للأسف الشديد.. ما كتبه «زكى طليمات» عن «الفرقة الحكومية» فى تقريره، الذى قدمه إلى الوزارة عام 1931 لم يُنفذ، لأنه ربط إنشاء الفرقة الحكومية بمعهد التمثيل وطلابه! ولكن «وزير التقاليد محمد حلمى عيسى» أوقف المعهد بعد عامه الأول، وحوّله إلى «قاعة محاضرات» نظرية، وفصل البنين عن البنات، ومنع المقررات العملية والتطبيقية والتمثيلية، مكتفيًا بالمقررات النظرية، وبناءً على ذلك لم تظهر «الفرقة الحكومية»! وبعد سنتين تجدد الأمر مرة أخرى، عندما تقدمت «دولت أبيض» بمذكرة إلى الوزارة، تقترح فيها تشكيل «الفرقة الحكومية»! وهذا نص المذكرة، التى نشرتها جريدة «أبوالهول»:حضرة صاحب العزة رئيس لجنة مراقبة الفرق التمثيلية بوزارة المعارف العمومية: أتشرف بأن أقدم إلى عزتكم هذا البيان بناء على ما جرى من الحديث بينى وبين معالى الوزير من جهة وسعادتكم من جهة أخرى فيما يختص بمعالجة حالة التمثيل الحاضرة. تعلمون سعادتكم أنه لا يوجد فى مصر الآن غير فرقتين للتمثيل الجدى، هما فرقتا الأستاذ يوسف وهبى والسيدة فاطمة رشدى. وبديهى أن هاتين الفرقتين لا يمكن أن تضما كل من اشتغلوا بالتمثيل فى الفرق التى كانت تشتغل فى مصر فى السنوات الأخيرة. ولذلك فإن هناك فريقًا كبيرًا من الممثلين عاطلون ومنهم فريق كبير من الممثلين النابهين الذى عرفتهم دور التمثيل وعرفهم تاريخ نهضته القريب بما أدوا إليه من خدمات. وقد يرجع هذا إلى سببين أساسيين: أولهما، عدم إقبال أصحاب الفرق الموجودة على العمل معهم مقتصرين فى عملهم على فئة من الممثلات والممثلين الحديثين لقلة ما يتقاضون من المرتبات، ولا نبخس حق الشخصيات البارزة المشتغلة فى الأجواق ولكنها قليلة بالنسبة للذين بغير عمل. ثانيهما، عدم معاونة الحكومة لهؤلاء معاونة منظمة عملية تكفل لهم القيام بعملهم الفنى على الوجه المرضى. وبما أن أصحاب الفرق ليسوا مطالبين مطلقًا بضم هؤلاء القادرين من الممثلات والممثلين إذن فالواجب على الحكومة أن تحل هذا الموقف بنفسها لإنقاذه وإلا اندثرت كفاءة هذه الشخصيات وضعف بجانبها الفن المسرحى الذى تعمل هى كل ما فى وسعها لتشجيعه. وقد حاولت ذلك فعلًا بطريقة اختبار هؤلاء الممثلين وتقديم إعانات لهم تتناسب مع كفاءة كل منهم ودرجته. وجرت من سنة 1925 إلى الآن على تلك الخطة ولكننى – مع تقديرى لهذا المجهود - أتقدم مصرحة بأنه لم يأت بالفائدة المرجوة من ورائه لرفعة الفن، لأن المبالغ التى صرفت للمتفوقين من هذا العهد كانت تتبعثر من غير أى فائدة عملية لفن التمثيل هذا فضلًا عن أن المبالغ التى منحت لمديرى الفرق فى هذا العهد لم تعد بأية فائدة على الفن المسرحى فى ذاته نظرًا لضآلتها بجانب ما يصرفه هؤلاء المديرون من جهة ونظرًا إلى أنهم فى الواقع فى غير حاجة إليها لما تغله عليهم أموالهم التى يعملون بها فى التمثيل. وفى سنتى 1925 و1926 كانت تضم المراسح الموجودة فى مصر فى ذلك الحين أغلب هذه الشخصيات التى نالت الجوائز الحكومية، ولكن الآن فى سنة 1933 أصبح ثلاثة أرباع هؤلاء الممثلين الذين لديهم مؤهلات فنية بدون عمل نظرًا للأسباب المتقدمة ونظرًا لأنهم عاجزين عن توفير رؤوس الأموال اللازمة لكى يقوموا بعملهم الفنى على الوجه الأكمل. والواقع أنه ليس مطلوبًا من الممثل أن يكون بجانب ما له من الكفاءة