العدد 979 صدر بتاريخ 1يونيو2026
شهدت كلية دار العلوم بجامعة المنيا مناقشة رسالة دكتوراه متميزة للباحثة أمانى على محمود على، بعنوان: «سيكو دراما القلق والاغتراب فى الدراما المصرية المعاصرة من 1967م – 1979م.. دراسة سيكوسوسيولوجية»، وهى دراسة تسعى إلى قراءة التحولات النفسية والاجتماعية التى عاشها المجتمع المصرى عقب نكسة يونيو 1967، مرورًا بحرب الاستنزاف وانتصار أكتوبر، وصولًا إلى مرحلة الانفتاح الاقتصادى ومعاهدة كامب ديفيد، عبر تحليل النصوص المسرحية المصرية بوصفها مرآة للإنسان ووعيه المأزوم.
تكونت لجنة الإشراف والمناقشة والحكم من:
أ.د محمد عبدالله حسين، أستاذ الأدب والنقد الحديث المتفرغ بقسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم – جامعة المنيا (مشرفا ورئيسا)، وأ.د هدى عثمان حسن الشافعى، أستاذ الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم – جامعة المنيا (مشرفا ومناقشات)، وأ.د سعيد الطواب محمد، أستاذ الدراسات الأدبية المتفرغ بكلية دار العلوم – جامعة المنيا، مناقشًا، وأ.م.د محمد عبدالرحمن الشافعى، أستاذ الدراسات المسرحية المساعد ووكيل كلية التربية لشؤون التعليم والطلاب بجامعة 6 أكتوبر، (مناقشًا).
وحصلت الباحثة مرتبة الشرف الأولى مع تداول الرسالة بين الجامعات.
الدراما بوصفها مرآة للهزيمة والتحول
انطلقت الدراسة من فكرة محورية مفادها أن الأدب، والمسرح تحديدًا، ليس مجرد وسيلة للترفيه أو التعبير الجمالى، بل هو أحد أهم الوسائط التى تكشف التحولات النفسية والاجتماعية التى تمر بها الشعوب فى لحظات الأزمات الكبرى. ومن هذا المنطلق، حاولت الباحثة تتبع الكيفية التى تحولت بها الدراما المصرية بعد نكسة 1967 إلى مساحة للتفريغ النفسى وإعادة تشكيل الوعى الجمعى.
ورأت الدراسة أن الهزيمة لم تكن حدثًا عسكريًا أو سياسيًا فحسب، بل لحظة فارقة أحدثت شروخًا عميقة داخل الإنسان المصرى، وأثرت فى إحساسه بالهوية والانتماء والمعنى. لذلك لجأ كثير من الكُتاب إلى المسرح باعتباره فضاءً قادرًا على احتواء القلق الوجودى والتوترات النفسية التى عاشها الفرد فى تلك المرحلة.
وأكدت الباحثة أن السيكودراما ــ بوصفها منهجًا يجمع بين الأدب وعلم النفس ــ لعبت دورًا مهمًا فى الكشف عن الصراعات الداخلية للشخصيات المسرحية، وتحويل الألم النفسى إلى فعل درامى محسوس، يتيح للمتلقى التأمل والمشاركة الوجدانية وإعادة قراءة الواقع.
الأدب كضرورة إنسانية
وفى مقدمة الدراسة، أوضحت الباحثة أن الأدب منذ بدايات الحضارات لم يكن مجرد منتج ثقافى، بل ضرورة إنسانية لبناء الوعى وتفسير الواقع. فالأدب ــ بحسب الدراسة ــ يمتلك قدرة استثنائية على رصد التحولات الاجتماعية والسياسية، وكشف التناقضات التى يعيشها الإنسان فى لحظات الأزمات.
وترى الباحثة أن الدراما تحديدًا تعد من أكثر الفنون قدرة على مواجهة الأسئلة المصيرية للإنسان، لأنها تجمع بين البعد الجمالى والبعد الوجودى، وتستطيع تحويل الخوف والقلق والاغتراب إلى فعل إنسانى قابل للفهم والتحليل.
كما ناقشت الدراسة طبيعة النص المسرحى، مؤكدة أنه ليس نصًا ناقصًا يحتاج إلى العرض كى يكتمل، بل هو بناء دلالى متكامل، يفتح مساحات واسعة للتأويل والتحليل، ويظل مرتبطًا بوعى الإنسان بذاته وبمجتمعه.
