«غيبوبة» عن فندق العالمين

«غيبوبة»  عن فندق العالمين

العدد 824 صدر بتاريخ 12يونيو2023

قدمت الهيئة العامة لقصور الثقافة – الإدارة المركزية للشئون الفنية – الإدارة العامة للمسرح – إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد – فرع ثقافة القاهرة – قصر ثقافة عين حلوان، على مسرح ساحة الهناجر للفنون – دار الأوبرا المصرية، قدمت العرض المسرحي «غيبوبة» من إخراج (حسام التوني) ودراماتورج (ياسر أبو العينين) عن النص المسرحي «فندق العالمين» للروائي والكاتب المسرحي والمخرج الفرنسي المعاصر إريك إيمانويل شميت، المولود في ليون جنوب فرنسا سنة 1960م، وفي سنة 2000م سافر إلى دبلن عاصمة أيرلندا، ثم انتقل للإقامة في بروكسيل عاصمة بلجيكا وحصل على جنسيتها سنة 2008م، وشميت كاتب غزير الإنتاج ومتعدد المواهب شق طريقه إلى العالمية وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الحية، ذاع صيتة برواية «مسيو إبراهيم وزهور القرآن»، عندما تحولت إلى فيلم سينمائي عام 2003م وقام بالبطولة النجم المصري العالمي الراحل عمر الشريف، الذي حصل عن دوره على عدة جوائز، وقد قام الكاتب والمؤلف المسرحي محمد سلماوي بترجمتها للعربية. وكانت أول زيارة لشميت لمصر بعد صدور الترجمة. 
قدمت المسارح العالمية العديد من أعمال شميت الذي درس الفلسفة، فظهرت القضايا الفكرية والفلسفية في أعماله.  
إن النص المسرحي «فندق العالمين» الذي كتبه شميت سنة 1999م يطرح أسئلة فلسفية وجودية: أين نذهب عندما نسقط في غيبوبة ونصبح في منزلة بين العالمين بين الحياة والموت؟ فهو يناقش فكرة إنسانية يتعرض لها أي إنسان. فإن اختياراتنا نحن نتحكم فيها وهي التي تقودنا إلى مصيرنا. إن الله -سبحانه وتعالى- إله الكون لا يعاقب الإنسان بالموت، فكل نفس ذائقة الموت. في هذا النص يقترب شميت من زعيم الوجودية كما يلقب جان بول سارتر، لكن طبقا لمعتقداته. اختار الكاتب فندق ينزل فيه بعض الشخصيات ولا تعلم هذه الشخصيات كيف وصلت؟ وما هي طبيعة هذا المكان؟ فقد وصلت تلك الشخصيات للمكان وهي في حالة غيبوبة، فهذا المكان تصل إليه أي شخصية مهما كانت معاناتها وحالتها الصحية التي دخلت بسببها في الغيبوبة.
 داخل هذا الفندق نجد دكتور أس (آية خميس) ومساعديها (علي الصباحي، وميرنا موسى) يقومون بتنفيذ أوامر قوة عليا هذه القوة قوى خفية تحرك الشخصيات دون أن تعرف ماهيتها، وهي استدعاء الشخصية المطلوبة (للحياة أو الموت)، وأن تدخل الأسانسير، هذا الأسانسير هو الوسيلة الوحيدة التي تدخل للمكان عن طريقه أو تخرج منه كل الشخصيات المريضة، يصدر الأمر لكل مريض على حدة بواسطة د. أس ويتم دخوله الأسانسير طوعا أو كرها، وعن طريق الإشارات الضوئية يتعرف المتلقي على مصير المريض، فإذا أشارت الإضاءة على العلامة الحمراء، فمعنى هذا أن الشخصية تصعد لأعلى أي أنها قد فارقت الحياة، وإذا أشارت الإضاءة على العلامة الخضراء، فمعنى ذلك أن الشخصية عادت للحياة الدنيا. وداخل الفندق نرى مجموعة الشخصيات التي تعبر عن نماذج وأنماط من البشر؛ هذه الأشخاص مرضى في غيبوبة، ومن بين هؤلاء جوليان بورتال (ضياء الصادق) القادم من الخارج إلى الفندق بعد حادث تصادم بسيارته، فقد كان ثملا (في حالة سكر) وهو يقود السيارة بسرعة 200 كم في الساعة، وعند دخوله لم يتعرف على المكان إلا بعد مرور بعض الوقت، ويكتشف أنه يسير بشكل طبيعي على الرغم من أنه عند قدومه للمكان كانت قدمه مصابة ومتورمة، وهو شخص ملحد لا يبالي بأي شيء، وقد صنف على أنه منتحر، ومن داخل الفندق نتعرف على نماذج لشخصيات أخرى، فها هو المنجم راجابور (محمود البيطار) الذي كان يعمل ممثلا تجاريا بسيطا ثم ترقى في عمله وذهب إلى أمريكا، ولكن ظروف عمله منعته عن التواجد بجوار ابنته أثناء مرضها الذي أدى إلى وفاتها، ولذلك احترف مهنة التنجيم، مصاب بغيبوبة سكر، كما نجد الرئيس دلبيك (ياسر أبو العينين) الذي كون ثروة ورئيس لثلاث شركات يمتلكها، موجود نتيجة إصابته في حادث سير، فعندما كان يسير على الرصيف صدمه شخص يقود عجلة كان يسير بها فوق الرصيف مخالفً للقانون، نتعرف أيضا على