العدد 964 صدر بتاريخ 16فبراير2026
هل يمكن أن يُعاد تشكيل تاريخ المسرح العربى من خلال اكتشاف نص واحد؟
هذا ما يحاوله الدكتور على محمد هادى الربيعى فى كتابه المهم: «عبدالصمد خانقاه: رائد المسرحية الحديثة فى العراق - دراسات ونصوص»، الصادر عن مؤسسة سين والمهرجان المسرحى الدولى لشباب الجنوب فى دورته الأخيرة، ويحتوى على 63 صفحة من الحجم المتوسط.
يهدف الكتاب إلى إعادة الاعتبار لمكانة عبدالصمد خانقاه كأحد رواد المسرح العراقى الحديث، لا سيما بعد اكتشاف نصوصه القديمة مثل مسرحية «مرض» المكتوبة سنة 1952، والتى تُعتبر من أقدم محاولات مسرح اللا معقول فى المسرح العربى، قبل أن تصل ترجماته إلى العالم العربى، وسبق خانقاه بأفكاره وأطروحاته تيارات الحداثة المسرحية التى هيمنت على المشهد العربى بعد الستينيات، حتى إنها سبقت مسرحية «فى انتظار جودو» لصموئيل بيكيت من حيث الكتابة، وإن لم تتجاوزها فى الشهرة أو التأثير العالمى.
خانقاه كما يراه د. على الربيعى
يحكى المؤلف د. على الربيعى فى الفصل التمهيدى كيف عثر على «كتيّب صغير الحجم، عتيق الرائحة، مطبوع بطابعة آلة، يحتوى على خمس مسرحيات قصيرة كتبها عبد الصمد خانقاه سنة 1952، تميزت بأسلوبها الحديث وغير التقليدى، تبنى تيارات فكرية مسرحية مثل اللا معقول: فى مسرحية «مرض» و«التهفهوان»، ثم الرمزية والتعبيرية: فى مسرحيات مثل «فى الغيب»، و«الظلام»، و«موعد مع العيد». كانت نصوصه تحمل طابعًا ثوريًا وتحريضيًا ضد الجمود والواقع الاجتماعى.
يقول الربيعى: «شدّنى عنوان المسرحية الأولى (مرض)، ثم وجدتنى أمام بنية درامية لا معقولة صادمة، تشبه فى رمزيتها وغرابتها مسرحية (فى انتظار جودو)».
المفاجأة أن هذه النصوص تسبق العرض الأول لجودو بسنة على الأقل، وتسبق ترجماتها العربية بسنوات. هذه الحقيقة وحدها تكفى لطرح السؤال:
«لماذا لم يُذكر خانقاه قط فى معاجم المسرح العراقى والعربى؟».
النصوص المسرحية
يرى د. على الربيعى أن مسرحيتى «مرض» و«التهفهوان» تنتميان إلى مسرح اللامعقول بكل مقوماته: اللا حدث- شخصيات نمطية مفككة- حوارات دائرية- رموز كابوسية- شعور بالانتظار، العجز، العبث.
فى مسرحية «التهفهوان» مثلًا، يستخدم خانقاه شخصية رمزية تحمل الاسم نفسه، تتحدث بلا نهاية، وتنتقل من مونولوج داخلى إلى فراغ وجودى، فى مشهد يُعيد للأذهان ما فعله بيكيت ولا نسخ عنه.
أما مسرحيات «فى الغيب» و«الظلام» و«موعد مع العيد»، فتنتمى إلى المدرسة التعبيرية والرمزية، حيث تتجسد الهواجس النفسية والروحية عبر رموز عالية الكثافة، تتداخل فيها الأصوات مع الصور المرئية، وتتعمق فى أزمنة داخلية لا يمكن تمثيلها بواقعية مباشرة.
البنية النظرية
خصص المؤلف الفصل الأول والثانى لتأصيل مفاهيم الدراما الحديثة، موضحًا كيف تشكلت بفعل عوامل فلسفية، علمية، تاريخية، واقتصادية.
