مشكلة المصطلح إلى متى؟ الدراماتورج يشكل غصة في حلق البحث المسرحي العربي دراماتورج..

مشكلة المصطلح إلى متى؟  الدراماتورج يشكل غصة في حلق البحث المسرحي العربي دراماتورج..

العدد 822 صدر بتاريخ 29مايو2023

كثير من المصطلحات مازالت تحظى بالاختلاف حولها في مسرحنا المصري والعربي، منها السينوغرافيا والمعالجة والإعداد والرؤية، وأكثر تلك المصطلحات جدلا هو مصطلح الدراماتورج الذي تعددت المفاهيم حوله ويشيع استخدامه في مسرحنا في غير موضعه، بالإضافة لحصره في وظيفة محددة مرتبطة بالإعداد وتجهيز النصوص المسرحية، في حين أن الغرب قد تجاوز هذا المفهوم لمفهوم أشمل. عن  الدراماتورج ومفهومه ودوره الوظيفي، ومفهوم الإعداد والمعالجة نقدم لقراء مسرحنا هذا الملف 

د. عمرو دواره: «الدراماتورج» مصطح يختلف من دولة لأخرى ومن فرقة إلى أخرى
الناقد المتميز والباحث الكبير د.عمرو دوارة قال: لابد أن أقرر حقيقة مهمة وهي شيوع استخدام كثير من المصطلحات الفنية والمسرحية دون تدقيق في عصرنا الحالي. وللأسف الشديد أن بعض المراجع والإصدارات الحديثة ومن بينها أيضا بعض الأبحاث المسرحية والدراسات الأكاديمية قد اتسمت بعدم الدقة وتضمنت خلطا كبيرا وتداخلا في المفاهيم لبعض المصطلحات الأدبية ومن بينها مصطلحات: الترجمة، التعريب، التمصير، الاقتباس، الإعداد، وذلك بالإضافة إلى إقحام وتوظيف بعض المفاهيم والمصطلحات الجديدة التي ظهرت في نهاية القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة – وتكرر وشاع استخدامها بصورة خاطئة - ومن بينها: الدراماتورج، رؤية درامية، والكتابة فوق الكتابة، مما يتطلب ضرورة ضبط تلك المصطلحات، وتحديد المفاهيم الخاصة بكل منها.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الخلط قد حدث وتفاقم نتيجة لعدة عوامل تضافرت معا ولعل من أهمها: الاعتماد في تحديد معنى ومفهوم كل مصطلح من تلك المصطلحات على الترجمة من بعض اللغات الأجنبية، وبالتالي فقد تضاربت بعض المعاني وتداخلت بعض المفاهيم من خلال اختلاف أساليب الترجمات وتوظيف كلماتها، وذلك بالإضافة إلى غياب التعريفات الخاصة بتلك المصطلحات ببعض المراجع العربية المهمة ومن بينها على سبيل المثال «قاموس المسرح» (بأجزائه الخمسة).
 أضاف: إن المساحة المعطاة للدراماتورج تتغير من ألمانيا إلى فرنسا وإسبانيا وكذلك فإن المسرح الأمريكي يتمتع بوجهة نظر خاصة به في هذا المجال ومما أدى أيضا إلى خلل في تعريف مصطلح «الدراماتورج» تعاظم مكانته في العروض المسرحية الحديثة، حيث ينقسم عمله إلى دراماتورجية النص ودراماتورجية الإخراج والتمثيل والعرض و السينوغرافيا والنقد والإعلام، ويعرٍف البعض «الدراماتورج» بمساعد المخرج في حين يعرفه الألمان بالمستشار الأدبي.
أيضا  التوصيف الخاطئ للمصطلح بالمجال العملي، وإطلاق المسمى على بعض القائمين بمهمة الإعداد (تحويل نص أدبي إلى عمل مسرحي) أو للقائمين بإجراء الاختصارات أو تقديم بعض الإضافات على النص المسرحي، وكذلك على بعض المخرجين الذين يطيب لهم العبث بالنصوص المسرحية وتشويهها!!. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن مصطلح «الدراماتورج» ليس مصطلحا حديثا كما يعتقد البعض!!، بل يرجع البعض ظهور دوره ومهامه بدءً من المسرح الإغريقي وأن «أرسطو» هو أول من قام بالتنظير لدوره. هذا في حين تعود وظيفة الدراماتورج بمفهومها الحديث إلى الكاتب المسرحي جوتلد إبراهام ليسنج- الذي عاش بألمانيا في القرن الثامن عشر- حيث يعتبر أول من قام بهذه الوظيفة ونظر لها في كتابة «فن الكتابة المسرحية في هامبورج»، حيث كانت مهمة الدراماتورج آنذاك تتمثل في تصنيف النوعيات المختلفة من النصوص المسرحية، ومناقشتها ودراسة العلاقات والروابط التي تربط بين تلك النوعيات المختلفة، وكذا الأساليب المتنوعة لكتابتها.

كل شيء تقريبا 
تابع دواره: كما يجب التنويه إلى أن مهام «الدراماتورج» تختلف من فرقة إلى أخرى، ومع ذلك فإنها تتضمن في أغلب الأحوال، اختيار الممثلين، اختيار النصوص المسرحية التي تقدم على مدار الموسم المسرحي بحيث يكون هناك اتساق فيما بينها، مساعدة الكتاب المعاصرين في صياغة النصوص الجديدة وتوفير البيانات والمعلومات والمراجع التي قد يتطلب توافرها تصميم البرامج التدريبية والتعليمية، وأيضا مساعدة المخرج في البروفات، وفي بعض الأحيان يقوم «الدراماتورج» بدور المؤلف في حالة تغيبه لسبب أو لآخر، كما يقوم عادة بعمل أبحاث تتناول النواحي التاريخية والاجتماعية والفترات الزمنية والأماكن التي تقع فيها أحداث المسرحية التي وقع اختيار الفرقة عليها، وذلك لمساعدة المؤلف والمخرج وجميع المبدعين المشاركين في تقديم العمل المسرحي (مصممي الاستعراضات، الديكورات، الملابس، الأكسسورات، الإضاءة .. إلخ) حتى يمكن تقديم العرض بأفضل صورة ممكنة، ومن ناحية أخرى فإن «الدراماتورج» يتولى مسؤولية البحث عن النصوص الجيدة المكتوبة بلغات أجنبية، ويترجم ما يصلح منها للتقديم على خشبة المسرح، ويتولى أيضا مسؤولية الظهور في وسائل الإعلام المختلفة بهدف الترويج للعروض. والحقيقة أن «الدراماتورج» وبرغم تدخله بقوة في جميع مراحل اختيار وإنتاج العروض المسرحية إلا أنه يجب عليه أن يظل مستقلا ومحتفظا لنفسه بعين نقدية لكل أنشطة الفرقة، ساعيا إلى تطويرها، وتحقيق أفضل وضع ممكن لها.
واسترسل د. عمرو دواره: ويتضح جليا مما سبق أنه يجب على «الدراماتورج» أن يكون ملما بالمعلومات والمعارف التاريخية والثقافية، وأن يكون باحثا كفء وصاحب موهبة في الكتابة، صبورا وموضوعيا ودقيق الملاحظة، ولديه القدرة على تحليل البناء المسرحي، ويتمتع بمهارات وخبرات كسب العلاقات والتعاون والقدرة على العمل بروح الفريق. وأن يتميز بالحدس والقدرة على التوقعات السليمة المبنية على الحسابات الدقيقة. كذلك يجب عليه بذل كل ما بوسعه لتوفير كل المعلومات التي قد يحتاجها فريق العمل. ويمكن القول إن مفتاح نجاح «الدراماتورج» يكمن في فهمه للنص جيدا، ومهارته في تحليل الخطاب الدرامي للنص مع تحديد المعلومات والرسائل التي يجب تقديمها للجمهور. هذا ويمكن تقسيم دور أو وظيفة ومهام الدراماتورج، إلى مرحلتين: الأولى قبل إجراء البروفات: حيث يقوم بكتابة قائمة بالمفردات والعبارات والإشارات التي يتضمنها العرض، وتوضيح الغامض منها، الكشف عن معاني أسماء الشخصيات، وتوفير المعلومات عن الشخصيات الحقيقية أو والتاريخية، والتواصل مع المؤلف – قدر الإمكان- ووضع خط زمني ومكاني لأحداث المسرحية، ومراعاة أن يتسق ذلك مع ديكورات المسرحية، هذا مع تقديم الترجمات المطلوبة، مع كتابة سيرة ذاتية مفصلة لمؤلف المسرحية، وإعداد وتوفير المعلومات عن فريق العمل. أما المرحلة الثانية فهي تبدأ مع بداية البروفات وتستمر طوال فترة تقديم العرض، حيث يقوم خلال فترة البروفات بالجلوس بجوار المخرج بغرض الإجابة على التساؤلات أو لطرح تساؤلات جديدة، وذلك مع حرصه على تحقيق التناغم بين الشخصيات والاتساق بين أحداث العمل ككل، كما يقوم بكتابة وتسجيل كل الملاحظات. وتتضمن وظائف «الدراماتورج» أيضا طرح وإيضاح وجهة نظره تجاه أسباب اختياره أو حماسه للنص، ثم تأتي بعد ذلك عملية الترجمة والتفسير ذاتها، هذا مع مراعاة شروط التلقي والتفسير الاجتماعي، خاصة وأن الخطاب الدرامي للعرض والمعاني التي يتضمنها قد تتغير بتغير الظروف الاجتماعية والتاريخية للتلقي.

