أسطورة تتكسر على أرض الواقع..«طائر» عرض يكشف قسوة البشر تجاه المختل

أسطورة تتكسر على أرض الواقع..«طائر» عرض يكشف قسوة البشر تجاه المختل

العدد 979 صدر بتاريخ 1يونيو2026

فى فضاء مسرحى مشحون بالشاعرية والرمز، احتضن قصر ثقافة الأنفوشى عرض «طائر»، ليقدّم تجربة إنسانية عميقة تتجاوز حدود الحكاية إلى مساءلة الواقع ذاته.
 ويقدم العرض المسرحى ضمن عروض الموسم الحالى للإدارة العامة للمسرح، والتابعة للإدارة المركزية للشئون الفنية، بالهيئة العامة لقصور الثقافة 2025/ 2206، لا يكتفى بسرد قصة طفل وُلد بلا لسان، لكنه يقدم صورة فنية، لجوهر العلاقة بين البراءة والعالم القاسى الذى لا يجيد الإصغاء لما هو مختلف.

أبعاد رمزية ومرآة تعكس تناقضات المجتمع
ومن خلال رؤية واعية للمخرج إبراهيم أحمد، ونص يحمل أبعادًا رمزية للمؤلف محمود جمال الحدينى، يتحول «طائر» إلى مرآة تعكس تناقضات المجتمع؛ كيف يصنع الأسطورة سريعًا، ثم ينقلب عليها بالسرعة نفسها بين الأمل والخذلان، يرسم العرض رحلة مؤلمة لكائن نقى، حاول أن ينتمى، فوجد نفسه وحيدًا فى مواجهة عالم لا يمنح الرحمة بسهولة.
والتقت مسرحنا مع المخرج وعدد من فريق العرض المسرحى لتتعرف على تجربتهم المسرحية الجديدة.

 المخرج: من البراءة إلى الخذلان.. «طائر» يواجه مجتمعًا لا يحتمل النقاء
وقال المخرج إبراهيم أحمد: تدور أحداث العرض المسرحى «طائر» حول طفل يولد بلا لسان، يعانى صعوبة فى التعبير، ويواجه تحديات قاسية عند اندماجه فى المجتمع.
 وأوضح: العرض يطرح فكرة عدم تقبل المجتمع للنقاء الإنسانى، حيث يجسد البطل «طائر» شخصية طفل يعيش فى بيئة يسودها الخير والحب والسلام بين الطيور، لكنه يفتقد القدرة على التعبير عن رأيه، وقبل وفاة والدته، تنصحه بمواجهة المجتمع والاندماج فى البلدة، فيقرر النزول إليها، ليعتقد أهلها أنه ملاك، ورمزًا للخلاص خاصة بعد سقوط المطر إثر نظره إلى السماء، فينسجون حوله أسطورة.
وأضاف «أحمد»، أنه مع تصاعد الأحداث، يطالب أهل البلدة «طائر»، بمواجهة مجلس المدينة، لكنه يعجز عن ذلك، فينقلبون عليه، ويتخلى عنه حتى أقرب أصدقائه، وينصحه بمغادرة البلدة إن أراد النجاة.

يوسف عادل: أنا بطل العرض «طائر»
وقال الممثل يوسف عادل، بطل العرض: أقدم شخصية «طائر»، وواجهت صعوبات أثناء تقديم الدور، خاصة أن الشخصية لا تتحدث بكلمة واحدة طوال العرض رغم أن الشخصية الرئيسة، فكان التحدى فى كيفية التعبير عن مشاعره وما يمر به من مواقف.
وأوضح يوسف عادل: حاولت تقديم الأداء بشكل تعبيرى، فالطفل يرمز إلى السلام والأمل والبهجة، واستلهمت من الطيور بعض اللزمات الصوتية، مثل صوت الحمام والطيور الجارحة، خاصة فى مشهد الصرخة أثناء وفاة الأم، وكذلك لزمات حركية مثل حركة الببغاء فى الطيران، ونظرات عين الحمام التى تعبر عن الشرود والفرحة الهيستيرية.