وقد أوجز أبرز المدارس الحداثية التى أثرت فى المسرح العالمى، مثل:
الرمزية: التى تسعى لتجسيد ما وراء الواقع الحسي
التعبيرية: التى تخرج من داخل الذات لا من خارجها
الملحمية (بريخت): التى تهدف إلى تسييس المتفرج وتوعيته
اللا معقول: التى تعكس فوضى العالم وغياب المعنى
فى عرضه للفكر الوجودى وتأثيره على المسرح، يستشهد بقول نيتشه:
«الإنسان يجب أن يصنع قيمه، لأن الحقيقة المطلقة غير موجودة»، ليؤكد أن هذا التصور هو ما يمكن تلمسه فى شخصية التهفهوان، تلك التى تنهار أمام خوائها الداخلى دون مرجعية أو مخلّص.
المنهج
اتبّع د. على الربيعى منهجًا علميًا صارمًا فى التحقيق والتأريخ والتحليل، حيث اعتمد على المنهج التاريخى التحليلى. وقد قارن بين نصوص خانقاه وأعمال بيكيت، بريخت، ستيرندبرج وغيرهم. وكشف عن التأثيرات العالمية، والتفرد الذى تميز به خانقاه، رغم محدودية حضوره النقدى.
وقد التزم د. الربيعى تمامًا بـإيراد النصوص كما وُجدت دون أى تعديل. كما التزم بمقارنة دقيقة بين نصوص خانقاه ونصوص عالمية (بيكيت، أونيل، أبسن). وعمل على استخدام المراجع الفلسفية والتاريخية لتوسيع الفهم السياقى للنصوص.
لكنه - بحسب رأيى - كان يمكنه التوسع أكثر فى تحليل البناء الحوارى للنصوص، وكذلك فى تقديم سياق سوسيو-سياسى عن العراق فى بداية الخمسينيات لفهم هذا النوع من الكتابة العبثية المبكرة.
أهمية الكتاب
فى السياق المسرحى العربى يُعد الكتاب وثيقة نادرة تكشف عن مبدع مهم كان مغيبًا عن السردية المسرحية. ويمثل جهدًا أرشيفيًا مهمًا فى حفظ ذاكرة المسرح العراقى. كما أنه يفتح الباب لإعادة تقييم مرحلة مبكرة من المسرح العربى المعاصر.
إن هذا الكتاب لا يُضيف فقط مبدعًا جديدًا إلى قائمة الروّاد، بل يعيد ترتيب القائمة نفسها. إن عبد الصمد خانقاه، الذى عاش ومات دون شهرة أو دعم مؤسساتى، يخرج من هذا العمل ليس فقط كمجرب، بل كأحد أوائل من كتبوا بلغة المسرح الحديث فى العالم العربى.
فى الختام يقول المؤلف:
«أرجو أن أكون قد وُفقت، وشحذت شغف القارئ بصفحات مجهولة وغير مقروءة من المسرح العراقى».
وهو بالفعل كذلك.
أما عن إيجابيات هذا الكتاب فتتلخص في:
• يتميز الكتاب بلغة علمية وتحليل دقيق.
• يتميز بعمق فى التوثيق وتوسيع الإطار النظرى.
• تقديم نصوص مجهولة لمسرحى مغمور لكنه سابق لعصره.
• يجمع بين التحقيق والتفسير والإبداع النقدى. حيث قدم الكتاب رؤية تحريرية تجاه التاريخ المسرحى، فهو لا يكتفى بالتوثيق بل يهاجم التكرار والاجترار فى البحوث.
• يطرح سؤالًا نقديًا جوهريًا: «لماذا لم نعرف هذا الرجل من قبل؟ ومن غيّبه؟ ولمصلحة من تُكرّس أسماء دون غيرها؟»
أما الملاحظات التى تؤخذ عليه فهي:
• اعتمد الكاتب أحيانًا على الافتراض التأويلى غير الموثق، كاحتمال اطلاع خانقاه على بيكيت، دون وجود دليل ملموس.
• تفاوت التحليل بين النصوص، فلم تُحلل جميع المسرحيات بنفس العمق؛ فـ»مرض» و»التهفهوان» حظيتا بتحليل وافٍ، بينما لم يُفصل كثيرًا فى «فى الغيب» و»موعد مع العيد».
البنية الفنية للكتاب:
من حيث اللغة والأسلوب: لغة الكتاب علمية واضحة، ومباشرة دون تكلف حافظ فيها على لغة أدبية سلسة، جعلت النص النقدى نفسه قابلاً للقراءة الممتعة.
بالكتاب مزج ناجح بين النقد الأكاديمى والأسلوب الأدبى، مما يجعل الكتاب ممتعًا للقارئ غير المتخصص.