تعاظم الدور
ونوه دواره إلى تعاظم دور «الدراماتورج» عالميا ومحليا خلال الألفية الجديدة نظرا لعدة عوامل أساسية وذكر أن من أهمها: الاعتماد الكبير على إعداد بعض النصوص الأدبية (الرواية، القصة، القصيدة) وتحويلها لعروض مسرحية للاستفادة من هذا التنوع الكبير في القضايا المطروحة والأفكار المتنوعة، الاضطرار إلى مسرحة المناهج الدراسية كوسيلة عملية لخدمة تلاميذ وطلاب المدارس، وأيضا للاستفادة من تلك التقنيات التكنولوجية الحديثة والتوظيف الأمثل لأجهزة الصوتيات وشاشات العرض لتحقيق إمكانية المنافسة مع القنوات الفنية الأخرى كالسينما والدراما التليفزيونية.
 وتابع دواره: أما المعالجة الدرامية فهو مصطلح غير دقيق لأنه لا يرتبط بالفنون المسرحية فقط بل يقصد به كيفية معالجة أي موضوع أو فكرة دراميا سواء بكتابة قصيدة أو سيناريو لفيلم أو صياغة مسرحية أو كتابة قصة أو رواية .. إذا المعالجة الدرامية قد تشتمل على كيفية كتابة النص المسرحي أو ترجمته أو تعريبه أو تمصيره أو اقتباسه أو كيفية إعداد نص مسرحي عن رواية أو قصة أو قصيدة .
وختم بتسجيل الحقائق التالية: أن مفهوم «الدراماتورج» كمصطلح، يختلف من دولة لأخرى كما أن مهامه تختلف من فرقة إلى أخرى. يشير قاموس أوكسفورد إلى أن «الدراماتورج» هو صاحب الدراما وصاحب الملاحظات الفنية، بينما يشير البعض إلى أنه وظيفة احترافية في عالم المسرح تستعين به الفرق بشكل رئيسي للقيام بأبحاث أو لتطوير النصوص المسرحية لتقديمها في عروض، أي أنه يقوم بمهمة التكوين الدرامي، وتقديم العناصر الرئيسية للدراما وبلورتها علي خشبة المسرح. و يرى «باتريس بافيس» أن المهمة الرئيسة للدراماتورج هي: الترسيخ للقواعد النقدية وتقديم رؤية فنية بمراعاة النظريات المسرحية. أن وظيفة «الدراماتورج» واهتمامه الكبير يكون تجاه العرض المسرحي وليس النص، وبالتالي فإن عمله يكون أقرب إلى طبيعة عمل المخرج وهيئة الإخراج أكثر من اقترابه لطبيعة عمل  المؤلف.
يمكننا استخدام مصطلحي: «تحليل العرض المسرحي» و»الدراماتورجية» علي نحو يجعل كلا منهما في مقابل الآخر بدرجة ما (طبقا لاختلاف درجة تعاظمها)، فربما نستخدم المصطلح الأول بجذور كلمة التحليل أو التفكيك، بينما نستخدم المصطلح الثاني ليرتبط على نحو وثيق بفكرة التركيب والدمج لتجميع العناصر والأجزاء، ليتضمن هذا المعنى محاولة رؤية علاقة كل منها بالآخر. لذلك كله  يجب إعادة هيكلة المنظومة الإنتاجية بمسرحنا المصري بما يكفل واقع جديد لصالح نمو مهنة «الدراماتورج»، مع ضرورة الاهتمام باعتماد منهج دراسي بالمعاهد الأكاديمية لتدريب وتكوين عناصر صالحة للقيام بمهنة «الدراماتورج»، أو على أقل تقدير إضافة مادة جديدة لدارسي قسم الدراما والنقد المسرحي.

د.حسام عطا: مفهوم الدراماتورج مرتبط بمفهوم الفريق المسرحي 
د.حسام عطا أستاذ الدراما والنقد المسرحي بأكاديمية الفنون أوضح الفروق بين المصطلحات الثلاثة ووظائفها قائلا: إن المعالجة الدرامية أو الإعداد الدرامي هي معالجة تتم بنقل نوع سردي أو قصصي إلى نوع مسرحي أو معالجة ذات النوع المسرحي معالجة تجعله يتناسب مع طبيعة فرقة معينة أو ظروف مجتمع معين في توقيت محدد لتحقيق رؤية معينة، و شروط المعالجات الفنية للمسرح أن يقوم المعد الدرامي وليس الدراماتورج بالحذف فقط إذ كان العمل مسرحيا، أما إذ كان منقولا عن نوع آخر من أنواع الرواية أو القصص أو مأخوذا عن فيلم سينمائي إلى المسرح فإن المعالجة هنا مفتوحة في قدرته على الإضافة وابتكار شكل فني وحوار جديد.
وأضاف “عطا” : إذا كان العمل المعالج مسرحيا فالاتفاق العالمي الإطاري الذي يتفق عليه النقاد عرفا وفهما ووعيا بالتقاليد الدرامية هو إمكانية أن يكون المعد الدرامي قادرا على الحذف فقط دون الإضافة، وتترك الإضافات الجديدة للغة المسرح التي يوصي بها المعد المخرج أو في عمله مع المخرج يقوم المخرج بوضعها كلغة الإشارة، الموسيقى، التعبير الحركي، والرقص، الإضاءة، وكافة لغات عناصر العرض المسرحي السبعة المعروفة.

رجل الدراما 
و تابع د. حسام عطا: « أما الدراماتورج فهو صانع الدراما أو رجل الدراما ويتجاوز دوره في العمل المسرحي المعالجة الدرامية، حيث أنه مفهوم مرتبط بمفهوم الفريق المسرحي إذ أن الفرق المسرحية المستقرة التي تراكم تجمعات بشرية من مختلف الأنواع والتخصصات المسرحية يكون لديها هذا الرجل» الدراماتورج « المقيم والمستمر معهم و الذي يتابع عمل الفرقة و بينه وبين فريقه صلات من الفهم والإحساس والقدرة على تبادل الأفكار والعمل المنظم الجماعي، و هو أحد العوامل المساندة للمخرج في تحقيق رؤيته والمنوط به تحضير الأبحاث والآراء والمقترحات لجميع عناصر العمل بما فيهم الممثلين، - في إطار رؤية المخرج - بالإضافة  لتدعيم المخرج وفريق العمل بالدراسات والبحوث والمرجعيات الجمالية والتاريخية وما شابه ذلك من دراسات ضرورية يحتاج إليها الفريق سواء في شكل الملابس أو لهجة الحديث أو نوع اللغة والألفاظ المتداولة في شكل الحركة والسكون، وبعد الانتهاء من صنع العمل المسرحي يبقى للدراماتورج دور هام وهو ما نطلق عليه التلقي الداخلي أو الناقد الداخلي أو الناقد الأول حيث يشاهد العمل بمعزل عن المخرج وفريق العمل ويضع ملاحظات عن العمل ككل ويقدمها للمخرج، لتحسين رؤية المخرج الجمالية والفكرية، وبعد المناقشات يحدد المخرج ما يجب تعديله وتطويره وحذفه وإضافته لعمله الفني حتى يصل إلى الجمهور. أما الدور الأخير وأحد أهم أدوار الدراماتورج فهو افتتاح العرض المسرحي واتصاله بالجمهور، ومتابعة المقالات النقدية، والمتابعات، اللقاءات التليفزيونية والترتيب لها والمشاركة فيها، الترويج للعمل والإعلانات التسويقية، كما أنه منوط  به الإجابة عن التساؤلات التي يمكن أن يطرحها النقاد حول المسرحية، والرد على استفسارات الرأي العام والتواصل معه نقديا باعتبار أنه يمثل الناقد المسئول عن العمل. 