الفنية من أصحاب رؤوس الأموال. فمن أين لهؤلاء وهذه حالهم أن ينهضوا بالفن المسرحى النهضة الواجبة التى توجب ارتياح المصريين جميعًا حكومة وشعبًا. ولكن الأمل لا زال كبيرًا فى أن تعمل الحكومة من جانبها كل ما يجب لتدارك هذه الحالة. وقد لمسنا جزءًا من هذا الجهد العظيم الذى تقوم به وزارة المعارف لإحياء الفنون إذ خصصت الحكومة جزءًا من إعانتها السنوية لتشجيع التأليف المسرحى وتشجيع المؤلفين المصريين لإنهاض الرواية المصرية وترقيتها وقد أجازت فعلًا عددًا من المؤلفين الذين وقع اختيارها على رواياتهم ولكن هل سينتهى مجهود الحكومة عند هذا الحد؟ أو هل ستعمل لإذاعة هذه الروايات بين الجمهور بتمثيلها، وفى هذه الحالة ما هى الهيئة التى ستنيط بها القيام بإخراج هذه المؤلفات المصرية الصميمة. كل هذه أسئلة تواردت على خاطرى تباعًا وفكرت أن أدلى إلى اللجنة الموقرة باقتراحى هذا عله يصيب عندها قبولًا فتعمل به وهو:«أن تتفضل اللجنة وتعهد لهؤلاء الممثلين الممتازين الذين لا يجدون الآن عملًا ويخشى على كفاءتهم الفنية من الركود بتمثيل هذه الروايات التى اختارتها. ولكن بما أن المال والمسرح غير متوفرين لديهم فيمكن أن تتفق الحكومة عن طريقها مع مسرح حديقة الأزبكية وهو الآن معطل وليست هناك من ورائه أية فائدة. وفى هذه الحالة يمكن للحكومة أن تمهد السبيل للممثلات والممثلين المعروفين للعمل فى هذا المسرح وليكن هذا أولًا كتجربة فنية فإن نجحت كان بها واعتبرت الفرقة التى يعهد إليها بهذا هى «الفرقة الحكومية»، أو على الأقل فرقة تحت إشراف الحكومة تقوم برعايتها ومراقبتها وزارة المعارف العمومية. هذا والمدة التى أقترحها على اللجنة لتحكم بعدها على عمل هذه الفرقة المنتظرة إن كانت صالحة للاستمرار فى العمل أو غير صالحة هى شهران يمثل فيهما أربع روايات. شهر للقيام بالبروفات وما يتصل بها من أعمال الإخراج، وشهر للتمثيل تزورها فى خلاله هيئة اللجنة للحكم على هذه التجربة. هذا ويلاحظ أن هذه الفرقة لا بد أن تمد إليها الوزارة يد المساعدة حتى يتيسر لها إخراج الروايات التى ستقرر بالمظهر اللائق والذى يتمشى مع النهضة الفنية الحديثة. هذا كل ما أود أن أدلى به وأرجو أن أكون قد وفقت فيما أريد والرأى الأعلى للجنة المحترمة التى أرجو أن تتفضل بقبول عظيم احترامى. [توقيع] «دولت أبيض».هذه المذكرة أثارت جدلًا كبيرًا فى وقتها، ورغم ذلك رُفضت! فقد قالت مجلة «الصباح»: «كانت السيدة دولت قد أرفقت بالمذكرة كشفًا بأسماء الممثلات والممثلين الذين ترشحهم للعمل فى الفرقة. فلما التحق أكثرهم بفرقتى الأستاذ عبد الرحمن رشدى والسيدة منيرة المهدية ولاحظت اللجنة فى الوقت نفسه أنه يتعذر عليها الموافقة على المذكرة لأسباب ترى الصباح عدم نشرها «مؤقتًا»، حفظت المذكرة مع المذكرات الأخرى التى سبق أن قدمت لها فى هذا الشأن». وقالت جريدة «المقطم»: «إن السيدة دولت أبيض وبعض الممثلين اقترحوا على اللجنة المؤلفة برئاسة الأستاذ محمد العشماوى بك السكرتير العام لوزارة المعارف توزيع إعانات التمثيل بأن تنفق الوزارة الإعانة المقررة لتشجيع التمثيل المسرحى على تكوين فرقة تمثيلية بإشراف الوزارة.. إلخ. ونقول اليوم إن اللجنة اجتمعت بعد ظهر الثلاثاء وبحثت فى هذا الاقتراح من جميع نواحيه فتبين لها بعد البحث والمناقشة أنه غير عملى فقررت رفضه».