السيكو دراما ومواجهة الاغتراب
ركزت الدراسة على مفهوم “السيكودراما” بوصفه أحد الأدوات الفنية والنفسية القادرة على معالجة القلق والاغتراب، من خلال إعادة تمثيل الواقع وتحليله وكشف أزماته الداخلية.
وأوضحت الباحثة أن السيكو دراما أتاحت للمتلقى فرصة للتأمل فى مصيره من خلال مصائر الشخصيات الأخرى، كما ساعدت فى تحويل المشاعر المكبوتة إلى أفعال درامية تسمح بالتفريغ الانفعالى وتحقيق قدر من الاتزان النفسى.
وترى الدراسة أن كتاب المسرح فى فترة ما بعد النكسة لجأوا إلى الرمزية والأساليب النفسية العميقة للتعبير عن الانكسار الداخلى، حيث تحولت الشخصيات المسرحية إلى كيانات نفسية تحمل مخاوف وصراعات لا شعورية، وأصبح المسرح مساحة لطرح الأسئلة الوجودية الكبرى المتعلقة بالهزيمة والهوية والحرية والمعنى.
من النكسة إلى كامب ديفيد
اعتمدت الدراسة على تقسيم تاريخى ونفسى للمرحلة الممتدة من 1967 إلى 1979، حيث تناول الباب الأول من الدراسة تحولات القلق والاغتراب عبر أربع مراحل رئيسية.
ففى مرحلة ما بعد نكسة 1967، ركزت الدراسة على الآثار النفسية العميقة للهزيمة، وكيف عبر المسرح عن الإحباط والانكسار وفقدان الثقة، فى ظل حالة عامة من التصدع النفسى والاجتماعى.
أما خلال حرب الاستنزاف، فقد رصدت الدراسة حالة التمزق الداخلى التى عاشها الفرد المصرى بين الرغبة فى المقاومة والخوف من استمرار الخسائر، وهو ما انعكس على البناء النفسى للشخصيات الدرامية.
وفى مرحلة ما بعد انتصار أكتوبر 1973، تناولت الدراسة التحول النفسى الذى أصاب المجتمع المصرى، حيث انتقلت الدراما من أجواء الإحباط إلى محاولة استعادة الثقة والبحث عن معنى جديد للانتصار والهوية.
ثم جاءت مرحلة ما بعد معاهدة كامب ديفيد والانفتاح الاقتصادى، لتكشف ــ وفق الدراسة ــ عن نوع جديد من الاغتراب، ارتبط بتصاعد الفوارق الطبقية وتغير منظومة القيم الاجتماعية، الأمر الذى انعكس بوضوح على طبيعة الشخصيات والصراعات المسرحية.
البناء الفنى لدراما القلق
لم تقتصر الدراسة على الجانب النفسى والاجتماعى فقط، بل اهتمت أيضًا بتحليل البناء الفنى لمسرحيات القلق والاغتراب.
ففى الباب الثانى، تناولت الباحثة الشخصيات الدرامية بوصفها مركزًا للصراع النفسى، موضحة كيف تحولت الشخصية المسرحية بعد النكسة إلى كيان مأزوم يحمل أعباء الواقع وأسئلته الوجودية.
كما ناقشت الدراسة طبيعة الصراع والحدث الدرامى، وكيف استخدم الكُتاب الأحداث المسرحية للكشف عن الأزمات الاجتماعية والنفسية، وتحويل المسرح إلى أداة نقد للواقع.
أما الحوار الدرامى، فقد رأت الدراسة أنه لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل أصبح أداة للكشف عن أعماق النفس البشرية وتجسيد التناقضات الداخلية والاجتماعية.
واهتمت الدراسة كذلك بتحليل الفضاء المسرحى، موضحة أن المسرح لم يعد مجرد مكان مادى تجرى فيه الأحداث، بل تحول إلى فضاء نفسى وثقافى يشارك فى إنتاج المعنى، ويعكس حالة القلق والاغتراب التى يعيشها الإنسان.