 أحمد خميس: يقوم المخرج بدور الدراماتورج دون الرجوع لمتخصص
 الناقد أحمد خميس قال: بداية لم تكن تلك هي المرة الأولى التي نقابل فيها نفس السؤال عن الدراماتورج والدور الوظيفي للدرماتورج، والحقيقة أنني سبق وطرحت على الرئيس السابق للبيت الفني للمسرح الصديق إسماعيل مختار - وقت أن كنت مسئولا عن لجنة المشاريع- أن ندشن المفهوم ليكون ضمن أنظمة الإنتاج في البيت الفني للمسرح، إذ تمنيت ضمن الطرح أن يكون لكل فرقة عدد من الشخصيات أصحاب الخبرة الفارقة الذين في مقدورهم القيام بذلك الدور المنتشر في مسارح أوروبا؛ حيث يقوم الدراماتورج هناك باختيار النصوص في بعض الأحيان حال طلب منه ذلك وتهيئتها للعرض المسرحى بما يسمح له بالتدخل الفني في ثنايا النص المراد تقديمه، وكذا مساعدة المخرج في اختيار وتطوير عناصر العرض المسرحي بما يعني جمع المعلومات حول التيمات المتضمنة والمناقشة في كيفيات طرحها، وكذا مناقشة الموسيقى والسينوغراف ومصمم الأزياء وبقية عناصر العرض فيما اختاروه من أفكار مناسبة لطبيعة الموضوع الجمالي, وكذا اختيار أو المساعدة القيمة في الإعلام عن العرض وخلق مجال طيب حول طبيعة العرض بما يعني تهيئة المتلقي المهتم لنوع العرض وما يتضمنه من قضايا, نحن هنا نتحدث عن مدير فني للعرض المسرحي يقوم بمهام بحثية وفنية من شأنها تهيئة المجال الفني والإداري.

عدد قليل 
أضاف خميس: والحقيقة إن من نطلق عليهم مصطلح دراماتورج عددهم قليل للغاية خاصة في مصر؛ إذ عادة ما يقوم المخرج بنفسه بذلك الدور دون الرجوع لمتخصص أو طلب المساعدة ممن لديه الخبرة حتى لوحظ مؤخرا أن هناك ما يمكن أن نطلق عليه المخرج المؤلف والإداري في نفس الوقت، والفكرة أن تنامي دور المخرج أعطاه بعض الحقوق التي زادت بشكل كبير مؤخرا، الأمر الذي جعلنا نقابل عروضا بسيطة التكوين خفيفة المعنى تراعي تماما ألا تقول شيئا ذا قيمة أو تطرح قضايا مجتمعية ملحة، أنا هنا لا أعمم وإنما أشير لكثير من تلك الأعمال التي انتشرت في كثير من جهات الإنتاج الحكومية وغير الحكومية, وأرجو أن لا يفهم من حديثي أنني أقلل مما يطرحه مخرجونا فأنا اعرف الراسخ منهم من الخفيف الذي لا يرجو إلا الانتشار، ولو أردنا الإشارة الصحيحة إلى المخرج الدراماتورج من خلال أسماء بعينها سنجد أن عندنا نموذجا طيبا للغاية هو المخرج الصديق طارق الدويري الذي قدم عرض «الزومبي والخطايا العشر» بمنهجية طيبة للغاية، فالعرض يتضمن رواية 1984 وكذا بعض أشعار وديع سعادة مع تضمين الراهن الاجتماعي والسياسي المصري بعد ثورة يناير دون الدخول المباشر إليها، ويمكن تطبيق نفس الفكرة مع عروض أحمد العطار و عبير علي التي لا تتعامل مع النص الجاهز، و إنما النص الرخو إن صح التعبير، وهو النص الذي يمكن إعادة تشكيله بما يتوافق مع الفكرة الأساسية التي يرجى العمل عليها, وكذا هناك أسماء مهمة في نفس الاتجاه تقريبا بدرجات متفاوتة منهم مثلا: سعيد سليمان، و إسلام إمام و هاني عفيفى ومن جيل الشباب محمد جبر و محمد السوري ومحمد علي. 

أشرف عتريس: كلها حيل مسرحية  بلاغية
المؤلف المسرحي أشرف عتريس قال: الرحمة لمن علمونا تعريف وتطبيق مصطلح الدراماتورج، وهم أكاديميين ورؤساء أقسام في المعهد ونقاد نعرفهم جميعا في لجان تحكيم المسرح الجامعي والمسرح الإقليمي منذ 30 سنة على الأقل، أي بداية التسعينيات. نعود إلى كلمة» دراماتورج « فلابد أن تكن مسرحية، وهي فكرة تأهيل النص لعمل نسخة جاهزة للعرض بيد المخرج، حلقة وصل بين النص ومؤلفة وبين المخرج الذي سوف يحيله إلى عرض فيكون الدراماتورج جاهزا بالنص المعدل برؤية خاصة جدا دون حذف وتشويه واستقطاع أهوج ومبتذل.. هكذا نفهم، أما الإعداد فلابد أن يكون عبر وسيط غير مسرحي ضروري جدا كيما نجيز المصطلح بلا جهل .. أي عن قصة قصيرة، رواية، قصيدة درامية متعددة الأصوات، أغنية مثل فاتت جنبنا، ساكن قصادي، وهما نموذجان رائعان للإعداد المسرحى وهكذا.. يكون الإعداد أيضا لتأهيل النص وجاهزيته للمخرج الذي سوف يحوله إلى عرض مع الاحتفاظ بالطبع بالحق الأدبي واسم العمل الأصلي ومؤلفه.
وتابع « عتريس» للأسف نرى الآن ظاهرة ( مكابرة ) يقولون الإعداد أو الدراماتورج اختلفت مفاهيمهما وهذه أكذوبة، هناك من يستشهد بتعريفه في المسرح العالمي– في أوروبا تحديدا_ وبقدم المزيد من التشويش واللخبطة لما نعرفه وتعاملنا معه  في حضور متخصصين مثل رضا غالب، عبد الغني داود، عصام أبو العلا، مدحت أبو بكر، حسن عطية، محمد عبد المعطي، سيد الإمام، مهدي الحسيني وحازم شحاتة .
وختم بقوله: المعالجة والرؤية والصياغة والتمصير والتعميم كلها حيل مسرحية بلاغية بيد شعراء، ومؤلفين، ومخرجين يعشقون اللعب بالألفاظ وكتابتها على (البانفليت) وقد لا تكون محققة بالفعل في النص والعرض.. وسبق أن اصطدمت مع أسماء يخرجون الآن (بالعافية) ويفرضون مصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان ولم يقرها أحد.

د. أيمن عبد الرحمن: دوره ملاصق للمخرج
د.أيمن عبد الرحمن مؤلف وسيناريست قال: التعريفات كثيرة فلم نصل لمفهوم محدد للدراماتورج بعد، ولكن الغالب في المسرح المصري أنه كاتب النص المسرحي، أو من يعيد كتابة النص المسرحي بطريقة مختلفة، و قد اعتبروه كذلك في بريطانيا و في اليونان أطلقوا هذا المصطلح على الكاتب، و لكن تطور الدراماتورج وأصبح له العديد من المواصفات. ولا يستخدم المصطلح سوى مع المسرح و أهم وظائفه إعداد وتطوير النص المسرحي حيث يعمل على النص من خلال علاقته بوجهة نظر المخرج وفهمه العميق له، فدوره ملاصق للمخرج، لا يعمل على الورق فقط، بل يشمل ما قبل البروفات حتى خروج العمل على خشبة المسرح، وقد يشارك في اختيار الممثلين حسب رؤيته وربما يوجههم أيضا، ولابد أن يكون لديه قدرة بحثية ومعلومات دقيقة حول القضايا التي تظهر أثناء العمل.
أضاف: الدراماتورج يقوم بعمل جلسات مع المؤلف والمخرج لربط الشكل بالمضمون، ودوره يوازي دور الناقد حيث أنه ناقد ما قبل العرض ومحلل للأداء يركز في التفاصيل أثناء انشغال المخرج بالإبداع، ويعمل على النص الذي هو الوظيفة الأساسية. أما الإعداد فلن تجد نصا تليفزيونيا معدا، في المسرح فقط تستعين بنص لمؤلف آخر وتعده بالحذف أو الإضافة ليتناسب ورؤية المخرج، ويستخدم الإعداد أيضا في الإذاعة لتحويل نص أدبي لحوار يصلح للإذاعة. بينما المعالجة treatment فتستخدم غالبا في السينما والتليفزيون، ولابد من التفرقة بينها وبين الملخص، أي كيف ستقدم القصة أو الملخص في صورة سينمائية أو تليفزيونية، ولا نستخدم هذا المصطلح في المسرح كثيرا، فسواء كان المؤلف كاتبها أو مقتبسها يكتب في عدد من الأوراق كيف سيعالج القصة لتصلح للسينما أو التليفزيون، ثم يأتي دور السيناريست الذي يحول المعالجة لتتابع المشاهد وفي المسرح نستخدم كلمة ملخص عن المسرحية و هو الذي يُقدم لجهة الإنتاج، بالإضافة لمصطلح رؤية فعمل مثل “سوشي ميديا” الذي قدمته كمشروع في الدراسات العليا مأخوذ عن مسرحية البيت، حيث أعدت رؤيته دون الاستعانة بأي جمل من النص الأصلي، فقط الفكرة العامة “البيت” ..الفكرة و كيف كتبتها وحولتها لشكل معاصر من مسرحية في الخمسينيات لمسرحية تعرض 2019.
وختم بقوله:  لست مقيدًا بالتسميات، فهناك الكثير من المسميات للتعامل مع النص: رؤية، رؤية خاصة لمؤلف كبير، معالجة، ملخص، دراماتورج.