يوسف عادل: الدور تطلب وعيًا كبيرًا بلغة الجسد
وأضاف «عادل»: «هذا الدور من الأدوار والشخصيات الدرامية الصامتة يتطلب وعيًا كبيرًا بلغة الجسد، وقدرة على توظيف الإيماءة والنظرة والإيقاع الحركى كبديل عن الكلمة، مؤكدًا أنه عمل على بناء تفاصيل الشخصية من الداخل، بحيث تنعكس حالتها النفسية على كل حركة يقوم بها فوق الخشبة. وأشار إلى أنه اعتمد على التنقل بين حالات شعورية متباينة، من البراءة والدهشة إلى الخوف والانكسار، ليعكس رحلة «الطائر» عبر الأحداث، وأصعب اللحظات كانت فى الحفاظ على صدق التعبير دون الوقوع فى المبالغة، خاصة فى مشاهد الصمت الطويلة التى تتطلب تركيزًا عاليًا وتواصلاً مباشرًا مع الجمهور.
روان ياقوت: أنا «سالمينا» المتفائلة والمحبة للخير والآخرين
وأوضحت الممثلة روان ياقوت: أقدم دور «سالمينا»، وهى شخصية إنسانية دافئة تتسم بالتفاؤل الفطرى، وتؤمن بالخير رغم ما تمر به من ظروف قاسية، إذ تحرص دائمًا على مساعدة الآخرين ومدّ يد العون لكل من حولها، وهو ما جعلها محبوبة من أهل البلدة وقريبة من قلوبهم. وعلى المستوى الداخلى، تحمل «سالمينا» جرحًا عميقًا يتمثل فى فقدان الأم، ذلك الغياب الذى ترك فراغًا عاطفيًا كبيرًا فى حياتها، وجعلها أكثر حساسية تجاه فكرة الفقد.

«سالمينا» تعيش صراعًا إنسانيًا مؤثرًا
وأضافت «روان»: شخصية «سالمينا» تعيش صراعًا إنسانيًا مؤثرًا، فهى إلى جانب ألمها القديم، تخشى فقدان والدها المريض، الذى يمثل لها السند الوحيد، ما يضعها فى حالة دائمة من القلق والترقب، لكنها فى الوقت ذاته تحاول التماسك وإظهار القوة. 
وتابعت «روان»: وشكّل لقاء «سالمينا» بـ«طائر» نقطة تحول فى مسارها الدرامى، إذ ترى فيه تعويضًا رمزيًا عن فقدان الأم، ومصدرًا للأمل والحنان الذى افتقدته، فتتعلق به بشكل عميق، وكأنه نافذتها الوحيدة نحو الطمأنينة.
التوازن بين الهشاشة الداخلية والقوة الظاهرة
واختتمت «روان» مؤكدة: أن التحدى الأكبر فى تقديم شخصية «سالمينا» كان فى تحقيق التوازن بين هشاشتها الداخلية وقوتها الظاهرة، حيث حرصت على إبراز هذا التناقض الإنسانى من خلال الأداء، معتمدة على التعبير الصادق ونقل المشاعر بتدرج، بحيث يشعر المتلقى بقرب «سالمينا» منه، ويرى فيها نموذجًا للإنسان الذى يتمسك بالأمل رغم الألم، ويبحث عن الضوء حتى فى أكثر اللحظات عتمة.

أحمد صدام: أجسد شخصية «أريوس» المرح والحالم
وقال الممثل أحمد صدام، أجسد شخصية «أريوس» الحالمة والمرحة، والتى تمثل العقل والضمير الإنسانى، وتؤمن بأن الغد سيكون أفضل.

عدة تحولات خلال الأحداث
وأضاف «صدام»: شخصية «أريوس» تمر بعدة تحولات خلال الأحداث، وتعبر عن فكرة: ماذا لو فقد الإنسان كل ما يملك فجأة؟ وهو من أصعب المشاعر التى يمكن أن يمر بها الإنسان، وقمت بالاستعداد استعد للدور من خلال ملاحظة شخصيات كبار السن فى الواقع، أثناء التجول فى شوارع الإسكندرية، مع الاعتماد على ماكياج بسيط لإبراز التجاعيد، والتركيز على تعبيرات الوجه.

سيف عزمى: أنا «الشرطى» رمز الحاكم المستبد
قال الممثل سيف عزمى: أقدّم دور «الشرطى»، وهى شخصية تحمل دلالة رمزية للحاكم المستبد، الذى يفرض سلطته على أهل البلدة من خلال الضرائب الباهظة والاستيلاء على أراضيهم. 

تحوّل درامى حاد فى مواقف الشخصيات
وأوضح «عزمي» أن الشخصية تتصاعد فى قسوتها مع ازدهار البلدة، حيث يضاعف الضرائب طمعًا فى السيطرة الكاملة، ما يدفع الأهالى إلى الثورة ضده.
وأضاف «عزمي» موضحًا: «أن ذروة الصراع تأتى حين يلجأ «الشرطي» إلى قرار حرق البلدة انتقامًا، فى لحظة تكشف عن أقصى درجات الاستبداد، لتتفاقم الأحداث لاحقًا بانقلاب أهل البلدة على «الطائر» بعد عجزه عن إنقاذهم، وهو ما يعكس تحوّلًا دراميًا حادًا فى مواقف الشخصيات داخل العرض».

