الكوميديا وبناء الوعى الجمعى.. قراءة فى مسرح بديع خيرى

الكوميديا وبناء الوعى الجمعى..   قراءة فى مسرح بديع خيرى

العدد 986 صدر بتاريخ 20يوليو2026

شكلت الكوميديا فى المسرح المصرى خلال النصف الأول من القرن العشرين عنصرًا فاعلًا فى التأثير السياسى والاجتماعى، إذ لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالتحولات الكبرى التى شهدها المجتمع، من الاحتلال إلى تصاعد الحركة الوطنية، ومن الأزمات الاقتصادية إلى التغيرات الطبقية والثقافية. وفى هذا السياق، استطاعت الكوميديا أن تعبر عن نبض الشارع، وأن توظف الضحك كأداة نقدية تكشف التناقضات الاجتماعية، وتعيد طرح القضايا العامة بلغة قريبة من الجمهور، مستفيدة من التراث الشعبى ومن أشكال الأداء المرتجلة التى كانت حاضرة فى الوجدان الجمعى.
ومن بين أبرز التجارب التى أسهمت فى ترسيخ هذا الدور، تبرز تجربة بديع خيرى التى مثلت نقطة تحول فى مسار المسرح الكوميدى، حيث انتقل من تقليد الأشكال الوافدة إلى بناء نموذج مصرى يجمع بين البعد الشعبى والوعى النقدى، ويواكب التحولات السياسية والاجتماعية فى تلك الفترة. فقد جاءت أعماله انعكاسا مباشرا للواقع، ومجالا للتفاعل مع قضاياه، سواء من خلال اللغة أو الشخصيات أو البناء الدرامى.
ومن هذا المنطلق، يأتى كتاب «المسرح الكوميدى فى مصر من 1918 إلى 1967 (مسرح بديع خيري)» للباحث والكاتب والمخرج المسرحى الدكتور نبيل بهجت، ليقدم قراءة تحليلية لتطور هذا النوع المسرحى عبر دراسة تجربة بديع خيرى، بوصفها مدخلًا لفهم بنية الكوميديا المصرية وتحولاتها. ويسعى الكتاب إلى تتبع جذور هذا المسرح، والكشف عن روافده الشعبية، وتحليل بنيته الدرامية، فى محاولة لتقديم رؤية شاملة لمسار الكوميديا المسرحية فى مصر خلال تلك المرحلة.
وقد صدر الكتاب عن الهيئة العربية للمسرح فى إمارة الشارقة، وذلك فى طبعة خاصة بمناسبة مهرجان المسرح العربى، الدورة الـ16 التى استضافتها مصر عام 2026، فى إطار الاهتمام بإعادة نشر الدراسات المرجعية المرتبطة بتاريخ المسرح العربى.
يقع الكتاب فى نحو 396 صفحة من القطع المتوسط وتعد هذه الطبعة نسخة منقحة ومزيدة لعمل سبق نشره تحت عنوان «مسرح بديع خيرى»، حيث أعاد المؤلف تقديمه فى سياق أشمل يربط بين التحولات الفنية والاجتماعية للمسرح الكوميدى المصرى خلال نصف قرن.
ويضم الكتاب مقدمة وثلاثة فصول رئيسية، تتناول على التوالى: البعد التاريخى لتجربة بديع خيرى، والروافد الشعبية التى شكّلت عالمه المسرحى، ثم البناء الدرامى لأعماله. وبذلك يجمع بين التوثيق والتحليل، فى محاولة لتقديم رؤية متكاملة لتطور الكوميديا المسرحية فى مصر، ضمن سياقها الثقافى والاجتماعى.

