«متولى وشفيقة».. ما لم تروه المواويل حين يجرؤ المسرح على مساءلة الموروث 

«متولى وشفيقة»..  ما لم تروه المواويل حين يجرؤ المسرح على مساءلة الموروث 

العدد 984 صدر بتاريخ 6يوليو2026

أخطر ما يفعله الفن أن ينتزع الحكاية من سكونها المطمئن، ويضعها تحت ضوء المساءلة حيث تتهاوى المسلمات القديمة وتبرز الأصوات التى أُقصيت من متنها؛ فيتحول التراث إلى مادة حية قابلة لإعادة القراءة بعيدًا عن القدسية المنغلقة - تلك المنطقة الآمنة- على ذاك التأويل الواحد 
من هذا المنطلق يستدعى المخرج أمير اليمانى والكاتب محمد على إبراهيم واحدة من أشهر الحكايات الشعبية المصرية «شفيقة ومتولي» التى استقرت طويلًا فى الوجدان الشعبى عبر المواويل والسير والروايات الشفاهية، لإعادة قراءة ما ترسخ حولها من تصورات وأحكام، وطرح أسئلة تتعلق بمن يملك حق رواية الحكاية، وكيف ترسخت صورة البطل وصورة المذنب داخل الذاكرة الجمعية، حيث الاحتفاء بمتولى الذى ثأر لشرفه وصدرته كبطل، ولم ينشغل أحد بحكى ماذا حدث بعد الجريمة وكيف عاش الأخ الذى قتل أقرب الناس إليه وأحبهم أخته على الرغم من أنها من دفعت يده حتى تحاول أن تمحو شعوره بالذنب، فيأتى العرض ويضعه فى مواجهة ذاته، لنرى حجم الخراب النفسى الذى خلفته جريمة ارتكبت ب اسم الشرف، وهكذا يتحول الموروث الشعبى إلى مساحة للنقد والمراجعة، مساحة تجعلنا نرى أن ما نعده حقائق ثابتة قد يكون نتاجا لرواية انتصرت على غيرها عبر الزمن فليس بالضرورة أن يكون ما حدث هو ما وصل إلينا. 
حظيت حكاية «شفيقة ومتولى» بحضور واسع فى الوجدان الشعبى المصرى، وأصبحت مادة خصبة لعدد من المعالجات الفنية فى المسرح والسينما، غير أن أغلب هذه المعالجات ظلت وفية للبنية التقليدية للحكاية، التى كرست متولى بطلًا شعبيًا استعاد شرف العائلة، بينما بقيت شفيقة أسيرة صورة المرأة التى جلبت العار، دون التوقف طويلًا عند الملابسات الاجتماعية والنفسية التى قادتها إلى مصيرها، وقد رسخ الفيلم الشهير الذى حمل اسم شفيقة ومتولى، بطولة أحمد زكى وسعاد حسنى هذه الرؤية، كما سارت عروض مسرحية أخرى على النهج ذاته، وإن اختلفت فى أساليبها الجمالية.
يكسر العرض أفق التوقع لدى المتلقى منذ اللحظة الأولى؛ بداية من عتبة العمل اسم العرض «متولى وشفيقة» والذى يشكل فخا للمتلقى فالجمهور يدخل محملا بالحكاية المعروفة التى تُدان فيها شفيقة دائما ويُحتفى بمتولى بوصفه البطل الذى غسل العار، ومن يقرأ أو يسمع اسم العرض قد يظنه احتفاء مضاعف بمتولي؛ فيدخل محملا باحتمالات تتحطم على صخرة الرؤية التى يطرحها اليمانى حيث يدفع الأحداث إلى منطقة أكثر تعقيدا، لأنه لا ينشغل بإدانة شفيقة أو تبرئتها بقدر ما ينشغل بمحاكمة الوعى الذى أنتج المأساة ذاتها،وفضح أشكال العنف الذكورى الذى يتخفى خلف العادات والتقاليد التى لاترى الخطأ سوى فى الفتاة
سترى إنسانا محاصرا بأسئلته وذكرياته وتأنيب ضميره وبالمجتمع الذى دفعه إلى ارتكاب الجريمة تحت شعار “الثأر للشرف ورفع الرأس”، يعيش فى ساحة صراع بين ما فرضته الأعراف وما يمليه عليه ضميره، نعم فلن تشاهد متولى ذاك البطل الصلب الذى حفظته المواويل وتغنت به، والذى شاهدناه فى الأيقونة السينمائية «شفيقة ومتولي» للنجم أحمد زكى والنجمة سعاد حسنى، بالإضافة لعرض سبق وقدم على مسرح الطليعة نفسه، ولكن هنا تنبع الرؤية الإخراجية من حالة نفسية مأزومة ومشبعة بالصدمة والذنب، إذ يُبنى العرض وكأنه يتحرك داخل وعى متولى بعد قتله لشفيقة فلا تتقدم الأحداث وفق تسلسل زمنى متتابع، وإنما تتولد من شذرات ذاكرة واسترجاعات وأحلام وهواجس تتداخل فيما بينها لتعكس ما يعتمل فى داخله من اضطراب وصراع، ومن خلال هذا البناء غير الخطى، بعضها مشاهد”فلاش باك” والبعض الآر هو رواية متولى، فتتحول الخشبة إلى فضاء ذهنى تتداعى فيه طبقات الوعى والذاكرة، ومحاولة البحث عن جذور المأساة، وفى القلب منها مسؤولية متولى ذاته بعد أن أصبح الفعل غير قابل للمحو أو التراجع.
