العدد 965 صدر بتاريخ 23فبراير2026
العنوان الأصلى لهذا المقال هو :
Phenomenologically Absurd, Absurdly Phenomenlogical
ارتبط مفهوم العبث فى المسرح ارتباطًا وثيقًا باستخدام مارتن إسلين لهذا المصطلح، كما هو موضح فى كتابه الصادر عام 1961 مسرح العبث. وبينما يقدم إسلين تاريخًا شاملًا وممتازًا للكتاب والممارسين المسرحيين المرتبطين بهذا التقليد الذى يُنسب إليه الكتاب، فإنه يُمكن القول إنه يُثير مشكلة وجود حدود سياقية للأعمال المسرحية، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، والتى تُفهم أو تُعاش على أنها عبثية. وعلى الرغم من أن الباحثين الفينومينولوجيين فى مسرح صموئيل بيكيت يُجادلون بأن النظريات الوجودية الفرنسية التى يعتمد عليها تحليل إسلين «قديمة» و«مُستخدَمة بكثرة»، فإن أفكاره لا تزال تهيمن وتمنع فهمًا تجريبيًا أكثر شمولًا للعبث فى المسرح. ()
يرتكز مفهوم إسلين للعبث، بتعريفه الواسع، على نسخة محددة من الوجودية تُبرز مفاهيم عدم اليقين، وفقدان المعنى، والعدم، واللاعقلانية، وانعدام المعنى والغاية فى الحياة.() ويُوصَف الوجود الإنسانى، فى جوهره، بأنه متعثر فى تفاعله مع العالم. إنه فئة وجودية: «وجود» فرد مُغترب، منفى عن حياته. يرفض هذا التعريف الوجودى، أو ما شابهه من التعريفات الشائعة للعبث: «غير متناغم مع اللياقة؛ متناقض، غير معقول، غير منطقي»، أو ببساطة «سخيف». ومع ذلك، لا شك أن هذه التعريفات الشائعة أقرب بكثير إلى وصف تجربة الظاهرة التى نسميها العبث. فعندما تُطوَّرت هذه التعريفات وجوديًا ضمن سياقٍ مثل سياق فترة ما بين الحربين العالميتين و/أو سنوات ما بعد الحرب فى القرن العشرين، يصبح من المنطقى بالفعل وصف العبث بالطريقة التى يتبعها إسلين وممارسو المسرح فى هذا التقليد. ومع ذلك، فإن هذا الوصف يُغفل جانبًا أساسيًا من تجربة العبث التى يطرحها مسرح العبث ويعتمد عليها، ألا وهو الطريقة المحددة التى يتمكن بها المرء من «إضفاء معنى على انعدام المعنى». وهذا يعنى أنه حتى فشل المعنى يمكن تجربته كطريقة معينة لإضفاء المعنى، وهذه الإمكانية لخلق معنى من انعدام المعنى تشكل، فى رأينا، جانبًا أساسيًا من عرض العبث على المسرح.
يمكن صياغة فرضيتنا على النحو الأمثل كما يلي: إن جذرية العبث التى يصفها مسرح العبث لا تعتمد فقط على فقدان المعنى، بل على قدرة الإنسان على إيجاد أهمية حتى فى غياب المعنى. إن مجرد غياب المعنى ليس جذريًا بما يكفى للتعبير عن خصوصية التجربة المتناقضة التى يولدها العبث. ويغفل وصف إسلين للعبث عن الخاصية المميزة لتجربة العبث، وهى تجربة يتمكن فيها المرء، بشكل متناقض، من جعل اللامعنى ذا معنى.