تاريخ مسرح بديع خيري
يتناول الفصل الأول المسار التاريخى لتكوين تجربة بديع خيرى، منذ نشأته فى بيئة شعبية بالقاهرة كان لها أثر بالغ فى تشكيل حسه الفنى، حيث احتك مبكرا بعوالم المقاهى والحكايات الشعبية. وقد ظهرت موهبته فى الكتابة والزجل منذ الصغر، متأثرا بالحركة الوطنية والصحافة، قبل أن يعمل بالتدريس ثم يتجه إلى تجديد فن الزجل، وهو ما أثار جدلا مع معاصريه. شكل دخوله إلى المسرح عبر المنولوجات نقطة تحول حاسمة، أعقبها لقاؤه بنجيب الريحانى، الذى كوّن معه ثنائيا أسهم فى تأسيس ملامح المسرح الكوميدى المصرى الحديث. وقد ارتبطت أعماله بالظروف السياسية والاجتماعية، خاصة خلال الحرب العالمية الأولى وثورة 1919، حيث تحول المسرح لديه إلى أداة للتعبير الوطنى. كما ساهم فى ترسيخ استخدام العامية المصرية على خشبة المسرح، مما جعله أكثر قربا من الجمهور، فى ظل منافسة مسرحية نشطة بين الفرق المختلفة، كان بديع خيرى فى قلبها.

الروافد الشعبية فى مسرح بديع خيرى
يركز الفصل الثانى على المصادر الشعبية التى استمد منها بديع خيرى عناصره الإبداعية، حيث اعتمد على التراث الشعبى بوصفه منبعًا أساسيًا لبناء عالمه المسرحى. فقد استلهم من السير الشعبية، وحكايات ألف ليلة وليلة، وخيال الظل، والأراجوز، إلى جانب تقاليد الارتجال، عناصر شكلت نسيج أعماله. ولم يكتفِ بنقل هذه العناصر، بل أعاد توظيفها داخل بنية درامية حديثة، فانعكس ذلك على طبيعة الشخصيات التى اتسمت بالطابع الكاريكاتيرى، وعلى اللغة التى جاءت عامية ساخرة قريبة من الجمهور. وأسهم هذا المزج بين التراث والبناء الحديث فى خلق مسرح نابض بالحياة، يعبر عن وجدان المتلقى، ويجعل من الكوميديا وسيلة فاعلة لنقد الواقع الاجتماعى، بدلا من الاقتصار على الترفيه.

البناء الدرامى عند بديع خيرى
يتناول المؤلف فى الفصل الثالث السمات الفنية للبناء الدرامى فى مسرح بديع خيرى، من خلال تحليل الأشكال المسرحية التى كتبها، مثل الفودفيل، والكوميديا الاجتماعية، والميلودراما، والأوبريت، والاستعراضات. وقد تميزت أعماله ببناء بسيط سريع الإيقاع، يعتمد على الموقف الكوميدى أكثر من تعقيد الحبكة، مع حضور واضح للأغانى والاستعراضات كجزء من النسيج الدرامى. كما جاءت الشخصيات فى الغالب نمطية، لكنها معبرة عن الواقع الاجتماعى، وهو ما أتاح له توظيف الكوميديا فى النقد السياسى والاجتماعى. ويكشف هذا الفصل عن قدرة بديع خيرى على الدمج بين عناصر متعددة، مستفيدًا من التراث الشعبى، ليصوغ شكلًا مسرحيًا متكاملًا يجمع بين الإمتاع والوعى، ويؤسس لبنية درامية مصرية مميزة.