الذكاء الاصطناعى ونظرية التلقى
ومن الجوانب اللافتة فى الدراسة، تناولها لعلاقة السيكو دراما بالذكاء الاصطناعى ونظرية التلقى، فى محاولة لربط المسرح بالتحولات المعاصرة.
ناقشت الباحثة تأثير التطور التكنولوجى على علاقة المتلقى بالنص المسرحى، متسائلة عما إذا كان الذكاء الاصطناعى قد يسهم فى تعميق عزلة الإنسان واغترابه، أو يهدد التفاعل الإنسانى داخل العملية الإبداعية.
ورأت الدراسة أن السيكو دراما يمكن أن تلعب دورًا فى مواجهة هذا الاغتراب الجديد، عبر خلق فضاءات تفاعلية تحافظ على دور المتلقى بوصفه شريكًا فى إنتاج المعنى، وليس مجرد مستقبل سلبى للنص.
وأكدت أن نظرية التلقى لا تنظر إلى القراءة باعتبارها عملية استهلاك، بل باعتبارها فعلًا يشارك فى تحريك الوعى وإعادة إنتاج الدلالة.
المنهج السيكوسوسيولوجي
اعتمدت الدراسة على المنهج السيكوسوسيولوجى، الذى يجمع بين علم النفس وعلم الاجتماع فى تحليل النصوص الأدبية، انطلاقًا من أن الشخصية المسرحية لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقها الاجتماعى، كما لا يمكن فهم المجتمع دون تحليل الدوافع النفسية لأفراده.
وترى الباحثة أن هذا المنهج كان الأنسب لتحليل مرحلة تاريخية اتسمت بتكثف الصراعات النفسية والاجتماعية، حيث عاش الإنسان المصرى حالة مركبة من القلق والاغتراب والانكسار والرغبة فى المقاومة.
أسئلة الدراسة وأهدافها
طرحت الدراسة مجموعة من الأسئلة المحورية، من بينها:
كيف استغل كُتاب الدراما أسباب قلق الفرد فى إزاحة الاغتراب؟
وهل تغيرت اللغة المسرحية والبناء الدرامى لتناسب الذهنية المغتربة؟
وكيف أصبحت السيكو دراما مرآة للذات المأزومة؟
وما دورها فى معالجة قلق الانتظار؟
وهل أصبح الذكاء الاصطناعى أحد أسباب الاغتراب المعاصر؟
كما هدفت الدراسة إلى تقديم فهم أعمق لعلاقة الفرد بالمجتمع، وتحليل تأثير التحولات السياسية والاجتماعية على البناء النفسى للإنسان، مع تقديم قراءة نقدية للنصوص المسرحية التى عكست هذه المرحلة التاريخية المهمة.
نتائج الدراسة
خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج المهمة، أبرزها أن الشخصية المسرحية بعد نكسة 1967 حظيت باهتمام كبير من الكُتاب، بسبب تعقد الأزمات النفسية والاجتماعية التى عاشها الفرد المصرى، وهو ما فتح الباب أمام تداخل علم النفس مع الأدب بشكل واضح.
وأكدت النتائج أن السيكو دراما أسهمت فى تعميق البعد النفسى داخل الدراما المصرية، وكشف الصراعات الوجودية والاجتماعية التى عاشها الإنسان خلال فترات الهزيمة والتحول.
كما أشارت الدراسة إلى أن المسرح المصرى استطاع عبر أدواته الفنية أن يحول القلق والاغتراب من مجرد حالة نفسية إلى قضية إنسانية وفكرية، تتيح للمتلقى إعادة النظر فى ذاته وعلاقته بالمجتمع.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعى، رأت الدراسة أن الحفاظ على التفاعل الإنسانى داخل العملية الإبداعية يمثل ضرورة أساسية، وأن السيكو دراما تستطيع عبر تقنياتها أن تخلق فضاءً تفاعليًا يوازن بين التطور التكنولوجى والحضور الإنسانى.
وبذلك تفتح الدراسة بابًا مهمًا لإعادة قراءة الدراما المصرية المعاصرة من منظور نفسى واجتماعى، يكشف كيف استطاع المسرح أن يتحول فى لحظات الأزمات إلى أداة لفهم الإنسان ومقاومة اغترابه، وأن يكون شاهدًا على تحولات المجتمع المصرى فى واحدة من أكثر فتراته التاريخية تعقيدًا وتحولًا.