نعتقد أن هذا التصور الإيجابى للعبث، الذى يعتبر جزءًا هامًا من النشاط الإنسانى لا سمة سلبية للوجود الإنسانى، متغلغل فى مسرح العبث، ويشكل جانبًا أساسيًا منه، تمامًا كالتحديدات الوجودية التى تركز عليها تحليلات إسلين. ولوصف هذه التجربة، وتوضيح هذه العلاقة بين المعنى واللامعنى، سنتناول مسرحية «نهاية اللعبة» لبيكيت، مع الاستعانة بمنهج فينومينولوجى مستوحى من هوسرل، يحلل بنى تجربة المعنى. على الرغم من أن نظرية إسلين عن العبث تُعدّ نقطة انطلاق حاسمة لتحليل كتّاب المسرحيات والمخرجين الذين شكّلوا هذا التقليد (بيكيت، بينتر، يونسكو، وغيرهم) ومناهجهم تجاه كتّاب المسرحيات المعاصرين (مثل أعمال جون فوس النرويجى المعاصر – الخائز على جائزة نوبل للآداب 2023)،() فإن شبح هذه النظرية المُتقنة، وإن كانت بالية، لا يزال يُلقى بظلاله على مستقبل العبث فى المسرح، لاسيما فى استخدامه كأداة فى كتابة المسرحيات الجديدة، وفى إخراج و/أو دراماتورجيا الأعمال القديمة والجديدة. وانطلاقًا من هذا القلق، تقع على عاتقنا مسئولية إعادة النظر فى العديد من هذه المسرحيات بمفهوم فينومينولوجى مُنقّح للعبث، ربما يكون قد تم إغفاله بسبب قراءة متأثرة بإسلين تمامًا كما يُصرّ عليه أى تنقيح للنصوص المسرحية.()
لا يمكن إنكار دور وأهمية الفينومينولوجيا كمنهج فلسفى لفهم محتوى ودراما المسرحيات المضمنة فى «مسرح العبث». على صعيد السيرة الذاتية، ورغم أن بيكيت أنكر صراحةً أى تأثير للأفكار الفلسفية، إلا أن علاقته بشخصيات بارزة فى التراث الوجودى للفينومينولوجيا أثناء إقامته فى باريس موثقة جيدًا، إلى جانب متابعته للخطوط المثيرة للجدل لهذا الفكر الفلسفى، بدءًا من هوسرل (مرورًا بفيلهلم ويندلباند، أحد أتباع كانط الجدد)، وصولًا إلى تأثيرات هايدجر (عبر تلميذه وصديقه جان بوفريه فى المدرسة العليا للأساتذة فى باريس)،() وعلى الصعيد الشخصى، جان بول سارتر، وسيمون دى بوفوار، وموريس ميرلو بونتى، الذين تفاعل معهم بيكيت جميعًا فى فترة ما بين الحربين العالميتين. سواء أكانت هذه التأثيرات قد تأثرت به بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر من خلال انغماسه فى هذا الوسط، فقد ساهمت بلا شك فى الطابع الفينومينولوجى لأعماله الدرامية والأدبية، وكذلك فى توجيه الدراسات التى تركز على هذا التاريخ.
يُركز منهج إسلين، بحق، على التجربة الخاصة للعبث التى يُتيحها لنا كُتّاب المسرحيات بطريقة أكثر جذرية من الفلاسفة الوجوديين. وفى سياق تطوير نظريته، أشار إسلين إلى العلاقة التاريخية بين الفلسفة الوجودية والمسرح الذى أنتجه كُتّاب مثل بيكيت، مُشكلًا تمييزًا مفيدًا بين «المسرح الوجودي» للفلاسفة، و»مسرح العبث» الذى كتبه الشعراء وكُتّاب المسرحيات. فمن جهة، تُناقش مسرحيات كامى وسارتر «عبثية الوضع الإنساني»، دون التخلى عن «منطقها الواضح والمبنى على أسس متينة»، بينما يُقدم كُتّاب المسرحيات العبث فى صور ملموسة على خشبة المسرح: «مجرد تقديمه فى الواقع». ويكمن تصور إسلين هنا فى أن الأخير يُقدم نظرة ثاقبة إلى «تجربة» العبث، بدلًا من مجرد نظرية عقلانية عن اللاعقلانية.
ومع ذلك، فإنّ مفهوم إسلين قاصر عن تحليل بنى التجربة نفسها التى ساهم فيها بتأكيده على أهميتها إذا كانت التجربة هى ما يميّز هذين النهجين فى تجسيد العبث، فإنّ نظرية العبث فى المسرح (وفقًا لرؤية إسلين) تتطلب منهجًا فينومينولوجى للحديث عن - «وصف» - ما يعتبره فى المقام الأول «ظاهرة مذهلة». نعتقد أنّ هذه السمة من سمات العبث لا يمكن الكشف عنها إلا من خلال الانتباه إلى تجربة العبث التى قدّمها بعض كتّاب المسرحيات الذين ذكرهم إسلين، ومن خلال طرح سؤال فينومينولوجى أقوى حول بنى تلك التجربة: كيف يمكننا وصف الظواهر التى قد تبدو (جسديًا أيضًا) غير متناسقة، أو معكوسة، أو مزعجة، أو لا تتبع المسار المعتاد، إلخ؟ ينبغى طرح هذا السؤال بدلًا من توصيف الظواهر بفئات مستمدة من الوجود. فلو اتُبع هذا التوجه الفينومينولوجى، لربما وجدنا أن العبث أكثر دلالة بكثير مما تسخر منه الفئات المستقرة. وبالعمل مع إسلين ومعارضته هنا، فإن المنهج الفينومينولوجى فى هذا الفصل يقاوم التفسير الوجودى للحالة الإنسانية باعتبارها سلبية عديمة المعنى، بلا غاية، ولا معنى لها، سواء أكانت مدروسة فلسفيًا ومُحكمة الحجة ( كما عند كامو، سارتر، وغيرهما)، أو ظاهرية على خشبة المسرح ( كما عند بيكيت، يونسكو، بينتر، وغيرهم).()
سيركز نهجنا على التجربة بدلًا من تأثيرات التباعد الناجمة عن التخمين النظرى، والتى تنشأ بسهولة من داخل «الموقف الطبيعى» ()، بينما تفسر نظرية إسلين تجربة العبث على أنها وصف فلسفى للوجود الإنسانى. ووفقًا لتحليله، فإن تجربة العبث ليست سوى تعبير (مسرحى أو فلسفي) عن الحالة التى تجد الشخصيات نفسها فيها. وهذا يعنى أن تجربة العبث لا تُحلل لذاتها، بل فقط كتعبير عن شىء آخر - كمظهر من مظاهر الحالة الإنسانية التى تُعتبر المصدر الأصلى لعبثية الوجود. وعلى الرغم من أن إسلين يؤكد أهمية التمثيل المسرحى لتجربة العبث فى المسرحيات التى يحللها، فإن تحليله يركز بشكل أقل على هذه التجربة فى حد ذاتها، وأكثر على الوضع الوجودى الذى يعبر عنه هذا النوع المحدد من التجارب ويكشف عنه. إن معنى العبث الذى تعيشه شخصيات المسرحيات يعود إلى الحالة الوجودية للإنسانية، ولا يمكن إيجاده فى التجربة بحد ذاتها. تحليله يغفل المعنى الحقيقى، لأنه يبحث عنه خارج التجربة، وبالتالى يتجاهله باستمرار.
تطورت مفاهيم إسلين عن مسرح العبث من سياق تاريخى قوى من اليأس الذى أعقب الحرب، والذى يعكس «الموقف الأكثر تمثيلًا لهذا الزمن». ويبدو أن تجربة عبثية الحياة هى بمثابة دراسة لأحداث هذا الوقت، وتُوصَف هذه التجارب بأنها عديمة المعنى. إنها أحداث شكلت بشكل سببى نوع الاستجابات الإنسانية التى تقدمها لنا شخصيات مثل هام وكلوف على مسرح بيكيت. وبدلًا من دراسة بنى تجربة العبث كظاهرة تحمل نفس «تحقيق المعنى» الذى تحمله الظواهر الأخرى، فقد اختُطفت التجربة المعاشة للعبث من قِبَل حقبة، وتم تعريفها وتحديدها بتعريفات مثل: «العبث هو ما يخلو من الغاية [...] الإنسان تائه؛ كل أفعاله تصبح بلا معنى، عبثية، عديمة الجدوى». مع أن هذا يُعد تشخيصًا صحيحًا للحالة الإنسانية فى أعقاب الدمار والخراب الذى خلفته حروب وأنظمة القرن العشرين الشمولية، فهل ينبغى لنا أن نفهم وضعنا الراهن بالطريقة نفسها؟ وإن لم يكن كذلك، فكيف لنا أن نحدد ونحلل ونخلق مسرحًا معاصرًا للعبث ضمن حدود تعريف إسلين، أو أى تعريف آخر مستمد من السياق؟
يتطلب مسرح العبث مفهومًا مستمدًا من الفينومينولوجيا، يتجاوز واقعية الأحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية، ويدرس بنى وعينا القصدى، التى تُعاش ضمن هذه السياقات. يجب أن يكون هذا المفهوم فينومينولوجى متميز بوضوح عن التحليل الأنطولوجى للأفق الوجودى لعبثية الحالة الإنسانية، والذى كان الجانب الأكثر إثارة للاهتمام فى الفينومينولوجيا لتحليل العبثية فى المسرح. لهذا السبب، وبدلًا من أن ينطلق من فلسفات الوجود التى طورها جان بول سارتر أو موريس ميرلو بونتى بعد مارتن هايدجر، يجب أن يعود منهجنا إلى تحليل إدموند هوسرل، مؤسس الفينومينولوجيا، للأفعال التى تمكن المرء من فهم تجربته.
فى الأقسام المتبقية، نعتزم استخلاص مفهومٍ فينومينولوجى للعبث فى المسرح من مخلفات يأس منتصف القرن العشرين. ونقدم مخططًا لتفسيرٍ بديلٍ غير وجوديٍّ لهذه الظاهرة، قائمٍ على نظرية هوسرل فى المعنى ومفهومه عن الإتمام.