قراءة نقدية تحليلية 
ينطلق الكتاب من فرضية أساسية ترى أن الكوميديا المسرحية ليست مجرد شكل ترفيهى، بل أداة فاعلة فى تشكيل الوعى الجمعى وكشف البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع. ومن هذا المنطلق، ينجح المؤلف د. نبيل بهجت فى إعادة الاعتبار لمسرح بديع خيرى بوصفه لحظة تأسيسية فى تاريخ المسرح الكوميدى المصرى، باعتباره كاتبا شعبيا، واعتباره أيضا كفاعل ثقافى أسهم فى صياغة خطاب نقدى موجه إلى الجمهور.
أول ما يلفت النظر فى الكتاب هو اعتماده الواضح على المنهج التاريخى بوصفه مدخلا رئيسا للفهم، حيث يربط المؤلف بين نشأة مسرح بديع خيرى والتحولات السياسية الكبرى، مثل الحرب العالمية الأولى وثورة 1919. هذا الربط يمنح الدراسة عمقا محوريًا مهمًا، إذ لا تتم قراءة النصوص المسرحية بوصفها منتجات جمالية معزولة، بل بوصفها استجابة لواقع اجتماعى مضطرب. غير أن هذا المنحى، على أهميته، يميل أحيانًا إلى تغليب التفسير السياقى على التحليل الجمالى الدقيق، بحيث تبدو بعض الأعمال وكأنها شواهد تاريخية أكثر منها نصوصًا فنية تحتاج إلى تفكيك بنيوى أعمق.
فى المقابل، يحقق الكتاب إضافة نوعية فى تحليله للروافد الشعبية التى تغذى مسرح بديع خيرى، حيث يكشف بوضوح كيف تحوّلت عناصر، مثل خيال الظل، والأراجوز، والسير الشعبية، من مجرد تراث شفهى إلى مكونات حية داخل البناء المسرحى. وتكمن أهمية هذا الطرح فى تجاوزه لفكرة الاقتباس السطحى، ليؤكد أن بديع خيرى أعاد إنتاج هذه العناصر داخل سياق حديث، ما أسهم فى خلق هوية مسرحية مصرية مميزة. ومع ذلك، كان يمكن تعميق هذا المحور عبر مقارنات أكثر اتساعا مع تجارب مسرحية عالمية وظّفت التراث الشعبى، بما يسمح بوضع التجربة المصرية فى إطار مقارن أوسع، باعتبار أن التجربة المصرية كانت لا تزال فى البدايات. 
أما على مستوى التحليل الدرامى، فيقدم الكتاب قراءة واضحة لبنية المسرح عند بديع خيرى، مبرزًا اعتماده على الإيقاع السريع، والموقف الكوميدى، والتداخل بين الحوار والغناء والاستعراض. ويحسب للمؤلف أنه لا يتعامل مع هذه السمات بوصفها نقاط ضعف، كما فعل بعض النقاد التقليديين، بل يراها جزءًا من طبيعة هذا المسرح ووظيفته الجماهيرية. إلا أن التحليل كان بحاجة إلى التعمق فى دراسة آليات إنتاج الكوميديا ذاتها، مثل تقنيات المفارقة أو بناء الشخصية الكاريكاتيرية.
من ناحية أخرى، ينجح الكتاب فى إبراز العلاقة الجدلية بين الكوميديا والنقد الاجتماعى، حيث يوضح كيف تحوّل الضحك إلى وسيلة لتعرية الواقع، لا للهروب منه. وهذا الطرح يثير سؤالًا نقديًا مهمًا (يفتح المجال للباحثين لاحقا): إلى أى مدى استطاعت هذه الكوميديا أن تتجاوز حدود التسلية بالفعل، وأن تُحدث أثرا حقيقيا فى وعى الجمهور، خاصة فى ظل ما أشار إليه بعض معاصرى تلك الفترة من انزلاق المسرح الهزلى نحو الابتذال؟
على مستوى البناء العام، يتميز الكتاب بوضوح تقسيمه وتماسك فصوله، حيث تتكامل المحاور الثلاثة (التاريخى، الشعبى، الدرامى) لتشكل رؤية شبه شاملة لتجربة بديع خيرى.
فى المحصلة، يقدم الكتاب إسهامًا مهمًا فى دراسة المسرح الكوميدى المصرى، خاصة من حيث توثيق تجربة بديع خيرى وإعادة قراءتها فى ضوء سياقها الاجتماعى والثقافى. ومع مقترحات التطوير المتعلقة بعمق التحليل الجمالى واتساع الأفق المقارن، يبرز الكتاب كعمل تأسيسى يفتح الباب أمام دراسات لاحقة يمكن أن تبنى عليه، خصوصًا فى ما يتعلق بتحليل الكوميديا بوصفها خطابًا ثقافيًا معقدًا، يرتبط تأثيرًا وتأثرًا مع المتلقى بالمحيط السياسى والاجتماعى والعمق التراثى، وليس مجرد فن للضحك.


أحمد محمد الشريف

ahmadalsharif40@gmail.com‏