د. أحمد مجدي: يقوم برؤية فنية كاملة.
 د. أحمد مجدي بقسم الدراما والنقد المسرحي بكلية الآداب جامعة عين شمس قال: ليس هناك ما نثق في صحته في مصر والعالم العربي، فهناك من يرى أن الدراماتورج هو الإعداد. والدراماتورج  مهنة مهمة جدا وتُمارس بشكل جاد و أكبر في المسرح الغربي، وتتلخص في البحث والتقصي عن سياقات النص الأصلي وتزويد كافة عناصر العمل بالمعلومات الدقيقة عن هذا السياق متى وأين قُدم، والآراء النقدية التي تبعت تقديمه، ولابد أن يكون الدراماتورج دارساً للدراما أو ناقدا لديه خبرة كبيرة ليقدم النص بشكل أقوى على خشبة المسرح، و أذكر في هذا الصدد ولأهمية الأمر كانت هناك تجربة هامة وهي تجربة المخرج الراحل سعد أردش «كاليجولا» التي قدمها نور الشريف؛ حيث أصدر دراماتورج العرض حينذاك كتابا يضم يومياته أثناء تحضير العرض وكيف عمل على الدراماتورج ووثق بحثه عن سياقات العمل الأصلي للتزويد بالمعلومات و ساهم في كيفية فهم فريق العمل لدوره في خروج العمل بشكل أفضل.
وأضاف» مجدي»: أيضا أن من وظائف الدراماتورج وضع الخطوط العريضة التي يقصدها العمل و تفكيك الشفرات كلها و كأنها مرحلة تنفيذ للعمل قبل وصوله للجمهور، وتلك كانت الوظيفة الأكثر للدراماتورج فهو لا يتدخل في النص الأصلي، بل يقوم برؤية فنية كاملة قبل تقديم العمل على المسرح ليلفت الانتباه للخطوط الرئيسية وسياقات العمل. أي مستشارا فنيا. وأتمنى أن نستحدث تلك الوظيفة في المسرح المصري على أن يتم اختياره بناء على الصفات السالف ذكرها، أما عن الإعداد والمعالجة فهنا تظهر الفروق الهشة فالإعداد؛ هو النقل من وسيط سردي كالقصة أو الرواية لوسيط آخر مثل روايات نجيب محفوظ التي أعدت كأفلام وقد يتحكم في بعض الخطوط الرئيسية والفرعية الموجودة في النص الأصلي فيعده للبيئة والثقافة الموجود بها العمل المقدم والذي يسميه البعض أحيانا المعالجة. والمعالجة لا تكون بغرض تقديم النص لغرض مختلف عن الذي قدم فيه؛ ولكن؛ تغيير في وجهة النظر فيسبغ عليه وجهة نظره، فيخرج المورال الذي أراده، وبالنظر لإيسخيلوس و سوفوكليس و يوربيدس فقد كانوا بارعين آنذاك و هم من يشكلون الفريق ويقومون بمهام الإخراج و الإعداد والمعالجة والدراماتورج، لأنهما ينهلا من منهل أسطوري فيعداها مسرحيا لتكون حوارا و دور المعالجة – إذا افترضنا أن لها دور لأني أرى أن الإعداد نفسه قد نطلق عليه معالجة- ولكن إذا قلنا أنها تستهدف شيئا فسوفكليس واسخيليوس قدما معالجات للأساطير حسب توجهاتهم الفكرية والغرض الذي يريدونه، فيوربيديس كان يأخذ الأساطير وينقلها لعالم الواقع فيستحضر شخصيات مثل الفلاح أو ديكورات مثل الكوخ وهذا غير موجود في الأسطورة حيث كانت تعتمد على الملوك و رفيعي الشأن، فيوربيديس حين قال: إن النبل لا يقتصر فقط على الملوك والأمراء لكن قد يتصف فلاح بسيط بالنبل. فهذا لم يكن في الأصل الأسطوري بل هو من قدمها بهذا الشكل.
أوضح: هنا يعالجها بوجهة نظره الشخصية التي قد تختلف عن الأصل بعد أن أعدها لتصلح للمسرح؛ فيظهر صوت المؤلف بداخله في المعالجة، حتى أنه أحيانا يطلق عليها رؤية وليس فقط معالجة، فأوديب حين فقأ عينه كعقاب لنفسه أراد توضيحا لشيء فلسفي معين، وبالتالي فالإضافات هذه تندرج تحت فكرة الرؤية أو المعالجة أو وجهة النظر.

د محمود سعيد: القراءة بمائه عين 
.عالم لآخر يمكن أن تقارن بما يحدث جسديا حينما يمر جسم مادي من مكان لآخر فتتغير عناصره؛ كأنما نمر من الهواء للماء ومن الثلج للأرض ومن الأرض للنار هي مراحل كاشفة فهناك اكتساب صفات أخرى جديدة وارتداء حلة جديدة، إنها ليست شيئا يضاف بل هي عبور حاجز وتحول. هذا العبور هو في أبسط معانيه حالة الدراماتورج، وهذا التحول هو ناتج عمل الداراماتورج أيضا..الدراماتورج الذي يعي تماما أنه أمام نقص مكتوب في النص ولابد من ترك مكان و فرص لاكتماله ولأن نسيج النص دوما هو في حاجه للكتابة مع أشياء أخرى غير الكلمات، فالنص  يكتب مع الفراغ وبرغبة مذهلة للمرور في الهواء وبداخله الفضاء.
وأضاف « سعيد» : فالنص مع الدراماتورج  دوما قلق، لن يشعر بالهدوء إلا مع إعادة كتابته مرة أخرى مع الجسد ومع الفضاء عبر عمليه الإخراج؛ حيث يصبح العرض نفسه نصا بعدما يقوم بعمل عقد مع الفضاء المسرحي، و يبدو أن كاتب هذا العقد الحديث هو الدراماتورج الواعي بشده بأن كل شيء في المسرح يعد نصا وكل شيء يأتي ليشتبك مع الممثل ومع الفضاء ومع جسد الجمهور.. لذلك فعلى الدارماتورج أن يرى بعشرات العيون، فهو ينظر للغة على أنها دراما مرئية، وأن الفكر يمكن رؤيته، فالمسرح لديه مثقوب ومفرغ وهو من يعيد نسج النسيج بلا ثقوب عبر لعبه الأداء البصري، فالدراماتورج يؤكد لنا أننا نتعلم في المسرح كيف نلتقي مرة ثانية مع كلماتنا بشكل مغاير، يحضر لنا الممثل من عمق المسرح و بداخله فمه الذي ينطق لا إنسانية اللغة.. ففي المسرح يمكن أن نرى الكون كله عبر دراماتورج واع لمفردات لعبته المرعبة خاصة لو كان الدراماتورج واع بحقيقة دوره وحقيقة دور الممثل.. فكلاهما يلتقي في نقطة مهمة وهي أن كلاهما ممسك بالنص ومعطي وحيادي و يقظ و صادح ومنتبه للتلاحق النفسي للانقسام و في اللحظة المنطوق بها.. وأخيرا .. فالنص لا تتم قراءته كليا إلا بمئات الأعين، حيث نسمع معا كل شيء بشكل مختلف.. النص يظهر كل ليلة بشكل مختلف حتى مع تكراره فهو يرى بشكل مغاير عبر جمهور مغاير، المسرح هو مكان التنوع عبر تسلل اللغة كل ليلة بين أجساد جمهور متنوع غامض، واحتشاد للأجساد بشكل غير معلن وغير مرتب... ولأن معنا دراماتورج ماهر يبدو كل شيء منظم ومرتب، فتحليل المغزى الدرامي يمر داخل كل تلك الأجساد المحتشدة على حده عبر قراءة دراماتورجية بمائه عين.