وأخيرًا قالت مجلة «الصباح» تحت عنوان «مشروع فرقة الحكومة»: «هو المشروع الذى مجته الأسماع لكثرة ما رددته الألسنة ولم ينفذ، وقد عاد اليوم إلى الظهور، وكان ظهوره هذه المرة فى «قاعة المحاضرات» [البديلة لمعهد التمثيل] فقد أعلن أساتذتها للطلبة أن الحكومة انتهت من بحث مشروع الفرقة الحكومية إلى وضع مذكرة به لرفعها إلى معالى وزير المعارف لإقرارها، وأن هذه المذكرة ستتضمن تأليف هذه الفرقة من طلبة القاعة المبرزين وقد يكون الأمر صحيحًا أو يكون الصحيح فيه أن أساتذة القاعة أرادوا أن يحمسوا طلبتها لينجحوا فى الامتحان فقالوا ما قالوا».تجدد أمر تكوين «الفرقة الحكومية» مع بداية عام 1934، عندما قرر المسرحيون مع الوزارة عقد مؤتمر لإنقاذ المسرح – تابعت جلساته أغلب الصحف الفنية – وشارك فيه من الوزارة «توفيق الحكيم» و«زكى طليمات»، وشارك أيضًا مديرو الفرق المسرحية، ومنهم: يوسف وهبى، وجورج أبيض، وعلى الكسار، وعزيز عيد، وعبد الله عكاشة، ومنيرة المهدية، وعزيزة أمير، وفاطمة رشدى، ولم يحضر نجيب الريحانى. وكان الغرض الذى انعقد من أجله هذا المؤتمر، هو البحث فى الطريقة العملية لتوحيد الجهود وإنشاء فرقة واحدة تأخذ إعانة الوزارة، وقدرها ???? جنيهًا. وبدأت جلسة المؤتمر بأن عرض الأستاذ توفيق الحكيم رئيس اللجنة فكرة عمل اتحاد عام بين جميع الفرق الموجودة حاليًا لتكوين فرقة واحدة تسمى «فرقة اتحاد المسرح المصري»، تضم إليها كل العناصر الصالحة للعمل من جميع الأنواع على أن تقوم تلك الفرقة الكبيرة أو هذا الاتحاد العام بالتمثيل فى مسرح واحد، مع توفير المصروفات المتنوعة التى ينفقها كل مسرح على الإيجار والنور ومرتبات الموظفين وغير ذلك. وتركيز العمل المسرحى فى مسرح واحد لم يعين وبهذا التركيز يتجه الجمهور كله إلى هذا المسرح بحكم عدم وجود غيره فى العاصمة. وجمع الشخصيات الصالحة للتمثيل البارزة فيه فى اتحاد واحد يخرج كل الدخلاء المتطفلين على الفن المسرحى من هذه الدائرة. وبذلك يمكن سد النقص الذى تشعر به بعض الفرق فى عدم وجود عناصر معينة من الممثلين فيها بينما أن هذه العناصر موجودة فى فرق أخرى وغير منتفع بها فيها. وأن أساس هذا العمل يجب أن يكون حسن القصد وتضحية الشخصيات أمام هذه الكارثة المسرحية. وكان أكثر حضرات مديرى الفرق قد وافقوا على ذلك فى الجلسة الأولى، أما فى هذه الجلسة الثانية فقد طلب الأستاذ «يوسف وهبي» أن يؤخذ رأى الزملاء واحدًا واحدًا عن هذه الفكرة ورجا أن يبدأ بأخذ رأى الأستاذ الكسار فأجاب الأستاذ الكسار بأن مثل هذا الاتحاد يجعل نصيبه من العمل ليلة أو ليلتين فى الأسبوع. وهذا لا يكفى مطلقًا لحمل أعباء ما على فرقته من مصاريف ومرتبات وكذلك لا يستطيع أن يتخلى عن العمل فى مسرح الماجستيك بعد عمله فيه أكثر من عشر سنوات وارتباطه بعقود والتزامات مع أصحابه. وطلب الأستاذ الكسار إلى اللجنة أن تعفيه من الاشتراك فى تنفيذ هذه الفكرة وأن تقرر له مبلغًا معينًا كإعانة لسد خسائره التى يتكبدها فى سبيل مواصلة العمل لخدمة المسرح واتصال أرزاق زملائه الممثلين ورزقه. ثم أخذ رأى السيدة فاطمة رشدى فأبدت عدم موافقتها هى الأخرى على الفكرة من أساسها ووصفتها بأنها فكرة خيالية وطلبت أن