يستحضر متولى صورة شفيقة عبر مراحل مختلفة من حياتها؛ طفولتها وصباها وبراءتها الأولى، والمرأة التى أصبح تقييدها لزاما، ثم علاقتها العاطفية بدياب وما ارتبط بها من أحلام لم تكتمل، فالرؤية التى اعتمدها المخرج فى تقديم هذه المشاهد تنطلق من ذاكرة متولى وتصوراته، بما تنطوى عليه من إعادة بناء وتجسيد للأحداث، وتعرض كما يستدعيها وعى الشخصية ويعيد إنتاجها، ومن ثم لا ينشغل العرض بإدانة فرد واحد بقدر ما يطرح تساؤلات حول شبكة العوامل الاجتماعية والنفسية والثقافية التى أفضت إلى وقوع المأساة.
تؤدى الجوقة تجسيدا بصرى لتداعيات هذه الذاكرة وارتباكات الوعى لدى متولى، فتغدو صدى لأفكاره ومخاوفه وتأنيب ضميره، مما يعزز من هيمنة المنظور النفسى على البناء المسرحى، ويكتسب الأوفرتير دلالة استباقية؛ إذ يبدأ العرض بحلم متولى المنهزم بعد قتله لشفيقة، بينما يدور التحطيب بينه وبين ابن عمه، وفى البداية يبدو هذا الصراع غريبا، فهو ليس خصما ظاهرا لمتولى لأنه يحبه وكان يرغب بشدة فى إتمام زواجه من شفيقة، غير أن تطور الأحداث يكشف تدريجيا أن ابن العم كان أحد المحركات الأساسية للمأساة؛ فهو من سلم متولى السكين وحرضه بصورة مباشرة على قتلها -ليرفع رأسه ورأس العائلة - على حد قوله، وهنا تتضح دقة الإشارة التى قدمها الأوفرتير منذ البداية؛ فعدو متولى كان كل محرض له سواء العادات والتقاليد أو دياب أو ابن عمه، الذى لم يتحرك بدافع الحب بقدر ما تحرك بدافع الانتقام بعد رفض شفيقة له. 
فبرغم محاولته إضفاء شرعية اجتماعية على رغبته عبر التقدم لخطبتها، فإنه تجاهل إرادتها وحقها فى الاختيار، ووضع رغبته فى امتلاكها فى إطار شرعى لأيهم كيف يتم تنفيذه بموافقتها أو رغما عنها بعد رفضها الصريح الزواج منه، ومن ثم يفضح العرض وجه آخر للعنف الذكورى الذى يتخفى أحيانا خلف الأعراف والتقاليد والشرع الذى اختزله فى موافقة الأب والأخ بغض النظر عن موافقتها، ولعل لحظة انحياز متولى لرغبة ابن العم فى الزواج من شفيقة كانت بداية الانكسار الحقيقى، حين أدركت أن السند الوحيد فى حياتها أصبح يراها شرفا ينبغى حراسته وقضية تخضع لأحكام الآخرين، لا إنسانا يملك حق الاختيار وهو نفسه الذى انتزع منها هذا الحق معبرا عن ذلك حين نزع الخلخال بنفسه من قدمها وهو الذى كان قد ألبسها أياه. 