د. محمد عبد المنعم: هي عملية تشكيل الأحداث وملاءمة العناصر داخل شكل 
د. محمـد عبد المنعـم، المخـرج المسرحي وأستاذ التمثيل والإخـراج بقسم المسرح جامعة الإسكندرية قال:  هناك جدل كبير يثار حول مصطلح «الإعداد» ومصطلح «الدراماتورجية»، ومصطلح «المعالجة»، وقد يفصل البعض بين هذه المصطلحات باعتبارها تحمل مفاهيم مختلفة، وتتمايز عن بعضها بعضا فى المفهوم والممارسة، لكني أتوقف عندها  بشكل علمي لنحدد المهام التي يشتمل عليها كل منهم، وإلى أي مدى تتفق هذه المصطلحات أو تختلف.
فبالنسبة للإعداد فقد ذكر معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية أن « الإعداد هو إعادة كتابة شكل أدبي أو لا أدبي في شكل آخر، أو إعادة كتابة عمل أدبي سبق إعداده من قبل في شكل جديد؛ وعلى هذا يمكن إعادة صياغة رواية في شكل مسرحية أو غيره، أو إعادة صياغة مسرحية في شكل رواية للقراءة أو حوارية للإذاعة «؛ ومن ثم يكون الإعداد المسرحى عن جنس أدبي آخر غير المسرح مثل قصة يوسف إدريس الشهيرة «جمهورية فرحات» التى تم تحويلها إلى مسرحية، وقصة يحيى حقي «قنديل أم هاشم» التي أعدها للمسرح المخرج منير التوني. أو يكون إعداد نص مسرحي عن نص مسرحي آخر ليتلاءم مع وجدان المجتمع، وفكر المخرج.
أما عن الدراماتورجية: فهى مصطلح يوناني الأصل مشتق من الكلمة اليونانية Dramatourgia، ويستخدم بمسماه اللاتيني في أغلب لغات العالم حتى في اللغة العربية. وكان ليسينج أول من اشتقه من الكلمة اليونانية في 18ق.م، والمصطلح يعنى عملية تشكيل الأحداث وملاءمة العناصر داخل شكل يمكن تمثيله مسرحيا؛ وعلى هذا فإن الدراماتورجية هي العملية ذاتها، أما القائم بالعملية فيعرف بالدراماتورج  Dramaturg. إن مهام الدراماتورج تشمل عمله مع النص، وتمتد إلى الدعاية، فضلاً عن دوره في تنظيم ندوات للجمهور عن العرض المسرحي. ويُعْرَف الدراماتورج بالمدير الأدبي إذا كان دراماتورجياً مقيماً مع الفرقة، ومن أمثلته كينيث تاينان Kenneth Tynan (1972-1980م) الذي تولى هذه المهمة في الستينيات في المسرح القومي البريطاني بقيادة لورانس أوليفييه. يتمثل عمل الدراماتورج مع النص في تكييفه وتجهيزه للعرض؛ فيقوم بالحذف، والإضافة، والتقديم، والتأخير، وتأويل الأحداث والشخصيات، وابتكار شخصيات جديدة، وغيره، وتنقسم مهامه إلى: العمل مع بعض الأعمال الأدبية غير المسرحية؛ فيحولها إلى مسرحيات مثلما فعل سامح مهران مع رواية بهاء طاهر «خالتى صفية والدير». والعمل مع النصوص المسرحية؛ فيقوم بتحديثها حتى يقربها من الجمهور المعاصر، و العمل مع الورش الإبداعية وكتابة نصوصها أو الإشراف على الكتابة.
وتابع د. محمد عبد المنعم أما المعالجة المسرحية فلقد ورد الفعل الماضي “عَالَجَ” في المعجم الوجيز، “فيقال عَالَجَ الشيء معالجة وعِلاجاً أي زَاوَلَهُ ومَارَسَهُ. وعَالَجَ المريض أي دَاوَاهُ، والعلاج هو ما يُعَالَج به المريض”؛ ومن ثم يُفهم من ذلك أن المعالجة هي التدخل لضبط أمر ما، أو إصلاحه؛ حتى يتكيف ويتلاءم مع الوضع الجديد أو يلائم واقعه. وينسحب هذا المعنى بالمغزى ذاته على مصطلح (المعالجة المسرحية)؛ إذ إن المعالجة المسرحية لقصة ما أو رواية ما أو سيرة أو قصيدة شعرية أو سيناريو أو غيره من ألوان الأدب المختلفة يعني تحويل هذا العمل الأدبي غير المسرحي إلى نص مسرحي خاضع لأصول الكتابة المسرحية، وقابل للتقديم فوق خشبة المسرح، وملائم لطبيعة العصر والمجتمع المقدم إليه، مثل المعالجة المسرحية لرواية نجيب محفوظ (ميرامار) التي أعدها الشاعر نجيب سرور للمسرح الحر، ورواية عبد الرحمن الشرقاوي(الأرض) التي أعدتها للمسرح أمينة الصاوي. أما المعالجة المسرحية لنص مسرحي كُتب مسبقاً فهذا يعني التدخل في لحمة النص الأصلي- كتدخل الجراح بمشرطه كي يضمد جراح مريضه – وإجراء بعض التعديلات عليه؛ من أجل إعادة صياغة النص المسرحي بما يتماس مع المتطلبات العملية للعرض المزمع تقديمه وفقاً لرؤية المخرج، وما قد يتطلبه ذلك من تركيز النص وتكثيفه وتكييفه بما يتواءم مع الذوق الفني المتغير، بحيث يستحيل تقديم النص الأصلي كما هو على مستوى الكم،  فضلاً عن ابتكار شخصيات جديدة، وتقديم سينوجرافيا مبتكرة يمكنها أن تثري العرض المسرحي، وغيره من أمور؛ لأنه قد ينطوي أسلوب النص الأصلي على  تناقض ما مع الوعي والحس بمتغيرات الإيقاع، وطبيعة الصورة، مما يستلزم التدخل الدرامي لإتاحة مساحة من الحرية في التأويل، وخلق الصور المسرحية المناسبة، حيث تتفجر الأخيلة الفنية المفارقة للنص أو الملتصقة به، في وقت واحد معاً؛ مما يؤدي إلى خلق صورة مسرحية تتسم بالديناميكية. 

إيجاز 
تابع: يمكن أن نوجز المهام التي يقوم بها المُعِّد أو الدراماتورج أو المعالج - فيما يخص عمله مع النص فيما يلي:  إعداد نص غير مسرحي إلى نسخة نص مسرحي يصلح للعرض، بحيث يمكن تقديمه فوق خشبة المسرح. إعداد النص المسرحي وتجهيزه بحيث يصلح للعرض فوق خشبة المسرح، وذلك من خلال تنقيحه وتكييفه بما يتلاءم وإيقاع العصر، ووجدان المجتمع، وبما يناسب رؤية المخرج وفكره. ترجمة نصوص للعرض المسرحي من لغات أخرى، وما يتبع ذلك من بعض التغييرات التي تطرأ على النص المترجم، وفقاً لمعطيات الزمن المعاصر، وطبيعة الجمهور المقدم له العرض.  بناء علاقة جديدة بين النص المُعَّد عنه العمل المسرحي- سواء أكان نصاً مسرحياً أم غيره - والعرض المسرحي، بما يتيح مساحة كافية من التأويل وخلق صور مسرحية دينامية تسمح بالاشتباك مع الواقع المعيش. و في حالة اعتماد الصيغ الارتجالية في إنتاج العروض المسرحية الحديثة، يقوم (المُعِّد/ الدراماتورج/ المعالج) بكتابة نص العرض، انطلاقاً من الأفعال الارتجالية التي يمارسها الممثلون على خشبة المسرح خلال جلسات التدريب التي تنظمها ورش الإبداع الجماعي للفرقة. و مما سبق طرحه يتبين أن المصطلحات الثلاثة بمثابة وجوه لعملية فنية واحدة، لا يختلفون في المفهوم أو الوظيفة الملحقة به - رغم اختلاف المسمى – بل يتفقون تمام الاتفاق في الممارسة الإبداعية، للدرجة التي يصبح معها المُعِّد القائم بعملية الإعداد هو ذاته من يقوم بإجراء المعالجة المسرحية، وهو الدراماتورج نفسه القائم بالعملية الدراماتورجية، خاصة وأنه لا يوجد مرادف شائع للدراماتورجية؛ إذ تستخدم الكلمة بمسماها اللاتيني، لذا تستخدم مصطلحات أخرى تغطي بعض الجوانب الدلالية لمصطلح دراماتورجية مثل (معالجة، أو إعداد، أو قراءة، أو كتابة). وأرى من وجهة نظري أن الحل السليم لفض هوجة الاشتباك والالتباس هذه بين المصطلحات، أن ينعقد مؤتمر بمعرفة المجلس الأعلى للثقافة يحضره المسرحيون المعنيون بالأمر، ونتفق جميعاً على توحيد مصطلح واحد نختاره من بين المصطلحات الثلاثة، ونجيزه بموافقة الجميع، ليكون هو المسمى المعترف به والمتداول بين أصحاب المهنة، وتعميم ذلك عبر القنوات المشروعة ونشره على نطاق موسع؛ حتى يسير الجميع على خط موحد !!

