستاذ غير المتفرغ بالمعهد العالى لفنون الطفل الدكتورة فيفى أحمد والكاتبة والباحثة سمية أحمد وبدأت الندوة بترحيب الدكتور عبد الكريم الحجراوى بالحضور مشيداً بثراء الندوات ومناقشتها لموضوع فى غاية الأهمية وقام بتقديم المتحدثين ووجه الشكر لفريق عمل لجنة الندوات لدورهم البارز.
وفى البداية قدم المخرج المسرحى دكتور رضا حسنين ورقة بحثية بعنوان «آليات التلقى للجمهور بين التحولات الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية.. أهمية دراسة مشكلات الجمهور مع المسرح»، تناول خلالها أبرز العوامل المؤثرة فى علاقة الجمهور بالمسرح، وسبل استعادة المتلقى فى ظل المتغيرات الراهنة.
وقال حسنين إن نجاح العرض المسرحى لم يعد مرتبطًا بجودته الفنية فقط، وإنما أصبح يعتمد أيضًا على فهم طبيعة الجمهور واحتياجاته، مشيرًا إلى أن عزوف بعض المتلقين عن المسرح يعود إلى مجموعة من الأسباب، اجتماعيه تكنولوجيه وغيرها من المتغيرات منها صعوبه الوصول إلى المسارح، والازدحام المرورى، وارتفاع التكلفة الإجمالية لحضور العرض، وليس سعر التذكرة وحده.
أدى ذلك لعزوف الجمهور عن الذهاب للمسرح بالاضافه لقله ثقته فى بعض العروض وأضاف أن تركز المسارح فى مناطق محددة، خاصة وسط القاهرة، يمثل أحد التحديات التى تحد من اتساع القاعدة الجماهيرية، مؤكدًا أهمية نقل العروض إلى المحافظات، ودعم مبادرات العدالة الثقافية، بما يسهم فى وصول المسرح إلى شرائح جديدة من الجمهور.
وأوضح أن الجمهور ليس كتلة واحدة، بل يضم أنماطًا متعددة تختلف دوافعها بين الترفيه، والإعجاب بفنان أو مخرج، أو اعتبار المسرح ضرورة ثقافية واجتماعية، وهو ما يفرض على المؤسسات المسرحية دراسة خصائص كل فئة وتطوير استراتيجيات مناسبة للتواصل معها.
وأشار حسنين إلى أن التحولات الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية أعادت تشكيل جمهور المسرح، خاصة جمهور مسرح العرائس، حيث أصبح المتلقى أكثر وعيًا، وارتفعت توقعاته تجاه جودة الإنتاج، كما فرضت المنصات الرقمية والألعاب الإلكترونية تحديات جديدة أمام المسرح، تستوجب تطوير أدوات العرض دون التفريط فى الهوية الفنية والثقافية.
وأكد أن التكنولوجيا لم تؤد إلى تراجع جمهور المسرح بقدر ما أعادت تشكيله، لافتًا إلى ضرورة توظيف التقنيات الحديثة لخدمة الدراما، وتحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، بما يحافظ على خصوصية المسرح ويعزز قدرته على المنافسة وجذب المتلقى. 
واختتم الباحث ورقته بعدد من التوصيات، من بينها نشر الثقافة المسرحية داخل المجتمع، وتعزيز المسرح المدرسى والجامعى، وإعادة تفعيل الزيارات المدرسية للمسارح، وتطوير الدعاية الإعلامية، 
كما قدمت الدكتورة فيفى أحمد عبد المجيد، الأستاذ غير المتفرغ بالمعهد العالى لفنون الطفل بأكاديمية الفنون، ورقة بحثية بعنوان «خصوصية التلقى لدى جمهور المسرح المدرسي»،، تناولت خلالها طبيعة تلقى الأطفال للعروض المسرحية، والعوامل التى تؤثر فى استجابتهم الجمالية والمعرفية، مؤكدة أن جمهور المسرح المدرسى يمتلك خصوصية تختلف عن جمهور المسرح الموجه للكبار، وهو ما يتطلب مراعاة خصائصه العمرية والنفسية والإدراكية عند إعداد العروض المسرحية.
وقالت إن المسرح المدرسى يمثل وسيطًا تربويًا وفنيًا فى آن واحد، إذ يسهم فى تنمية شخصية التلميذ، وتعزيز قدرته على التفاعل مع القيم الإنسانية والاجتماعية من خلال تجربة جمالية تجمع بين المتعة والتعليم، مشيرة إلى أن التلقى لا يقتصر على المشاهدة، وإنما يقوم على مشاركة الطفل فى إنتاج المعنى وفهم الرسائل التى يحملها العرض المسرحى. 
وأضافت أن نجاح المسرح المدرسى يرتبط بفهم طبيعة جمهوره، من خلال اختيار موضوعات ولغة وأساليب إخراج تتناسب مع المراحل العمرية المختلفة، إلى جانب توظيف عناصر العرض من تمثيل وسينوغرافيا وموسيقى بما يحفز خيال الطفل ويعزز تفاعله، مؤكدة أن دور المعلم يظل أساسيًا فى تهيئة الطلاب قبل العرض وإدارة النقاش بعده لتعميق الفهم وترسيخ القيم المستفادة.
وأوضحت أن الدراسة خلصت إلى أن فهم خصوصية التلقى يعد مفتاحًا لتعظيم الأثر التربوى والفنى للمسرح المدرسى، داعية إلى تصميم عروض تراعى الخلفيات الثقافية والقدرات الإدراكية للطلاب.
