العدد 982 صدر بتاريخ 22يونيو2026
فى عالم تتزاحم فيه الكلمات، يظل فن الإلقاء هو القدرة على بث الروح فى المعانى، وتحويل النصوص إلى رسائل مؤثرة تنفذ إلى العقول والقلوب، فليس الإلقاء مجرد نطق للكلمات، بل هو فن يمنح الحروف روحًا، ويحول المعانى إلى مشاعر تصل إلى القلوب قبل الآذان، فالكلمة الواحدة قد تبدو عادية على الورق، لكنها فى يد ملقٍ بارع تتحول إلى رسالة مؤثرة قادرة على الإقناع والإمتاع وإثارة الخيال.
وليس المهم ما نقوله فقط، بل كيف نقوله: فبنبرة الصوت، وصدق الأداء، ولغة الجسد تتحول الكلمات إلى صور نابضة بالمشاعر، قادرة على أسر انتباه الجمهور والتأثير فى وجدانه ومنذ القدم كان فن الإلقاء أحد أهم أدوات التواصل الإنسانى، به تروى الحكايات، وتلقى الخطب، وتقدم الأعمال الأدبية والفنية، ليظل الصوت المعبر والأداء الصادق جسرًا يربط بين المتحدث وجمهوره، وأداة إبداع لا تقل أهمية عن الكلمة نفسها.
ومن هذا المنطلق، حرص المهرجان القومى للمسرح المصرى فى دورته التاسعة عشرة على إقامة ورشة فن (الإلقاء) إيمانًا بأهمية الكلمة حين تقال بإتقان، وبقدرة الصوت على صناعة الأثر.
أقام المهرجان القومى للمسرح المصرى فى دورته التاسعة عشرة برئاسة الفنان محمد رياض، ورشة فن (الإلقاء) ضمن الورش التى ينظمها كل عام، حيث قدم الفنان خالد الذهبى مجموعة من المحاضرات والتدريبات العملية الهادفة إلى صقل مهارات المشاركين فى الأداء الصوتى والإلقاء المسرحى.
شهدت الورشة إقبالًا من الراغبين فى الالتحاق بها، حيث تقدم 50 متدربًا لخوض اختبارات القبول، وأسفرت لجنة الاختبارات عن اختيار 15 متدربًا فقط، وفقًا للمعايير الفنية التى وضعتها إدارة الورشة، لضمان تحقيق أكبر استفادة ممكنة من البرنامج التدريبى.
وتناول البرنامج التدريبى أسس الإلقاء السليم، ومخارج الحروف، والتحكم فى طبقات الصوت والنبرات،إلى تدريبات عملية على التنفس الصحيح والتعبير الصوتى، بما يسهم فى تنمية قدرات المشاركين وإعدادهم للتعامل مع النص المسرحى باحترافية.
استهل الفنان خالد الذهبى، مدرب ورشة الإلقاء بالمهرجان القومى للمسرح المصرى فى دورته التاسعة عشرة، حديثه باستعراض المعايير التى تم على أساسها اختيار المشاركين فى الورشة، مؤكدًا أن الاختيار اعتمد على امتلاك المتدرب مقومات أولية لفن الإلقاء، وفى مقدمتها سلامة النطق، وصحة مخارج الحروف، والقدرة على التحدث بوضوح.
وأوضح الذهبى أن الورشة تهدف إلى تطوير أداء المشاركين،وبناء علاقة صحيحة بينهم وبين النصوص التى يقدمونها، من خلال التدريب على القراءة السليمة، وتنمية جهاز النطق، والتعرف على أسس الصوتيات وفنون الإلقاء، بما يساعدهم على إيصال المعنى إلى المتلقى بصورة مؤثرة.
وأضاف أن الكلام المنطوق هو مفتاح فن الإلقاء لأنه يحمل المعانى، بينما تحمل المعانى الأفكار، ولذلك يجب على الملقى أن يفهم النص ويستوعب أبعاده قبل الشروع فى تقديمه، حتى يخرج الأداء صادقًا ومقنعًا.
وأشار إلى أن سلامة جهاز النطق والجهاز التنفسى من الركائز الأساسية التى ينبغى أن يمتلكها كل من يعمل بالكلمة المنطوقة، موضحًا أن المحامى، وإمام المسجد، وأستاذ الجامعة، وكل من يعتمد على فن الإلقاء فى عمله، يحتاج إلى المعرفة بمجال تخصصه إلى جانب امتلاك أدوات الأداء الصوتى السليم.
وأكد الذهبى، أن المتلقى ليس مطالبًا بأن يكون ممثلًا لأن الممثل يؤدى شخصية تختلف عن شخصيته، بينما يعتمد فن الإلقاء على تقديم النص يشخصية الملقى نفسها، مع الالتزام بصحة مخارج الحروف، وسلامة النطق، والتعبير عن المعنى بصدق ووعى.