مريم أحمد: سينوغرافيا العرض توحى بالحياة البدائية البعيدة عن التحضر
وأوضحت مريم أحمد، مصممة الديكور: «حرصت على تقديم سينوغرافيا تعكس أجواء الحياة البدائية البعيدة عن مظاهر التحضر، من خلال استخدام خامات بسيطة وطبيعية تخدم الحالة العامة للعرض». 

الديكور لتعزيز البعد الرمزى للمشهد
وأضافت: «قمت بتصميم قطع الديكور فى الخلفية على هيئة جبلين، فى دلالة رمزية على العزلة وغياب مظاهر الحياة، وجاء التكوين البصرى لهما فى شكل جناحى طائر بما يتسق مع فكرة العرض».
واختتمت مؤكدة: «استعنت أيضًا بمجسم لشلال مائى يبدأ فى التدفق مع سقوط المطر، ليكون رمزًا بصريًا يعبر عن تحوّل الحالة داخل العرض المسرحى، ليشير إلى الخير والازدهار الذى يعمّ البلدة بعد دخول البطل، وهذه العناصر جاءت لخدمة الدراما وتعزيز البعد الرمزى للمشهد».

كلمات بسيطة محملة بالمشاعر
وقال الشاعر أحمد الغندور: «إن العرض المسرحى «طائر» يحمل طابعًا إنسانيًا مميزًا، وهذا دفعنى إلى قراءة النص كاملًا بعناية لاختيار كلمات بسيطة ومعبّرة، تحمل فى طياتها شحنة وجدانية تتناسب مع روح العرض».

 التناسق بين المفردات
 وأوضح «الغندور»: حرصت على تحقيق حالة من التناسق بين المفردات، مع مراعاة قربها من المتلقى، مشيرًا إلى أن التعاون مع الملحن جاء بهدف الوصول إلى انسجام حقيقى بين الكلمات والألحان، بما يخدم الحالة الدرامية ويعزز تأثيرها على الجمهور.

فريق العرض المسرحى «طائر»
العرض المسرحى «طائر».. شريحة بيت ثقافة بولكلى بالإسكندرية، بطولة وتمثيل: يوسف عادل فى دور «طائر»، روان ياقوت فى دور «سالمينا»، أحمد صدام «أريوس»، يوسف سلامة، سيف عزمى، فارس أحمد، محمد نصر، عبدالله محمد، محمد حسين، روى مصطفى، نور عبدالهادى، نانسى عبدالشافى، محمد أشرف، أحمد قطب، عمر المرشدى، رحمة عبد الجواد، عبد الرحمن أبو المكارم، أحمد حسن، مرهف سليمان، محمد حسين، عمرو الصاوى، شهاب عصام، محمد معوض، أحمد القذافى.
ويقدم العرض المسرحى مشاركة الأطفال آسر أشرف، ياسين هشام، حمزة هشام، وأروى محمد.


خلف الستار
تدقيق لغوى حبيبة طلبة، أشعار أحمد الغندور، تأليف موسيقى وألحان خالد العزازى، ديكور مريم أحمد، إضاءة جاسر الفرن، فيديو مابينج أدهم ولى، استعراضات محمد علاء، ماكياچ جنة عفيفى، مساعد مخرج فارس راسم، فداء الشريف، مهاب عماد، ومحمود إبراهيم، ومخرج منفذ نايف الترجمان من تأليف محمود جمال الحدينى، وإخراج إبراهيم أحمد.

لجنة التحكيم بالمهرجان الإقليمي
وقدم العرض المسرحى فى المهرجان الإقليمى،  ضمن عروض فرع ثقافة الإسكندرية، الأسبوع الماضى بقصر ثقافة الأنفوشى بحضور لجنة التحكيم المكونة من الدكتورة عبير منصور، أستاذ التمثيل والإخراج ورئيس قسم علوم المسرح بكلية الآداب جامعة العاصمة، مهندس الديكور أمين مرعى، والمخرج المسرحى محمد صابر.
 وينفذ العرض من خلال الإدارة المركزية للشئون الفنية، برئاسة الفنان أحمد الشافعى، وإنتاج الإدارة العامة للمسرح، برئاسة سمر الوزير، وذلك بالتعاون مع إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافى، برئاسة محمد حمدى، ومن خلال فرع ثقافة الإسكندرية، بإدارة الفنانة دكتور منال يمنى.
 


همت مصطفى