باسم عادل: هو المستشار الفني للفريق 
باسم عادل الناقد المسرحي قال: هذا المصطلح قد أثار جدلا واسعا وسط المسرحيين العرب لفترات طويلة، و ذلك لحصر دوره في وظيفة محددة مرتبطة بالإعداد والتجهيز للنصوص المسرحية، بينما تجاوز الغرب هذه الإشكالية منذ ظهور المصطلح إلى مفهوم أعم و أشمل من مسألة الإعداد.فالدراماتورجية هي مسمى العملية نفسها بينما لفظ الدراماتورج تطلق على الشخص الذي يقوم بالعملية، والدراماتورج تعني في تعريفها«رجل الدراما »..أي هو الشخص المسئول عن الجوانب الفنية و الدرامية التي تخص العمل المسرحي. و لعل أول ظهور للفظ الدراماتورج كان على يد ليسنج في منتصف القرن الثامن عشر حينما وضع كتابه « دراماتورج فى هامبورج « و تبلور فيما بعد المفهوم ذاته و اتضحت مهامه مع ظهور بريشت في القرن العشرين. هذا فيما يخص تحديد الظهور التاريخي للمصطلح إلا أن مفهوم « رجل الدراما» ظهر متوازيا مع ظهور المسرح نفسه و تبلوره على يد اليونانيين منذ ثيسبس و مرورا بأيسخيلوس و سوفوكليس و يوربيدس و غيرهم من اليونانيين، فقد كان الكتاب آنذاك هم من يشكلون الفريق و يقومون بمهام التأليف والإخراج والتمثيل وتصميم الأزياء والمناظر وغيرها من الأمور الفنية قبل أن تنفصل هذه المهام وتصبح تخصصات مع تطور المنظومة المسرحية ذاتها؛ ولذلك كان كل منهم هو رجل دراما بمعنى الكلمة يقوم بالإشراف على كافة الأمور الفنية بل و يشارك فيها .
 أضاف: و من هنا بدأ مفهوم الدراماتورج نفسه في التبلور عند الغرب. و وفق ما سبق يمكن أن نعرف الدراماتورج بأنه المستشار الفني للفريق الذي يرجع إليه أفراد العمل بما فيهم المخرج في كل ما يخص جوانب العمل الفنية والدرامية، فهذه الوظيفة تشكلت عند الغرب بمسماها ذلك لوجود كيانات وفرق مسرحية قائمة و ثابتة في إنتاج عروض مختلفة بشكل دوري، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى وجود دراماتورج لوضع خطة وإستراتيجية إنتاجية للفرقة بشكل دوري أو سنوي من خلال تحديد النصوص التي ستقدمها الفرقة على مدار عام مثلا وتجهيزها عبر مسألة الإعداد والمعالجة لتصلح للعرض على خشبة المسرح في الوقت الراهن، وكذلك اختيار المخرجين الذين سيقومون بإخراج مثل هذه النصوص بل من الممكن أن يمتد الأمر إلى ترجمة بعض النصوص من لغة إلى أخرى لتقديمها إن كان الدراماتورج يملك لغة أجنبية و قادر على تحويل النصوص من لغتها الأم إلى لغة أخرى تصلح للتقديم على خشبة المسرح، وحتى في ظل وجود مؤلف يعمل الدراماتورج كحلقة وصل ما بين المؤلف والمخرج في التوفيق بينهما فيما يخص الحذف والإضافة من و إلى النص حتى يتبلور النص في شكله النهائي، هذا فيما يخص دوره في مرحلة ما قبل البروفات، وفي أثناء البروفات يقوم بالإجابة على كل تساؤلات المخرج و فريق العمل حول النص وجوانبه الفنية و الدرامية وملابساته التاريخية إذا كان النص تاريخيا على سبيل المثال أو مرتبط بحادثة أو واقعة تاريخية؛ فهو باختصار المنوط به إضاءة وعي المخرج و كل فريق العمل وإمدادهم بكل ما يخص النص حتى يسهل مهمة المخرج في وضع رؤيته الفنية للعمل.

رجل مؤسسة 
تابع: وفي مرحلة العرض وما بعد العرض، يقدم الدراماتورج ملاحظاته الدائمة على العرض إلى المخرج و كل فريق العمل بهدف التجويد والتصحيح لمسار الرؤية الفنية المتفق عليها من البداية، و يكتب أيضا المقالات النقدية التي تحلل و تفسر و تقيم العرض،  وكذلك هو المسئول عن الملف الإعلامي للفريق، و يتحدث باسمه في وسائل الإعلام لأنه الأكثر إلماما بإستراتيجية الفريق و خططه و تاريخ الفرقة وأعمالها الفنية، وهو المسئول أيضا عن الندوات النقدية التي تخص العرض عبر الاتفاق مع المتحدثين و توثيق الندوة نفسها وإدراجها في الملف الإعلامي للفريق. إذن نحن أمام رجل يعمل كمؤسسة فنية متحركة تستوجب من الأكاديميات الفنية اهتماما وإعدادا خاصا في العناصر الفنية كافة، حتى يستطيع القيام بمهمته على أحسن وجه ... و لذلك نجد في الجامعات الأوروبية والأمريكية اهتماما خاصا بهذه الوظيفة و إفراد تخصص فني في الكليات الفنية باسم قسم الدراماتورج يحصل الدارس بموجبه على شهادة البكالوريوس ثم الماجستير ثم الدكتوراه في هذا التخصص..و من كل ما سبق يمكن لنا أن نقارن وظيفة الدراماتورج عند الغرب و اقتصار المفهوم ذاته على الإعداد عند العرب... بل لا يوجد _ في حدود علمي _ تخصص دقيق لهذا القسم في الأكاديميات الفنية عند العرب بل اقتصر تدريسها كمادة من المواد في قسم الدراما و النقد المسرحي كما درستها أنا بمعهد فنون مسرحية. إننا في حاجة لنظرة أشمل وأكثر تطويرا للمنظومة المسرحية حتى تتجاوز ما هو سائد عبر الاستفادة من تجارب الآخرين، فليس لدينا على سبيل المثال وظيفة حكومية في المسارح أو في وزارة الثقافة أو حتى في مؤسسات خاصة تسمى الدراماتورج لغياب الدور الحقيقي الذي يلعبه رجل الدراما، بل يتفرق دمه ووظيفته ما بين المؤسسات والمكاتب الفنية التي تقوم على المصالح فقط.