وفى سياق متصل أكدت الباحثة سمية أحمد أن المسرح العربى والمصرى يعانى من أزمة حقيقية فى توثيق التجارب المسرحية المستقلة، إلى جانب نقص حاد فى الدراسات المتخصصة فى طبيعة الجمهور والتلقى. 
وأشارت «أحمد» إلى أن ورقتها البحثية التى تحمل عنوان «الجمهور كجزء من الحالة التفاعلية فى عروض الفرجة الشعبية: تجربة عبير على حزين مصنع الدراماتورج - عرض أولاد البطة السودا نموذجاً» وتأتى لمحاولة سد هذه الفجوة التوثيقية والبحثية.
وأوضحت الباحثة فى استعراضها للورقة قائلة: «إننا أمام تجربة استثنائية للمخرجة عبير على حزين وفرقتها «المسحراتى» حيث تعتمد المخرجة على معايير صارمة فى اختيار ممثليها تقوم على إجادة تقنيات الأداء من ارتجال ورقص وغناء، وتحريك عرائس ليتشكل النص داخل «مختبر المسحراتى» عبر العمل الجماعى واستدعاء التراث والموتيفات والحكايات الشعبية.
و أضافت الباحثة: «بينما اعتاد الجمهور فى أشكال المسرح التفاعلى — مثل تجربة أوجستو بوال — أن يُطلب منه التدخل لتغيير «نهاية» العرض فقط، تأتى تجربة «ولاد البطة السودا» لتكسر القاعدة مبكراً؛ ففى الدقيقة العشرين من بداية العرض، يُفتح باب المداخلات والتعليقات المباشرة للجمهور، والتى قد تعيد تشكيل مسار الأحداث وتوجيه حركة الممثلين الارتجالية بالكامل. 
هذا التكتيك هو ما يحول الجمهور من مجرد تجمع لغرباء التقوا بالصدفة لمشاهدة عرض مسرحى، إلى مجتمع مؤقت يمتلك شجاعة المشاركة وإعادة صياغة العرض.
واستطردت فى معرض حديثها عن فلسفة التفاعل والجمهور: «المسرح هو فن الحياة، والجمهور هو الناقد الحقيقى، بل إن وجوده هو الشرط الأساسى لاستكمال العرض المسرحى، ومن هذا المنطلق، تطرح دراستى أسئلة جوهرية حول: كيف يتحول الناس من أفراد عاديين إلى جمهور فاعل وشريك فى اللعبة المسرحية؟، وما الآليات التى تستعد بها الصالة وتتهيأ لهذا التحول الدرامى؟. وحول «أزمة التوثيق وكيفية تسجيل مسرح يتغير فى كل ليلة مسرحية» اختتمت الباحثة بطرح تساؤلات فلسفية تضع النقد المسرحى أمام تحدٍ كبير: كيف يمكن توثيق عرض مسرحى لا يتكرر بنفس الشكل فى فى كل ليلة؟ وأن توثيق هذه التجارب يتطلب أدوات بحثية جديدة تتجاوز تسجيل النص والسطور المكتوبة، لتشمل التوثيق المرئى للجمهور، لحفظ هذه التجارب الشعبية من الاندثار.    
قدّم الكاتب والناقد والمخرج المسرحى ناصر العزبى ورقة بعنوان «الفضاءات البديلة أم عودة إلى أصل اللعبة المسرحية؟»، تناول فيها مفهوم الفضاءات البديلة داعيًا إلى إعادة النظر فى المصطلح، لأنه يحمل تصورًا تاريخيًا يجعل مسرح العلبة الإيطالية هو الأصل، بينما يرى أن الفضاءات المفتوحة هى الامتداد الطبيعى الأول للممارسة المسرحية، إذ إن العروض نشأت فى الساحات والمعابد والميادين قبل ظهور المسارح المغلقة، معتبرًا ما يُسمى «فضاءات بديلة» عودة إلى الأصل. 
وأكد أن التسمية ليست محايدة، بل تفترض أن المسرح التقليدى هو النموذج المرجعى، كما شدد على ضرورة التمييز بينها وبين «التجارب النوعية» التى تصف طبيعة التجربة من حيث الموضوع أو المكان أو الممارسين، بينما يحمل «البديل» حكمًا ضمنيًا بوجود نموذج أصلى تُقاس عليه التجارب. وأشار إلى أن الفضاءات المفتوحة خيار فنى مهم لتوسيع الجمهور واستعادة العلاقة المباشرة بين العرض والمتلقى، لكنها لا يجب أن تبرر التخلى عن إنشاء المسارح أو تطوير البنية التحتية، بل تظل إضافة واعية لا بديلًا عن حق المجتمع فى امتلاك مسارحه.
وأوضح أن المسرح المصرى عرف هذا التوجه منذ عقود عبر عروض فى الشوارع والساحات والقرى والأماكن الأثرية قبل شيوع المصطلح، مع دور مهم للهيئة العامة لقصور الثقافة من خلال مشروعات مثل «تجارب الأماكن المفتوحة والأماكن الخاصة» و«نوادى المسرح» و«التجارب النوعية» فى توسيع الجمهور وتشجيع التجريب.
واختتم ورقته بالتأكيد على أن نجاح التجارب المسرحية لا يرتبط بوجود خشبة تقليدية أو مسرح مجهز، وإنما بقدرة العرض على الوصول إلى الجمهور وتقديم تجربة فنية حقيقية. 
 


رنا رأفت