ومن داخل هذا الفضاء النفسى تتشكل الشخصيات والأحداث وفق منظور متولى المتأخر لرؤية ماغاب عنه، فتظهر شفيقة ضحية لعالم لم تكن مهيأة لمواجهته، فقد نشأت فى كنف أخيها الذى وفر لها الحب والحماية والدلال، ثم تركها وحيدة حين رحل إلى الجهادية دون تواصل أو سند، وهكذا تبدو مأساة شفيقة، نتيجة فراغ عاطفى وإنسانى استغله الآخرون أكثر من كونها نتاج خطأ فردى أو انحراف أخلاقى أى «امرأة ساقطة» كما رسخت الصورة التقليدية فى الوعى الجمعى، ومن هذه الرؤية أدان العمل من تلاعب بها واستغلها ونقل جانبا من المسؤولية إلى متولى نفسه، لأنه تخلى عنها وتركها تواجه العالم وحدها دون أن يهيئها لفهم تعقيدات العلاقات الإنسانية وما قد تنطوى عليه من خداع ومصالح ورغبات. 
ورغم إحالة العرض إلى جرجا الفضاء المكانى الحاضنة الأصلية للأحداث، فإن اللهجة لم تعكس خصوصيتها اللغوية بشكل كامل حيث اتجهت إلى لهجة صعيدية عامة، متخلية عن بعض العلامات الصوتية المميزة للمنطقة، وأرى أن ذلك التوجه قد سعى إلى تعميم دلالة الحكاية وتوسيع أفق تلقيها، بحيث تسافر بعيدا عن حدود المكان المحدد لتغدو معبرة عن واقع اجتماعى وإنسانى أوسع، دون الارتهان إلى التفاصيل المحلية الدقيقة وربما لأن المخرج لم يكن هدفه الانشغال بالتمثيل الإثنوغرافى للبيئة.
هذا وقد اعتمد مصمم الديكور الدكتور محمد سعد على فضاء واحد ثابت رغم تنوع الأمكنة الدرامية، وهو اختيار يتناغم مع الرؤية الإخراجية التى تجعل العرض رحلة داخل ذاكرة متولى ووعيه المثقل بالذنب، وقد جمع التصميم بين الواقعية والتعبيرية داخل تكوين بصرى يستند إلى ملامح البيت الصعيدى الفقير، لكنه يتجاوز وظيفته الواقعية ليصبح انعكاسا للحالة النفسية التى تحكم العرض بأكمله.
يتأسس المنظر على جدران طينية ضخمة تملأ الخلفية والعمق، تبرز منها نتوءات وتكوينات عضوية مجسمة تشبه الأغصان الجافة أو العروق الملتوية الخالية من الأوراق، وتوحى هذه التشكيلات بأن المكان نفسه كائن حى يحمل آثار التآكل والاختناق، تجسيد مادى لذاكرة متولى المضطربة وما تختزنه من صدمة وندم، وتزداد هذه الدلالة عمقًا مع الفتحات العمودية التى تضم الجرار والفخاريات التقليدية؛ فهى من جهة تستدعى البيئة الصعيدية التى تنتمى إليها الحكاية، ومن جهة أخرى تمنح الجدار بعدًا أرشيفيًا يوحى بتراكم الزمن والذكريات المحفوظة داخل تجاويف الذاكرة بالإضافات لبعض الفراغ الذى ترك بين الجدران. 
ويحتل الأثاث الخشبى البسيط مركز التكوين البصرى، حيث تتصدر الخشبة دكة خشبية ذات مسند ظهر مكوّن من أعمدة، مفروشة بسجادة منسوجة بزخارف هندسية شعبية، مركز دلالى تتقاطع عنده معظم العلاقات الإنسانية؛ فهو يستدعى البيت والأسرة والدفء، ويتحول فى الوقت نفسه إلى موضع للذكريات والاستدعاءات النفسية، حتى إنه يتحول إلى شاهد على المأساة ذاتها وقفص اتهام وسجن أحيانا.
أما الأرجوحة المعلقة فى عمق اليسار، والمصنوعة أحبالها من بقايا أقمشة مجدولة، فتعد من أكثر العناصر ثراءً على المستوى الرمزى، فقد صنعت بحب متولى لشفيقة إذ تستحضر طفولة شفيقة وعلاقتها الحميمة بأخيها، ثم تتحول مع تطور الأحداث إلى علامة على البراءة المفقودة والزمن الذى يستحيل استعادته، ويعزز هذا المعنى الرسم الطفولى البدائى على أحد الجدران لطفلين يمسكان بيدى بعضهما، وهو تفصيل بصرى يختزل طبيعة العلاقة الأولى بين متولى وشفيقة، تلك العلاقة القائمة على الحماية والارتباط الوجدانى قبل أن تنتهى بكونها وتعلق متولى بها فى نهاية المسرحية لتكون أحد أدوات سجنه.