أنور الشعافي: حربائية وتحول المصطلح مرتبطة بتحول الجماليات المسرحية. 
أنور الشعافي المسرحي التونسي قال: مصطلح الدراماتورج غير ثابت؛ فقد كان يعني في أصله الإغريقي الكاتب المسرحي الذي  كان فيه الكاتب المسرحي و المخرج متماهيان حتى ظهور  وظيفة المخرج منذ 1874 مع جورج الثاني دوق مقاطعة ساكس مينينجن الألمانية، وقد اكتسب مصطلح الدراماتورجيا معناه الحديث مع ليسنج  ليشمل معان أخرى أولها إعداد  النص سواء أن كان مسرحيا بإعادة صياغته تبعا لرؤية المخرج أو أدبيا إنطلافا من رواية أو قصة بنقلها إلى نوع آخر له تقنياته الخاصة وهو المسرح، ثم واصل المفهوم تطوره مع يوجينو باربا حين  تحدث عن دراماتورجيا الممثل الذي يكتب نص العرض بإيماءاته و صوته و حركاته، وأصبحنا الآن نتحدث عن الدراماتورجيا البصرية التي  تشكلت خاصة في العروض» الما بعد درامية» كما نظّر لها هانز ليمان، والتي تصبح فيها الدراماتورجيا شاملة لبقية مفردات العرض لا المنطوق اللفظي فحسب و قبله  عروض الرقص المسرحي الذي ظهر مع الألمانية بينا باوش،  خاصة منذ  عرضها - المرجع Café Müller، ثم واصل المصطلح رحلته ليصبح الحديث الآن عن دراماتورجيا المشاهد في العروض المستندة للحركة و الإيماءة و الصورة لكنها بمعنى و خطاب صامت لفظيا لكنه ناطق حركيا وبصريا وسمعيا يترجمه المشاهد آنيا فهو بذلك يأخذ وظيفة دراماتورج.
و “ أضاف الشعافي “ كما يجب الانتباه إلى مفهوم آخر موجود في المسرح الألماني وهو الدراماتورغ Das dramaturg و يعني المرافق النقدي و الجمالي للمخرج و ليس كاتب النص الذي يسمونه Das dramatiker . فما نلاحظه في مصطلح الدراماتورجيا هو حربائيته و تحوله وهذا مرتبط بتحول الجماليات المسرحية نفسها وهذه مسألة طبيعية؛ فالمفاهيم تتطور حتى يمكنها أن تعبر عمّا تطور وهذا أكد استمرار المسرح حيا لا ينقرض لأنه فن طازج،  ولم تستطع السينما نفيه حين ظهرت سنة 1895 و لا التلفزيون حين ظهر سنة 1926، لذلك سيبقى المصطلح متحولا مادام المسرح فنا لا يستكين، يتغير و تلك هي ماهيته.
وتابع المسرحي أنور الشعافي موضحا الفرق بين الدراماتورج والإعداد والمعالجة قائلا: لا بد من الانتباه إلى بعض المصطلحات المستعملة بشكل متداخل أحيانا رغم تباينها فالدراماتورج - كما أسلفنا- يمكن أن يشمل نصوصا غير مسرحية في أصلها، و الدراماتورج هو الذي ينقلها إلى لغة المسرح كفن طازج ومرئي يُعرض أمام مشاهدين؛ لذلك لابد من نقله إلى القواعد التي يستند إليها المسرح . و نرى أن مصطلح إعداد قريب منه فرجوعا إلى معناه اللغوي فالإعداد يعني التهيئة و يعني في هذه الحال إعداد أو تهيئة النص للركح أو لو شئنا مصطلحا أكثر خصوصية، مسرَحة النص.
و أما المعالجة فنراها تعني الجانب الإخراجي وتعني لغويا اتخاذ مجموعة من الإجراءات أو الخطوات اللازمة للتحول من شكل إلى آخر، فتكون بذلك مجموعة الإجراءات هنا هي مختلف الجوانب والعناصر المكونة للعرض المسرحي مثل تصور المرجعيات الجمالية و أساليب إدارة الممثل و السينوغرافيا.

عجاج سليم: مهنة أصابها بالوهن. 
د.عجاج سليم المسرحي السوري قال: بعيدا عن التوصيف الأكاديمي  لمهمة الدراماتورج. أو عملية الدراماتورجيا. فإننا تستطيع القول أن هذه المهمة؛ أو الوظيفة  (كما يحب أن يطلق عليها البعض من العاملين في المسرح) رافقت ظهور المسرح كما نعرفه بشكله الحالي، والذي انطلق من اليونان على أيدي من نعتبرهم ( الآباء) الشرعيين للمسرح العالمي: سوفوكليس، اسخيلوس، يوروبيدوس، أريستوفانيس، واستمرت هذه المهمة مرافقة لمسيرة المسرح، وبشكل حيوي مرتبطة بما سمي مسرح المؤلف؛ كما نقول: مسرح سوفوكليس، مسرح شكسبير، مسرح موليير، إلا أن ما يميز هذه الأسماء هو الصفة التي يعتز بها كل إنسان عامل في المسرح كتابة و إنتاجا وتمثيلا.. وهي  ( رجل مسرح ). فالمسرح اليوناني باعتباره المنطلق العالمي للمسرح.. و ما تلاه من عصور مرتبطة بأسماء حضارات قديمة عرفها العالم.[ اليونانية. الهلنستية. الرومانية. الكلاسيكية الجديدة وعصر النهضة..] وصولا إلى  بدايات القرن التاسع عشر؛ حيث برزت مهنة المخرج بشكلها الذي نعرفه، خلال تلك الفترات حمل من سميناه رجل مسرح، مهام التأليف للمسرح بما يعنيه ذلك من التمكن من خصوصية الكتابة الدرامية، وامتلاك التقنية الملائمة لإنجاز عرض مسرحي يحقق قوانين الدراما ويدرك طبيعة الجمهور الذي يتوجه إليه، ويبني مفردات عرضه المسرحي من خلال معطيات زمكانية، تاريخية واجتماعية واقتصادية ؛ وصولا إلى مرحلة البروفات والعمل مع الممثل والمسئولين عن عناصر العرض المسرحي من ديكور و أزياء و موسيقى. إلخ .. ولو استعرضنا هذه المهام بتمعن لوجدنا أنها اشتملت على عمل الدراماتورج . 
وأضاف» سليم» ويعتبر بعض النقاد أو الدارسين للمسرح أن مهنة الدراماتورج قد اختفت بعد مرحلة المسرح اليوناني ليظهر في القرن الثامن عشر على يد الألماني( يوهان سليجل ).. إلا أن الدارس الممارس لفن المسرح يدرك ببساطة أن مهام [ المؤلف/ الصانع للعرض المسرحي] هي نفسها لم تتغير، بهذا الشكل تكون مهمة الدراماتورج البحث والدراسة واختيار النص الملائم الذي يوافق هوى الفرق المسرحية التي اعتمدت هذه المهمة، وتقديم المعلومات الكافية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تميز الفترة التي تجري فيها أحداث المسرحية، ونوعية الأسلوب الأدبي للنص المختار، وهذا كله يحدث قبل بدء البروفات. و تستمر وظيفة الدراماتورج خلال البروفات..ليقدم النصح والتوجيه المطلوب بما يساهم في المحافظة على النوع المسرحي، و الإشارة إلى التطورات والأحداث التي تدفع بالممثل والعرض لتقديم الشخصيات في مسارات حيوية منسجمة مع طبيعة وأسلوب العرض، وكذلك تستمر وظيفة الدراماتورج مع بدء العروض أمام الجمهور. 
تابع : نحن إذا أمام تعريف لوظيفة الدراماتورج كشخص..أما الدراماتورجيا فهي تعني تدريم أو تحويل طبيعة نص أدبي _ رواية. قصة قصيرة. ...إلخ إلى نص مسرحي يحمل خصوصية الكتابة المسرحية بما تتضمنه من لغة الفعل و الحركة، والدلالة، والإشارة، والتكثيف، وتحقيق قوانين درامية جوهرية مثل الصراع أو بناء الحدث بأسلوب درامي. وتبرز الحاجة بشكل أكبر إلى عمل الدراماتورج في العروض المعاصرة التي لا تنهج آلية نمطية في العمل، أي اختيار نص مسرحي والعمل عليه. بل تعتمد فكرة أو حدثا من مصادر مختلفة، وتتم عملية إنجاز العرض والنص المحمول في العرض من خلال البروفات، أو ما يسميه البعض «الكتابة على الخشبة».
أيضا تحتاج عملية مسرحة المناهج التعليمية إلى هذه المهنة التي تتحمل العبء الكبير من خلال تحويل المادة التعليمية الجافة نسبيا إلى حياة متوهجة بلغة وشروط المسرح. وقد اعتمدت مسارح الغرب على هذه الوظيفة، واقصد تلك المسارح المستمرة في الإنتاج وتملك ريبورتوارا  « بشكل مستمر، ولا تعاني من أزمات مالية أو دعم لوجستي، إضافة للعراقة التي حققتها تلك المسارح و السمعة الجيدة عند الجمهور، وحيث عجلة الإنتاج  لا تتوقف.. يصبح دور الدراماتورج نقطة مركزية في البرمجة والمتابعة والمشاركة . وبالتالي في ظل عدم وجود ظروف إنتاجية صحية، وغياب دور المسرح كضرورة اجتماعية في حياة الأفراد والمجتمع -كما نشهد في دول عدة ومنها طبعا المنطقة العربية- فإن الحديث عن دور الدراماتورج يشكل غصة في حلق البحث المسرحي العربي، وحاضر وعمل الفرق المسرحية الرسمية منها والخاصة؛ لأن تلك الفرق لا تملك ذلك الترف والرعاية المجتمعية للمسرح، وينعكس ذلك في قلة الإنتاج لعروض مسرحية مبرمجة بانتظام. ويتحمل عدة أفراد في الفرق المسرحية مهام قد توزع بشكل مختلف وتخصصي في مسارح الفرق الغربية، وهكذا تصبح مهمة الدراماتورج في مسرحنا مهمة نافلة وزائدة، لاستخفاف أو عدم فهم وتقدير لتلك المهمة أولا وغياب الحضور التاريخي لتلك المهنة وبالتالي لم يتطور حضورها وفعاليتها في مسيرة الحياة المسرحية العربية، إضافة للتغافل في إعداد الباحث/ الدراماتورج، في الأكاديميات  المسرحية أو الفنية العربية، واختلاف المدارس الفنية التي تعد الممثل أو المخرج المسرحي في نفس الأكاديميات  العربية، وهكذا لغياب الشروط الملائمة لحضور وظيفة الدراماتورج في مسرحنا العربي، أصيبت تلك الوظيفة بالوهن واكتست اللون الباهت؛ مما أدى إلى غموض يتبعه تشويه لمعنى وأهمية ودور وظيفة الدراماتورجية والدراماتورج في الحياة المسرحية العربية. ولابد من الإشارة هنا إلى أهمية المناهج التي تعتمد في عملية تكوين الممثل أو المخرج تنمية ملكة التحليل واكتساب المعارف والخبرة الدراماتورجية، ومنها المدرسة الروسية»ستانيسلافسكي وزملائه وتلاميذه»، والتي تعلم الدارس جميع المهام التي تحدثنا عنها كشروط وأسس في عمل الدراماتورج، أدبيا وفنيا وإنسانيا، ويبدو أن  غموض مصطلح السينوغرافيا قد انتقل أو توازى مع غموض مصطلح الدراماتورج عربيا، ومن خلال ما تقدم تبدو لنا هذه المهنة «الدراماتورجية» كترف يرافق ترف الحلم بجمهور يعتبر المسرح ضرورة حياتية لا يمكن الاستغناء عنها.