تقرر اللجنة لها إعانة على العمل الذى قامت به فى مسرح برنتانيا مدة شهر على أنها لا تنوى استئناف العمل بعد ذلك كمديرة فرقة. ودافعت السيدة منيرة المهدية دفاعًا قويًا عن فكرة تكوين فرقة واحدة محترمة وطلبت أن تسير اللجنة فى تنفيذها بأى وسيلة لخدمة المسرح. وسأل الأستاذ يوسف وهبى عن مبلغ لإعانة المنوى صرفه على مثل هذه الفرقة فقيل له إن الباقى من الإعانة التى كانت 1500 جنيه الأن هو مبلغ ???? جنيه مصري! فقال الأستاذ يوسف وهبى إن مثل هذا المبلغ لا يمكن أن يكفى لإنشاء فرقة كبيرة والصرف عليها مدة شهرين لأن عمل السيدة منيرة المهدية مثلًا يقتضى وجود فرقة موسيقية كبيرة وفرقة ملحنين وملحنات لإخراج أوبراتها وهذا المبلغ لا يكفى إلا لشهر واحد فعلى الوزارة أن تكمله إلى ألفين على الأقل إذا كانت تريد تنفيذ فكرتها. ولما لم يقدم أحد من حضرات المديرين الآخرين رأيًا فى تنفيذ الفكرة التى تتجه إليها اللجنة فقد رؤى تأجيل الاجتماع إلى يوم الخميس 8 فبراير للوصول إلى حل يتفق عليه أغلبية أعضاء هذه اللجنة.اهتمت الصحف بهذا المؤتمر، وعلقت على نتائجه تعليقات مقتضبة غير حاسمة! فقد قالت مجلة «الصباح»: بحثنا فى الدوائر الرسمية المتصلة بشؤون المسرح فعلمنا أن اللجنة الإدارية متفقة الرأى على أن لا يتبع فى عرض الإعانة طريقة توزيعها كما عملت فى السنوات السابقة وأنها جادة فى تنفيذ فكرة إنشاء «فرقة أنموذجية». وعلمنا من جانب آخر أن الأساتذة يوسف وهبى، وجورج أبيض، وعزيز عيد، والسيدة فاطمة رشدى قد تباحثوا فى الموقف فى جلسة خاصة وأنهم يميلون إلى تكوين فرقة واحدة تستأنف العمل فى أوائل مارس وأن الأستاذ نجيب الريحانى سيستأنف عمله حالًا. و«الصباح» تأسف كل الأسف لعدم توفيق أعضاء هذه اللجنة الجديدة إلى رأى قاطع فى الانتفاع بهذه الإعانة وترجو أن تكون جلسة الخميس 8 فبراير جلسة نسمع فيها قرارًا حاسمًا يجعلنا نشهد انتعاش المسرح المصرى بجميع أنواعه ويمكنهم من الانتفاع بمبلغ الإعانة فى خدمة المسرح.أما جريدة «البلاغ» فقالت تحت عنوان «اجتماع مديرى الفرق المسرحية بلجنة تشجيع التمثيل»: تم الاجتماع برئاسة العشماوى بك سكرتير عام الوزارة وعضوية الأساتذة إبراهيم رمزى، وتوفيق الحكيم، وزكى طليمات، وقد حضر هذا الاجتماع بعض مديرى الفرق المسرحية وهم الأساتذة يوسف وهبى، وعزيز عيد، وجورج أبيض، ونجيب الريحانى، وعلى الكسار، والسيدة منيرة المهدية، وفاطمة رشدى، ثم تناقشوا جميعًا فى الإجراء الحاسم العاجل الذى يأخذ بيد المسرح إزاء النكبة التى حلت به. وبعد مناقشات طويلة رأى هؤلاء الأشخاص أن خير الطرق هو أن ينضم جميع المديرين والممثلين النابغين فيكونوا فرقة مسرحية واحدة تخرج جميع أنواع الروايات وهذه الفرقة هى التى تمنح كل الإعانة المقررة وقدرها 3000 جنيه. ورأت اللجنة كذلك تشكيل لجنة فرعية من الأستاذين توفيق الحكيم وزكى طليمات لوضع اللائحة الداخلية التى تسير عليها هذه الفرقة التى سيكون اسمها عند تكوينها «اتحاد المسرح المصرى» وستوضع فى هذه اللائحة الأجور التى تعطى لأعضاء هذه الفرقة والطريقة التى ستشرف بها وزارة المعارف على سيرها. وقد وافق الجميع على هذه الاقتراحات ما عدا الأستاذ عزيز عيد والسيدة فاطمة رشدى فإنهما عارضا فى الاقتراح الأول وخرجا غاضبين.