«أكثر اتساعًا مني».. بين التيه والمعنى

«أكثر اتساعًا مني»..  بين التيه والمعنى

العدد 961 صدر بتاريخ 26يناير2026

في المسرح المعاصر، لم تعد العروض معنية بتقديم حكايات مكتملة أو إجابات جاهزة، بل أصبحت مساحة لطرح الأسئلة وكشف ما هو مسكوت عنه داخل العلاقات الإنسانية واليومية. تعكس جملة البوستر الدعائي لـ»أكثر اتساعًا مني” : “أوقات كتير بندور على حاجات.. مش عارفين إيه هي”، تعكس الجو العام الذي يسعى العرض لإيصاله، فهي أشبه بحالة إنسانية دائمة من التيه وعدم الاكتمال. و العرض مشارك ضمن مهرجان الاكتفاء الذاتي للمسرح بجامعة عين شمس، لا يقدّم حكاية تقليدية بقدر ما يطرح تجربة مسرحية تعتمد على الرمز والصورة، وتراهن على إحساس المتلقي أكثر من سرده للأحداث.

تدور الأحداث داخل عائلة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها محكومة بنظام صارم يخفي قدرًا كبيرًا من القمع الصامت، حيث تتحرك كل الشخصيات ضمن عالم محدد بقوانين غير مرئية تحكم سلوكها اليومي وعلاقاتها العاطفية. في قلب هذا النظام تظهر ليلى الابنة ككائن مكشوف ومعرّض للتيه والاختناق، فهي الوحيدة التي لم تُرسم على وجهها علامات «المسخ» كبقية الشخصيات، وتعكس هذه المكاشفة شعورها بالفراغ والملل من التكرار اليومي، وانجذابها السريع للرسام يمثل محاولة يائسة للتمسك بشيء حقيقي خارج إطار المقاييس الضيقة لعائلتها. الرسام في المقابل، يمثل الحرية والفن والاحساس الفردي الذي لا يتوافق مع المنطق الصارم للعائلة، ويواجه رفض الأب الذي يضع النظام المادي والاجتماعي فوق أي اعتبار، ما يجعله رمزًا للتمرد الإيجابي في مواجهة القيود المجتمعية والأسرية.
الأب والأم يمثلان الوجهين المتوازيين للقمع؛ الأب يفرض السلطة ويضبط حياة أبنائه بينما يمارس ازدواجية أخلاقية واضحة من خلال خيانته، أما الأم فهي الحارسة للنظام اليومي حيث يُصبح كل فعل _حتى طقس الأكل_ أداة للسيطرة تؤجل المواجهة وتحوّل المشاعر إلى طاقة مقيدة. الابن الأصغر يعيش حبًا صامتًا ويخضع لقواعد صارمة، إذ لا يُسمع صوته أو يُحترم شعوره وهذا يعكس قمع المشاعر والتهرب من الاعتراف بالوجود الداخلي للفرد. أما السمسارة، فهي تجسد القياس الدقيق لكل شيء في الحياة من الشقق إلى الصمت والحزن وحتى اللوحات الفنية، حيث ترفض أي ميل أو انحراف رغم أن هذا الميل قد يحمل معنى حقيقي مثل الذي في اللوحة، ما يجعلها رمزًا للهيمنة على العاطفة والحرية الفردية.
تتداخل الشخصيات جميعها في شبكة من العلاقات المقيدة، حيث كل تصرف أو محاولة للتجاوز يواجه حدودًا غير مرئية، والرمزية تتغلغل في كل تفاصيل العرض من الصمت المكثف إلى الموسيقى والإضاءة التي تضيف طبقة نفسية للحالة الداخلية للشخصيات. كل هذا يجعل المشاهد أمام تجربة مسرحية تتجاوز مجرد السرد، حيث يُحمل كل تصرف ومعنى ضمن إطار أوسع عن القيود الاجتماعية والنفسية.

بحديثنا عن القمع المتمثل في الشخصيات فيمتد ليحكم الفضاء المسرحي ذاته عبر ديكور قائم على ألواح مائلة وخطوط غير مستقيمة ولوحات معلقة توحي بالذوبان وعدم الثبات، وكأن العالم في حالة انهيار دائم. بالإضافة إلى وجود ساعة ذائبة من ضمن الديكور وهذا يعكس أن الزمن نفسه أصبح جزء من التيه والقيود، وأن حياة الشخصيات متأرجحة بين الروتين القاسي والرغبة في التحرر.