كما لا تكتمل فاعلية الديكور إلا من خلال علاقته بالإضاءة، إذ تتبدل دلالات الفضاء تبعا للتحولات اللونية التى تغمره، فحين تكتسى الجدران والأثاث بالإضاءات الزرقاء والبنفسجية يبدو المكان أقرب إلى فضاء الذاكرة والحلم والاسترجاع، بينما تحوله الإضاءات الحمراء المكثفة إلى فضاء مشبع بالعنف والذنب والجحيم النفسى، وبهذا يصبح المنظر الثابت قادرا على إنتاج أمكنة وحالات شعورية متعددة دون الحاجة إلى أى تغيير مادى فى عناصره ويحسب لمصمم الديكور والإضاءة والمخرج قدرتهم على هذا التوظيف.
ويعيد الديكور صياغة المكان ليصبح انعكاسا للحالة النفسية والدرامية للشخصيات وصراعها مع القدر والمجتمع، من خلال توظيف أجساد الممثلين ضمن التكوين البصرى ذاته، فقد بدت الجوقة، التى صمم تشكيلاتها الحركية بجانب التعبير الحركى للممثلين الذى صممه أحمد مانو، جزءا مكملا للجدران والتكوينات المنحوتة، فى تماهٍ واضح مع الأغصان الجافة الممتدة على الحوائط، ومن يشاهد العرض فى بدايته قد يظن أن هذه الأجساد جزء من الديكور نفسه، نظرا لدقة التناسق البصرى بينها وبين عناصر المنظر، غير أن الجوقة لا تؤدى وظيفة تشكيلية فحسب فهى تقوم بوظيفة الراوى ولكن الراوى لما يدور فى عقل متولى كما أنها وسيط درامى للربط بين المشاهد المختلفة عبر بناء حركى يعزز الإيقاعين البصرى والدرامى، ويعمق الإحساس بالمأساة الجماعية الممتدة داخل وعى متولى.
ويكتسب حضور الأغصان الجافة الخالية من الأوراق بعدًا أعمق عندما تنتقل من الجدران إلى الأقنعة التى يرتديها أفراد الجوقة، فتتحول إلى رابط بصرى يوحد الفضاء المسرحى وشخصياته، فتراها تارة وكأنها قد نمت من داخل الجدران وانسلخت عنه كما حدث مع شفيقة هذا الغصن الذى مال “من وجهة نظر متولي” وتتعزز هذه الدلالة مع مقولة متولى التى يردد فيها ما معناه: «الشجرة اللى غصنها يميل نقطعه»، وهى عبارة تختزل المنطق الذى يحكم العالم الاجتماعى داخل العرض؛ إذ يتحول الإنسان الخارج عن المعايير السائدة إلى غصن ينبغى اجتثاثه لا تقويمه أو إصلاحه ومن ثم تبدو شفيقة وكأنها ذلك الغصن الذى قرر الجميع قطعه حفاظا على صورة الشجرة، لتغدو الأغصان اليابسة المنتشرة فى الفضاء البصرى تجسيدا ماديًا لثقافة الإقصاء التى قادت إلى المأساة، ومن ثم يصبح الديكور جزءا أساسيا من البنية الدرامية للعرض، مشاركا فى إنتاج المعنى والكشف عن أبعاده الفكرية والإنسانية، مجسدا فى آن واحد العالم الاجتماعى الذى تنتمى إليه الحكاية والعالم النفسى الذى تدور داخله، لتغدو الجدران والأغصان أو شرايين المخ المتشابكة والفتحات الغائرة والأرجوحة والرسم الطفولى وأجساد الجوقة أجزاء من خريطة بصرية واحدة لذاكرة متولى، بما تحمله من حنين وندم وصدمة ومحاولة هروب مستحيلة وربما محاولة استعادة ما ضاع 
كما اختار المخرج تفصيلة دقيقة بأن ينزل لقاءات شفيقة ودياب إلى الصالة، أسفل الخشبة وفى تماس مباشر مع الجمهور، بما يخلق انفصالًا عن مركز الحدث على الخشبة، هذا التمركز المكانى يضع العلاقة منذ البداية فى منطقة خارج المركز الدرامى، أى خارج سلطة الفضاء الاجتماعى الذى تمثله الخشبة، وكأنها علاقة لا تجد شرعيتها داخل عالم العرض نفسه، ومع انكشاف مسار دياب لاحقا، يتبدى هذا الاختيار تمهيدا بصريا لانكشاف الخديعة، فلم تكن تلك اللقاءات سوى مقدمة لعلاقة غير متكافئة، بدأت بوهم عاطفى وانتهت إلى استغلال وانتهاك ثم تنصل كامل من المسؤولية، وبذلك يظهر اختلال العلاقة، ويصبح حضور الجمهور على هذا المستوى نوعا من الإشراك القسرى الذى يورط المتلقى داخل الحدث الدرامى.
