«استدعاء ولى أمر».. عندما تصبح الشخصية مرآة لتمزقها

«استدعاء ولى أمر»..  عندما تصبح الشخصية مرآة لتمزقها

العدد 964 صدر بتاريخ 16فبراير2026

من اللحظة الأولى، تضعنا مسرحية «استدعاء ولى أمر» لمحمد السورى، إخراج كمال الدين كمال، داخل حالة قلق لا تترك للمشاهد مسافة مريحة للمشاهدة من الخارج. غرفة مظلمة ، شاب وحيد، كلام عن الوحدة والخوف؛ عناصر بسيطة، لكنها كافية لفتح العالم النفسى ليحيى، حيث تتزاحم المخاوف مع ضغط الأسرة والمدرسة. الصراع هنا لا يُبنى كحكاية واضحة المسار بقدر ما يتشكل كحالة شعورية متقلبة تعتمد على الأداء والحركة والرمز أكثر من اعتمادها على السرد المباشر، ليصبح حضور يحيى على الخشبة محسوسًا، لا مجرد شخصية تُؤدَّى.
العرض يحمل أيضًا لمسة تجريبية واضحة؛ الإضاءة التى تتحرك بين الأحمر والأزرق والأخضر ليست مجرد لون على المسرح، بل لغة تعبيرية تنقل الحالة النفسية لكل مشهد، من توتر ومواجهة العنف إلى الأخضر الهادئ الذى يحيط بجلسات يحيى مع الأطباء النفسيين، وصولًا إلى الأزرق الذى يضيف توازنًا بصريًا وسط الصراعات. كما أن شخصية العجوز كامتداد للوعى الداخلى ليحيى، والاستعراضات الصغيرة التى تكشف صراعاته الداخلية والخارجية، كلها أدوات بعيدة عن المسرح التقليدى، لكنها موجهة بدقة لخدمة الفكرة العامة للنص. على الرغم من طابعها التجريبى، تظل المسرحية هادفة وواضحة فى رسالتها، إذ كل مشهد يسهم فى تصوير الصراع النفسى والاجتماعى الذى يعيشه يحيى.
ومن أجمل ما يميز المسرحية جرأتها فى مهاجمة أسس السلطة التقليدية، سواء فى البيت أو المدرسة، بشكل صريح وناقد. المشاهد يدرك كيف أن الرقابة الأسرية والضوابط المجتمعية يمكن أن تكبت الأشخاص، وتعيد تشكيلهم، وكيف تتحول المدرسة من مكان للتعلم إلى آلية ضغط تكبّل الهوية الفردية. النص هنا لا يكتفى بالكشف عن المشكلة، بل يجعل المشاهد يعيد التفكير فى طبيعة السلطة، المسؤولية، وحقوق الأبناء فى مواجهة الضغوط المتراكمة، بما يجعل التجربة ليست مجرد متابعة للأحداث، بل مواجهة نقدية للتفكير فى البنية الاجتماعية المحيطة بالأبناء.
النص يقدم تجربة مسرحية غير تقليدية تركز على الصراع النفسى الداخلى وعلاقته بالواقع المحيط، ويتميز بطابع تجريبى واضح يكسر القواعد المسرحية التقليدية من عدة نواحٍ. الزمن فيه غير خطّى، حيث تتكرر أحداث أو ظهور شخصيات بشكل غير منطقى، مثل تكرار كلام اخت يحيى مرتين فى مشهدين غير متتالين، أو عودة الوالدين أحياء بعد موتهم، ما يربك التسلسل الزمنى ويخلق تجربة شعورية جديدة للمشاهد. الشخصيات تتداخل هويتها، خاصة العجوز الذى يقلد حركات يحيى ويصبح أحيانًا مكانه، حتى النهاية حيث يُكتشف أنه نفسه يحيى، مما يعكس تمزق الهوية والواقع والتركيز على التجربة الداخلية النفسية.
فتكرار الحوارات والأحداث يعكس الضغط النفسى والذنب، ويحوّل اللغة والمشهد المسرحى إلى أدوات للتعبير عن الصراع الداخلى بدلاً من مجرد السرد الواقعى. استخدام النص للرمزية والحركة المسرحية، مثل العجوز المتداخل مع يحيى، يجعل المشاهد يشارك فى تجربة اضطراب الهوية واختلاط الواقع بالخيال، ما يجعل النص خارج حدود المسرح الواقعى التقليدى.