يطرح العرض رمزاً بصرياً  من خلال «الباب السحري» الذي تقود إليه السمسارة العائلة، شقة في قلب الشارع تجعل من بداخلها غير مرئي فتخلق حالة من الوجود المعلق. وفي مشهد النهاية عندما تهرب ليلى مع حبيبها إلى هذا الباب، يُفتح الباب  ويظهر الأب والأم جالسين على السفرة، في إشارة إلى أن النظام العائلي يطارد الفرد حتى في لحظة تمرده. ورغم هذا التعقيد الرمزي نجح العرض في استخدام الأدوات المسرحية مثل الموسيقى والإضاءة لتعميق الحالة النفسية للشخصيات، بجانب لحظات كوميدية نابعة من الموقف، فتخلق توازنًا بين الطرح الفلسفي المكثف وإحساس المتلقي بالارتباط والتفاعل. كل هذه العناصر تجعل الديكور والرموز والأدوات المسرحية ليست مجرد دعم بصري، بل لغة ذاتية تترجم الصراع الداخلي والقيود المفروضة على الحرية والحب والفن في عالم يبدو أوسع من قدرة الفرد على الاحتمال.

من أبرز المشاهد الرمزية في العرض، مشهد الكراسي الأربعة التي تتحول من مجرد أدوات مسرحية إلى رمز للحصار والقيود التي تحيط بالشخصيات. في البداية تبدو كأنها سجن يحاصر رغبات الشخصيات ويقيّد حركتها، ويجسد بشكل ملموس الصراع الداخلي والخارجي بين الرغبة في الحرية والقيود المفروضة من النظام العائلي والاجتماعي. ثم تتحول الكراسي إلى ممر يسمح للشخصيات _ ليلى وحبيبها_ بالهروب والبحث عن شئ، ما يمثل لحظة تمرد جزئية وفرصة للهروب من القيود التي تعيق حياتهم، لكنها في الوقت ذاته لا تلغي وجود النظام القائم أو الضغوط التي تحيط بهم.
في مشهد النهاية، ترفع الكراسي وحدها دون تدخل بشري، لتصبح دلالة فلسفية على أن القيود لم تعد مفروضة من الخارج فقط، بل أصبحت جزءًا من البنية النفسية للشخصيات نفسها. ويؤكد المشهد على فكرة أن الحرية الفردية ليست مجرد حركة أو هروب، بل تتطلب مواجهة القوانين الداخلية والخارجية. في هذا الإطار، يتحول المشهد إلى لحظة ذروة تجسد الصراع بين الرغبة في التحرر والقيود النفسية والاجتماعية.

لقد وضع العرض جمهوره في حالة «تيه» مقصودة تشبه تلك التي تعيشها الشخصيات، ليختبروا بأنفسهم شعور البحث عن أشياء غير محددة وسط عالم يزداد تعقيداً واتساعاً. فعلى الرغم من جماليات العرض والرمزية المكثفة في الديكور والحركة والإضاءة، إلا أن أغلب الجمهور واجه صعوبة كبيرة في متابعة الأحداث وفهم شبكة الرموز المعقدة. العديد من المتفرجين تاهوا وسط تداخل الخطوط البصرية والأدوات الرمزية، ولم يتمكنوا من الربط بين الأحداث والمعاني الرمزية، بينما وجد آخرون متعة في اللحظات الكوميدية. هذا الوضع يعكس طبيعة العرض نفسه، الذي لا يسعى إلى السرد التقليدي بل يراهن على إدراك المشاهد وإحساسه بما وراء الحكاية. ومع ذلك، وضع هذا التعقيد الجمهور أمام تحدٍ حقيقي ليصبح الارتباك جزءًا من التجربة، ويجعل المشاهد يفكر في القيود التي تحكم حياة الشخصيات وفي العالم الأكبر الذي يصعب فهمه أو السيطرة عليه.

في النهاية، يترك العرض لدى الجمهور إحساسًا مختلطًا بين الإعجاب بالإبداع الرمزي والدقة في الأداء، والارتباك أمام التعقيد الذي لم يسمح بالكثير من الفهم المباشر. “أكثر اتساعًا مني” ليس مجرد قصة عائلية، بل تجربة مسرحية تتحدى المتلقي وتحوله إلى شريك في محاولة فهم الرموز والقيود الداخلية والخارجية. ومع أن كثيرًا من الجمهور غادر العرض متسائلاً بلا إجابات واضحة، إلا أن هذا الغموض يعكس جوهر العرض نفسه أن العالم أوسع وأكثر تعقيدًا من قدرتنا على الاستيعاب، والحرية الحقيقية لا تتحقق إلا بمحاولة مواجهة القيود سواء كانت خارجية أم جزءًا من أنفسنا.


نورهان ياسر