أما الممثلين فجسد متولى الفنان محمد فريد حيث قدم أداءً تعبيريًا وحركيًا متكاملًا يتسم بقدرة واضحة على التلون الدرامى بين النقيضين إذ يبدو بطاقة حركية ممتدة تنبض بالحيوية والمرونة، تعكس حالة من الألفة والدفء الإنسانى فى لحظات تفاعله مع الطفلة ومداعبته لها، ثم يتغير أداؤه تدريجيا مع تطور الأحداث وعند لحظة التحول الرئيسية فى العرض، يبدو أثر الصدمة واضحا على جسده؛ فتتباطأ حركته، وتنكمش قامته، ويقترب شيئًا فشيئًا من الأرض، وكأن جسده لم يعد قادرا على مقاومة ما يمر به، كما تعكس ملامحه وحركاته حالة من الألم والعجز، خاصة مع إحاطة الجوقة به، الأمر الذى يزيد من شعور العزلة والاختناق.
ويصل أداءه إلى ذروته بعد وقوع المأساة، فى لحظات إدراكه لما اقترفته يداه حيث يحل السكون محل الحركة، فيجلس الممثل بجسد منهك وأكتاف منحنية ونظرات شاردة تعكس حجم الفقد الذى تعيشه الشخصية، وقد نجح فى نقل هذا التحول بصدق، منتقلا من حالة القوة والحياة إلى حالة الانكسار والحزن
كما قدمت يسرا المنسى  أداءً متوازنًا استطاعت من خلاله الانتقال بين مراحل الشخصية المختلفة بداية من علاقتها بأخيها وعلاقتها بوالدها ثم دياب وما حدث من انهيار فقد حافظت على صدقها الانفعالى، وبلغ أداؤها ذروته فى مشهد المواجهة الأخيرة مع متولى، حيث امتزج الاستسلام بالألم والرغبة فى الخلاص فى لحظة إنسانية شديدة التأثير حين دفعت بيده لقتلها، هذا بخلاف صوتها العذب فى الغناء. 
وقدمت الطفلة دالا حربى التى جسدت شفيقة فى سنواتها الأولى حضورا لافتا وكأنها نجمة مسرح اتسمت بالعفوية والانضباط، وأسهم أداؤها فى ترسيخ البعد العاطفى لعلاقة الأخ بأخته داخل ذاكرة متولى، وكذلك الممثلة التى أدت دور شفيقة فى المرحلة الوسطى
كما أجادت الممثلة تقى طارق فى دور نوارة، تلك الفتاة التى علقت مع متولى فلم تعد قادرة على التخطى والمضى قدما نحو حياة جديدة ولا هى قادرة على إخراج متولى من سجنه، كما أن لها دور سردى داخل العرض، إذ تنقل إلى متولى حكاية شفيقة مع دياب وما انطوت عليه من خديعة واستغلال حسب ما روته لها شفيقة، فهى عنصرا فاعلا فى آلية الكشف داخل العرض.