الشخصيات المحورية
يحيى / العجوز:
يحيى شخصية محورية ومعقدة، تجمع بين الحساسية المفرطة والخوف والتمرد الداخلى، لكنه هنا يصبح رمزًا للصراع النفسى والانفصال عن الواقع. تداخل شخصية العجوز فى العرض، الذى يقلد حركاته أحيانًا ويحل محله، يكشف فى النهاية أنه هو نفسه، مما يضفى على النص بعدًا رمزيًا عن انقسام الهوية وانفصال الذات. الجريمة التى ارتكبها – قتل والديه – وحالة التكرار فى المشاهد، مثل ظهور أخته مرتين وهى تواجهه بالاتهام، تعكس صراع يحيى مع الذنب ومعرفته بخطأه، وتحوّل العرض إلى دراسة نفسية مكثفة عن الذاكرة، التكرار الداخلى، والشعور بالذنب المدمّر. مشهد نهايته وانتحاره مقابل وجود والديه على قيد الحياة يبرز التناقض بين الواقع النفسى الداخلى والحقيقة الخارجية، مؤكدًا على الهروب من الذات والصراع المستحيل مع أفعاله.
الأب والأم:
يمثلان السلطة الأبوية التقليدية، لكن من خلال الجريمة والوجود الرمزى فى المشاهد بعد موتهما، يتحولان إلى رمز للشعور بالذنب والصراع مع العقاب الداخلى. تكرار ظهورهما بعد وفاتهما يبرز التناقض بين الواقع النفسى والواقع الخارجى، ويعكس كيف يمكن للسلطة الأبوية والقيود الأسرية أن تترك أثرًا مدمرًا على النفس.

تجسيد التجريبية على الخشبة:
التجريبية لم تقتصر على النص، بل امتدت إلى الإخراج والفنيات المسرحية، حيث نجح الإخراج فى خلق تجربة متكاملة تجمع البعد النفسى مع الرمزية. حركة الممثلين على الخشبة كانت دقيقة ومترابطة مع الرمزية، خاصة فى مشاهد العجوز، ما يعكس تمزق الهوية وخلط الواقع بالخيال. الاستعراضات، سواء فى تكرار الحركات أو الحوارات، ساعدت على إبراز الضغط النفسى والشعور بالذنب داخل الشخصيات، وجعلت الجمهور يعيش التوتر النفسى معها مباشرة.
الإضاءة لعبت دورًا أساسيًا فى تعزيز الطابع التجريبى، إذ استخدمت لتحديد مستويات الواقع المختلفة، حيث تغير الألوان والظلال بما يعكس التوتر النفسى والارتباك الداخلى. الانتقالات المفاجئة فى الإضاءة عززت إحساس الجمهور بالضغط النفسى.
أما الديكور، فكان عنصرًا محوريًا فى تجسيد تعدد الأماكن النفسية والواقعية على الخشبة، فوجود المكتب يدل على بيئة مدرسية والكرسى فوق المنصة هو حجرة المستشفى، بينما يمثل السرير جانبًا من تجربة العجوز ويحيى. الغرف أسفل الخشبة، مثل أوضة الأخت وغرفة الأب والأم، أضافت عمقًا مكانيًا للنص، ما ساعد على التعبير عن العلاقات الأسرية والتوتر النفسى داخل البيت.
بهذه الطريقة، شكل الإخراج والأداء والاستعراضات والإضاءة والديكور وحدة متكاملة، جعلت النص تجربة مسرحية غامرة تجمع بين الرمزية والصراع النفسى، وتضع الجمهور فى قلب تجربة الهوية والواقع والزمن، مؤكدًا الطابع التجريبى للعمل من النص إلى الأداء المسرحى.
فى نهاية العرض، بعد انتحار يحيى تجلس أخته وتكرر نفس جملة يحيى لوالده طوال العرض: «عايزة أقولك حاجة؟»، بينما يحيى يمسك بها كرمز للحماية. هذه اللقطة توحى بأن الصراع النفسى والاجتماعى الذى مر به يحيى سوف يستمر فى الجيل التالى، وأن التجربة النفسية للابناء لا تختفى بسهولة، بل تنتقل بشكل رمزى عبر علاقات الأسرة والضغط المجتمعى.
فهذا المعنى يترك العرض أثرًا يستمر فى ذهن المشاهد بعد مغادرته القاعة. التجريب هنا ليس مجرد ابتكار شكلى، بل وسيلة لتجربة المسرح بطريقة مختلفة، حيث يصبح الواقع والخيال، الماضى والحاضر، جزءًا واحدًا من تجربة حسية وفكرية غنية. كل عنصر على الخشبة يساهم فى جعل الجمهور شريكًا فى رحلة الشخصيات النفسية، ويطرح أسئلة عميقة عن الهوية والذاكرة والصراع الداخلى.


نورهان ياسر