واختتم الفنان خالد الذهبى حديثه متمنيًا النجاح والتوفيق للمهرجان القومى للمسرح المصرى،وأن تواصل الورش التدريبية دورها فى اكتساب المواهب وصقل قدراتها، بما يسهم فى إعداد جيل جديد يمتلك أدوات الإلقاء السليم والتواصل المؤثر.
قالت أسماء حسن، إحدى المتدربات فى الورشة، فى البداية تنقسم الورشة إلى جزأين: جزء نظرى، جزء خاص بالصوتيات، وجزء عملى خاص بإلإلقاء.
فى الجزء النظرى،بدأ الفنان خالد الذهبى، بشرح مخارج الحروف وصفاتها، وكيفية نطق كل حرف من موضعه الصحيح، سواء من الحلق أو اللسان أو الجوف، مع التركيز على سلامة النطق ودقته. كما تناول أساليب الأداء الصوتى، وأنواع الوقفات مثل الوقف التام والوقف المعلق، موضحًا القواعد الخاصة بكل منهما والأخطاء التى يجب تجنبها أثناء القراءة، مثل الوقف فى مواضع تفسد المعنى أو الفصل بين عناصر الجملة المرتبطة ببعضها، كذلك ركز على أهمية فهم النص والإحساس به قبل إلقائه، لأنه طريقة فهم الفكرة تنعكس مباشرة على الأداء وتساعد فى إيصال الرسالة إلى المتلقى بصورة أفضل.
وتابعت أسماء حسن، فى الجزء العملى، فقد تدربنا على مجموعة من النصوص المختارة لكبار الأدباء والشعراء، منهم: أمير الشعراء أحمد شوقى والأديب عبد الرحمن الشرقاوى، فى البداية قمنا بقراءة النصوص كاملة، ثم تم توزيع الأدوار بين المتدربين، وأصبح لكل متدرب دوره الذى يتدرب عليه بشكل يومى.
واشادت أسماء حسن بدور الفنان خالد الذهبى فى الورشة حيث كان يراجع معنا الوقفات ومخارج الألفاظ والحروف، ويصحح أى أخطاء فى النطق أو الأداء، كما يولى اهتمامًا كبيرًا باللغة العربية، لأن الإلقاء لا ينفصل عن سلامة اللغة، فالإلقاء فى جوهره هو فن إيصال الرسالة إلى المتلقى بأفضل صورة ممكنة.
وتابعت أسماء حسن، ما يميز الفنان خالد الذهبى، دقته الشديدة وحرصه على ألا تمر أى جملة إلا بعد التأكد من صحتها نطقًا وأداء ولغة. كما كان حريصًا على مشاركة جميع المتدربين وإعطاء كل فرد فرصة للتدريب والاستفادة.
واضافت، هذه الورشة بالنسبة لى مهمة جدًا بحكم عملى فى مجال الإلقاء والتعليق الصوتى. فقد ساعدتنى على تنشيط العديد من المعلومات، واستعادة بعض الجوانب التى لم تكن حاضرة فى ذهنى، كما أضافت لى خبرات ومهارات جديدة لذلك أعتبرها تجربة مفيدة للغاية وأوصى بها لكل من يرغب فى تطوير مهاراته الصوتية والإلقائية.
قالت عزة عرفات، إحدى المشاركات فى ورشة فن (الإلقاء) بالمهرجان القومى للمسرح المصرى، تقدمت للمشاركة فى ورشة فن الإلقاء التى يقدمها الفنان خالد الذهبى من خلال استمارة التقديم التى أعلن عنها المهرجان القومى للمسرح المصرى، وكانت تجربة ثرية ومميزة منذ اليوم الأول.
قدمت الورشة لنا مدرسة جديدة فى فن الإلقاء وساعدتنا على اكتشاف إمكانات وقدرات لم نكن ندرك أننا نمتلكها كما استمتعنا كثيرًا بالجمع بين الجانب النظرى والتطبيق العملى، وهو ما جعل الاستفادة أكبر وأكثر عمقًا.
واشادت عزة، بالفنان خالد الذهبى، بقدرته على التعامل مع الفروق الفردية بين المتدربين واستطاع أن يبرز أفضل ما لدى كل مشارك وكان حريصًا على دعمنا وتشجيعًا طوال فترة التدريب، حتى شعرنًا بأنه أب وأستاذ للجميع.
وتابعت عزة، كما تنوعت التدريبات العملية بين النصوص الشعرية والنثرية، بالفصحى والعامية، وهو ما أكسبنا خبرة حقيقة فى التعامل مع مختلف أنواع النصوص وأساليب إلقائها.
وأتمنى أن يواصل المهرجان القومى للمسرح المصرى تقديم مثل هذه الورش التدريبية المتميزة كل عام لما لها من أثر كبير فى تنمية مهارات المشاركين وصقل مواهبهم.