أما المآخذ الشكلية:
• بعض فصول الكتاب تبدو مطوّلة فى تأريخ الفلسفات والتيارات المسرحية (مثل التعبيرية والرمزية)، وربما كان بالإمكان اختصارها أو دمجها فى تحليل النصوص.
• غياب الصور أو الوثائق أو المخطوطات الأصلية للمسرحيات، رغم أن هذا كان سيُعزّز من الطابع الأرشيفى للكتاب.
بناء على ما سبق فإن التقييم النقدى يتلخص في: امتياز جدة الموضوع- ندرة قيمة الاكتشاف - الجودة العالية التحليل – تحقيق قدر عالى من التوازن بين النظرية والتطبيق.
أما قيمة وأثر هذا الكتاب تتضح فى انه يسهم فى إعادة كتابة جزء من تاريخ المسرح العربى عبر بوابة «العراق». كما أنه يدفع الباحثين لإعادة التنقيب فى الأرشيف المحلى بحثًا عن رواد مغيّبين بسبب عدم انخراطهم فى المركز الثقافى.
فى الختام نقول إن هذا الكتاب هو جرس تنبيه وإيقاظ معرفى مهم فى وجه التاريخ المسرحى العراقى الذى نسى رجلاً كتب باللامعقول قبل أن نسمع عن بيكيت. وهو استعادة ذكية لرائد مسرحى لم يكن له جماعة تنظّر له، فدفن حيًا فى الأرشيف، حتى أخرجه د. على الربيعى إلى الضوء بحس باحث وأمانة مؤرخ، ومخيلة عاشق للمسرح.
عبدالصمد خانقاه رائد كبير خرج من النسيان، وهذا الكتاب هو اختبار لضمير الباحث والمثقف، لمعرفة: هل نحن نكتب التاريخ بصدق أم نعيد تدوير منسوخاتنا المألوفة؟ فالكتاب يجيب بالقول:
الحقيقة قد تكون منسية، لكنها لا تموت.
المؤلف فى سطور:
الأستاذ الدكتور على محمد هادى الربيعى
أستاذ جامعى وباحث أكاديمى ومؤرخ مسرحى عراقى، حاصل على دكتوراه فى الفنون المسرحية من كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل، ويشغل حاليًا منصب أستاذ فى قسم الفنون المسرحية بالكلية نفسها.
تنقّل بين مسئوليات أكاديمية وثقافية عديدة، أبرزها:
رئيس تحرير مجلة «نابو للبحوث والدراسات المحكمة» (2005–2015).
رئيس قسم الفنون المسرحية بجامعة بابل (2009–2013).
عميد كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل (2013–2017).
مساهماته البحثية والمؤلفات:
عرف الدكتور على الربيعى بإسهامه الغزير فى توثيق تاريخ المسرح العراقى والعربى، حيث أصدر ما يزيد على ثلاثين كتابًا فى هذا المجال، تناول فيها:
الرواد المنسيين فى المسرح مثل: عبد الصمد خانقاه، شالوم درويش، أنور شاؤول.
التاريخ المسرحى المحلى مثل: «تاريخ المسرح فى الحلة»، «المسرح المدرسى فى العهدين الملكى والجمهوري».
الإرث المسرحى المفقود مثل: «مسرحيات نعوم فتح الله سحار المفقودة»، و»المسرح المسيحى فى العراق».
الفرق المسرحية المصرية فى العراق: فرق جورج أبيض، يوسف وهبى، فاطمة رشدى.
الدراسات التوثيقية الحديثة مثل: «المسرح العراقى فى وثائق دائرة السينما والمسرح»، و»خزانة ذاكرة مهرجان بغداد للمسرح العربي».
توجهه البحثي:
يتبنى د. الربيعى منهجًا نقديًا توثيقيًا يروم استعادة الذاكرة المسرحية المغفَلة، ويُعد من أبرز من عملوا على:
أرشفة النصوص المفقودة.
إعادة قراءة تاريخ المسرح من الهامش.
ربط المسرح العراقى بسياقاته العربية والشرقية.
انتماءاته الثقافية:
عضو اتحاد الأدباء والكتاب فى العراق.
عضو نقابة الفنانين العراقيين.
عضو جمعية مؤرخى الموصل.