وفى المقابل، جسد الممثل صلاح السيسى دور الأب فى مرحلتى الشيخوخة ومرحلة سابقة عليها بوعى مستفيدا من أدوات الأداء الجسدى والصوتى فى التعبير عن هذا الامتداد الزمنى، بالإضافة إلى أن فترة تقدمه فى العمر شهدت ضعف شخصيته تجاه ابنته وعدم قدرته على السيطرة عليها، وانحناء ظهره، على عكس حضوره فى مرحلة طفولتها، بما أضفى على الشخصية صدقا، وعكس أداء واعٍ على بناء اختلاف المراحل دون افتعال أو انفصال عن السياق العام للعرض، وأجاد أيضا كل من الممثل أحمد عودة “دياب” حيث جعل المتلقى يخرج محملا بهذه الكراهية له، فكل لغة جسده توحى للمتلقى بخسته ويلهم من خلالها ما سوف يحدث، و الممثل إسلام مصطفى “صالح” الذى كان سببا مباشرا فى دفع متولى لارتكاب الجريمة فكل منهما جسد دوره بإتقان
جاءت الأزياء فى العرض منسجمة مع البيئة التى تنتمى إليها الحكاية مع حرص مصممة الملابس غادة شلبى على توظيف اللون والتصميم كوسيلتين للكشف عن الموقع الاجتماعى والنفسى للشخصيات، فقد ظهر متولى بملابس بسيطة تميل إلى الألوان الحيادية والهادئة، تتكون من جلباب ترابى يرتدى تحته ( سروال وسيديرى ) وهو مصمم بشكل يعكس انتماءه إلى الطبقة الكادحة شخصية تحمل أعباء الحياة اليومية بعيدا عن أى مظاهر للثراء أو السلطة ففى الصعيد حتى هذه القطع تحت الجلباب يختلف تصميمها للفقراء عن الأثرياء وشخصيات كبار العائلات. 
وتميزت شفيقة بزى ذى طابع صعيدى فستان طويل باللون الأحمر الداكن مزين بزخارف نباتية رقيقة، وهو اختيار منح الشخصية حضورا بصريا لافتا داخل التكوين المسرحى فاللون الأحمر من جهة يعكس الحيوية والأنوثة ودفء المشاعر، ومن جهة أخرى يستبق المصير التراجيدى للشخصية وما يحيط بها من شغف وحب وألم ودم، كما أسهمت الزخارف والتطريزات البسيطة فى الحفاظ على انتمائها للبيئة الصعيدية، على عكس ملابسها فى مرحلة الطفولة الملابس البيضاء المزينة بالوردى مما يرمز لبراءة تلك الفترة ومرحلة الصبا حيث ارتدت ملابس أقرب للون البرتقالى، الحيوية ووهج البدايات، فيؤسس لشخصية نقية لم تلوثها بعد قسوة التجربة. وفى المقابل، جاء زى دياب أكثر عناية وزخرفة مع توظيف عناصر بصرية توحى بالمكانة الاجتماعية والنفوذ، من خلال الشال الموضوع على كتفه، بما ينسجم مع كونه ابن البيه وصاحب السلطة والامتياز الطبقى داخل الحكاية فبينما ارتبطت ملابس متولى وشفيقة بالبساطة الشعبية، حملت أزياء دياب إشارات إلى الثراء والوجاهة الاجتماعية، الأمر الذى جعل حضوره البصرى مختلفا عن بقية الشخصيات وبالتالى جسدت الملابس الفجوة بين العالمين ووظفت جيدا داخل البنية الدرامية
 ويكتسب اختيار الألوان الترابية لملابس الجوقة دلالة خاصة فى ضوء طبيعة الدور الذى تؤديه داخل العرض؛ فالجوقة تجسد الهواجس والصراعات والأصوات المتصارعة داخل وعى متولى، ومن ثم فإن تماهى ملابسها مع الجدران الطينية والخامات الترابية المهيمنة على فضاء الخشبة يجعلها تبدو وكأنها تنبثق من المكان نفسه أو من طبقات الذاكرة الراسخة فيه، فلا تنفصل هذه الهواجس عن البيئة الاجتماعية التى شكلت وعى البطل، فهى تبدو امتدادًا لها، وكأن الأعراف والأحكام التى قادته إلى الجريمة قد ترسخت داخله حتى أصبحت جزءا من صوته الداخلى، ولهذا تتماهى أجساد الجوقة مع الجدران والأغصان الجافة فى صورة بصرية واحدة تعكس تداخل الذاتى والاجتماعى داخل عقل متولى. كذلك باقى عناصر العمل من موسيقى لأحمد نبيل والتى عبرت عن بيئة الحدث باستخدام المزمار والناى والطبلة والدف وكانت مكملة ومعبرة غير مقحمة على الأحداث. كذلك مكياج وفاء مدبولى الذى جاء مناسبا للشخصيات، وهكذا تضافرت جميع العناصر لتعمل كمنظومة واحدة تخدم الرؤية الإخراجية.


روفيدة خليفة