خادمة تُدعى ماري مارتن (سمية الإمام) إنسانة بسيطة في كل شيء في تعليمها أو إيمانها جاءت نتيجة مرض بالقلب، تروي قصتها وترد على الجميع بحجج بسيطة، لكنها حقيقية جدا وتتحدث عن فكرة الموت وتتساءل هل يوجد بعد الموت شيء، وتظهر لورا (مريم جبريل) الفتاة التي حضرت للمكان سابقا وهي قعيدة لا تستطيع المشي مريضة بالقلب، لكن قبل دخولها نسمع صوت موسيقى راقصة باستخدام آلة الأُرج وعندما تدخل نراها سعيدة مبتسمة تحب الآخرين، تشع بهجة وحيوية رغم معاناتها تجعل جوليان يحبها ويتعلق بها وتصلح من شأنه، فيتحول من شخص غير متزن في تصرفاته إلى شخص متزن محب يحلم بالبقاء مع لورا سواء كان في الحياة الآخرة أو الحياة الدنيا.  
لا توجد أية علاقة بين شخصيات العرض قبل دخولهم المكان، فمن خلال حديثهم سويا يتعرف عليهم المتلقي، ولذلك يشعر أنه يتماس ولو جزئيا مع أحد أو بعض من هذه الشخصيات. 
عندما نتحدث عن كيفية إدارة المخرج للعرض لتقديم رؤيته، نجد أن الدراماتورج ياسر أبو العينين تميز باختزال الكثير من الحوارات في النص الأصلي، كما أنه حافظ علي الفكرة الأساسية وهي فكرة الاختيار والتركيز على أفكار حول حياة الإنسان ومصيره بعد الموت، وكذلك توضيح العلاقات السلبية أو الإيجابية بين الناس في المجتمع ومنها مخالفة القانون، وانشغال البعض بالحياة أكثر مما ينبغي، ومشاكل وضغوط الحياة، وأيضا الحالات الإنسانية وحب الآخرين.
عندما يبدأ العرض يشعر المتلقي أنه دخل عالم الخيال، كما أوضح بأنه على الرغم من أن العرض يدور في عالم الخيال وأن تكون دكتورة أس منفذة لأوامر قوة عليا ولا تفشي الأسرار، إلا أنها تفشي سر تبرع المنجم راجابور بقلبه للورا بعد أن رفض الاستمرار بوجوده على الأجهزة، وتخبر جوليان الذي أحب لورا بهذا السر. عندما يدخل جوليان الأسانسير بناء على الأوامر تنور العلامة الحمراء والعلامة الخضراء معا وتتوقف على هذا الوضع، وينتهي النص الذي كتبه شميت تاركا سؤالا للمتلقي عن مصير جوليان؛ لكن الدراماتورج أضاف مشهدا بأن لورا هبطت لأسفل وتعيش في الحياة الدنيا تبحث عن جوليان، أما هو فما زال في مكانه يعيش في الغيبوبة، وعلى الرغم من هذه اللحظات الشاعرية للإنسان المحب وأشعار أحمد زيدان المفعمة بمشاعر الحب (فرصة تلوح دقة بنعمة تختفي الجروح (...) فرصة تأتي المحبة وتصبح الأغلال رحمة.. ترسوا في أصعب الأحلام خطوة.. أصعب اللحظات بسمة) كنت أتمنى من وجهة نظري أن تكون نهاية العرض هي نهاية مؤلف النص، كما أكد على أن نزلاء الفندق ينتظرون بين عالمين (الذهاب إلى الموت أو العودة للحياة)، فقد أتاحت لهم فترة الانتظار التعرف على أشياء كثيرة كان من الصعب التعرف عليها دون انتظار، ولكن أسهب مؤلف النص وتبعة الدراماتورج لدرجة انتظار المتلقي للحظة أنه يريد التعرف على وماذا بعد، فكان تصدير ذلك الترقب والانتظار مطلوبا، ولكنه كان يجب حذف جزء من الحوار لتقصير المدة الزمنية للعرض حتى لا يشعر المتلقي ببعض من الملل.
أما عن ديكور وأزياء العرض (ناردين عماد)، فقد كانت الأزياء مناسبة للشخصيات، أما الديكور فمن وجهة نظرنا كنت أفضل أن يصمم بطريقة أخرى، وكان يجب الاسترشاد بما ذكره المؤلف داخل نصه المسرحي، ونظرا لأن العرض تم تقديمه في ساحة الهناجر على مستوى صفر، وفي مكان مكشوف، ومن وجهة نظرنا قلة الإمكانيات، فكانت الإضاءة (أحمد أمين) للإنارة. 
من ناحية أخرى، كانت أشعار المؤلف والشاعر (أحمد زيدان) إضافة كبيرة للعرض (كيف يمكن للقلوب بعد موت أن تحب؟ كيف يصبح فجأة للموت قلب؟ (...) نبني للعشاق بيتا شمسه دفء وحب)، وكانت تلك الأشعار مكملة للنسيج الدرامي للعرض كما كانت أيضا حلية جمالية ويشعر المتلقي بالبهجة بسماعه هذه الكلمات بموسيقى من تأليف وألحان (زياد هجرس) وتوزيع موسيقي (مصطفى حافظ) ألقيت بصوت شجي للمطربة (صدفة) واستعراضات (محمد بحيري)، وقد وفق المخرج في اختياره لجميع الممثلين، كما نجح في رسم الحركة بتميز، وكان الأداء التمثيلي محكما ومنضبطا من الجميع. 
كل التحية والتقدير لكل المواهب المشاركة في العرض وكل من ساهم في خروج هذا العرض إلى النور.


جمال الفيشاوي