أسرار العمل المسرحي 
 وتابع سليم : الدراماتورج هو شخص متخصص وملم بأدوات العرض المسرحي. وطبيعة العمل على خشبة المسرح، ومجريات إنتاج العرض المسرحي فنيا وتقنيا وماديا، أي مدركا لأسرار  المطبخ المسرحي، وهنا يبرز سؤال ما الفرق بين الدراماتورج  والمعد للعرض المسرحي؟
تدريم  تعني  تحويل جنس أدبي مثل الرواية أو القصة.  الخ.  إلى نص ملائم للتقديم على المسرح، ويقوم بهذه العملية مختص هو الدراماتورغ.. وما يطلق عليه البعض عملية إعداد نص مسرحي؛ حيث يقوم بهذه المهمة غالبا المخرج، في المسرح العربي هو في الحقيقة لا يمكن اعتباره اعدادا، بل هو عمل على النص ليكون جاهزا لإجراء البروفات عليه وهي مهمة من صلب اختصاص المخرج. وما نراه من تسمية على بوسترات العروض بعبارة»إعداد وإخراج «هو خطأ فادح درجت عليه فئة كبيرة من المسارح العربية، وبالتالي إذا أردنا إطلاق صفة المعد علينا أن نحصرها في عمل المختص الذي يقوم بتحويل عمل من جنس أدبي إلى  نص مسرحي، بما يعنيه ذلك من الحفاظ على لغة المسرح التي تعوض الكثير من الوصف في الرواية أو القصة بلغة الفعل والإشارة والدلالة.. وفن التكييف الذي يميز لغة النص المسرحي. أيضا يدخل في هذا السياق عبارة أخرى ( موجعة )؛ حيث يكتب بعض المخرجين عبارة.. معالجة درامية بجانب لقب المخرج.. إعداد النص هو معالجة المخرج المختص النص المسرحي، تجهيزات لبدء البروفات. وتستمر هذه العملية أثناء البروفات..حيث يتم الحذف وتبديل عبارة بعبارة أو كلمة بكلمة أو ترجمة حادثة أو مشهد بلغة المسرح البصرية .وبالأفعال والحركة وبقية عناصر العرض المسرحي. 

علي عبد النبي الزيدي:
الإعداد يكون عن جنس أدبي آخر.
الكاتب المسرحي العراقي علي عبد النبي الزيدي قال: الدراماتورج كمفهوم هو المفكر الذي يقف عند تفاصيل النص بعد خروجه من يد المؤلف، بمعنى هو الذي يهيأ الأرضية الفكرية الصلبة لروح و أفكار النص بشراكة مع المؤلف نفسه، ومدى صمود تلك الأفكار عند تفكيكها وتحليلها وجعلها حية نابضة بالحياة بعد ذلك على خشبة المسرح، وهو هنا يلعب دوراً مهماً مع المؤلف من خلال نصه المسرحي قبل كل شيء، وقد يكون المؤلف نفسه هو الدراماتورج قبل الولوج إلى بنية أخرى مختلفة وهي بنية البروفة التي تحقق لنا العرض فيما بعد وأيضا بشراكة مع المخرج هذه المرّة، فينتقل الدراماتورج –هنا- ليكون لصيقاً بالمخرج، أي داخل البروفة ليجد المبررات الفكرية لكل تفاصيل العرض، ويمكن أن يلعب المخرج نفسه دور الدراماتورج ولكن هذا يحتاج أن يفصل دور المخرج نفسه ليتحول مخرجاً في لحظة ما ودراماتورجيا في لحظة أخرى، ليعيد حسابات المخرج على مستوى الأفكار وإيجاد التبريرات لها وفق سياق العرض، ولكن هذا الأمر يبدو لي صعباً في عالمنا العربي إلى حد ما مع الأغلب من مخرجينا الذين يظلون بحدود مهامهم الإخراجية بعيداً عن عمق الأفكار وإيجاد المبررات لها بشكل مقنع ومبهر.
وتابع « الزيدي»:  فيما يتعلق بالإعداد والمعالجة في سياق السؤال.. بدت لي كلمة إعداد هنا في سياقها التقليدي الذي بات عمرها الآن عقوداً طويلة من الزمن، وصارت فعلاً استهلاكياً غير مبرر مع التأليف المسرحي، فالنص هنا لا يُعد على الإطلاق كما أرى.. وإنما هناك رؤية للعرض يتبناها المخرج وفق قراءته وهذه لا تعد إعداداً للنص، فالإعداد يأتي من جنس أدبي آخر كالرواية والقصة والشعر والحكاية وسواها.. والدور هنا يدخل من باب رؤية المخرج وليس من باب الإعداد .. وهو أحد الأخطاء الشائعة في مسرحنا العربي عموماً، فيما أرى أن المعالجة كمفهوم تتعلق برؤية المخرج للنص أولاً، أي انه يجد معالجة مناسبة، أو قراءة جديدة للنص كعرض مسرحي.. قد يتقاطع في بعض أفكاره، أو يجد معادلاً صورياً يعالج فيه بعد مشاهد النص، أي ينتقل من النص بثباته إلى خشبة المسرح كشكل متحرك له علاقة بالصورة.
تابع : ما زال مفهوم الدراماتورج يشكل فهماً خاطئاً على مستوى المسرح العربي، ويعد الأغلب من المخرجين عندنا تدخلاً سافراً ومزعجاً في عمل المخرج، أي أننا نجد تداخلاً في العمل المسرحي أو في إدارة العمل، وكل واحد منهما لا يعرف مهمته الأساس لصنع عرض مسرحي متقن فكرياً وشكلاً، وبالتأكيد لا يترسخ هذا المفهوم إلا بالممارسة الحقيقية الهادئة وبفهم طرفي العمل المسرحي بأهمية دور الآخر وإنهما يكملان بعضهما بعض باتجاه عرض مسرحي على قدر كبير من الأهمية والانضباط، و ربما هناك بعض الأسماء التي ما زالت تمارس فعلا درامتورجياً على مستوى التأليف والإخراج وتحقق شراكة جيدة مع بعض باتجاه عروض مهمة.
الإشكالية الكبيرة بهذا السياق هو أن نفهم دور الدراماتورج قبل كل شيء، فهو ليس المؤلف أو المخرج الخالص كما يعتقده البعض والذي يزيح هؤلاء بأفكاره، بل هو من يهيأ أرضية فكرية مدروسة بشكل علمي لصانع العرض المؤلف والمخرج ويقف جانباً يراقب تفاصيل العرض ليؤكد بآرائه التبريرات المناسبة لكل صغيرة وكبيرة داخل بنية العرض المسرحي.

د.بشار عليوي: حبيس التنظير النقدي باستثناء تجارب معدودة.
د. بشار عليوي مخرج وناقد مسرحي عراقي قال: عانى المسرح العربي بشكل عام من ظاهرة الهُجنة الثقافية ومنها استجلاب تيارات ومُصطلحات هجينة، ومحاولة استنباتها داخل بُنية هذا المسرح، ومنها مصطلح (الدراماتورج) الذي وجدَ إشتغالهُ الوظيفي والتطبيقي داخل المسرح الغربي دون العربي، ولهذا دواعٍ عِدة أبرزها عدم نضوج التجربة المسرحية العربية بوصفها مسرحية عربية صِرفة، فضلاً عن (وهذا أهم الأسباب قاطبةً) عدم نضوج شخصية المُخرج في المسرح العربي بتعاملهِ باستراتيجية واضحة كذات مُبدعة تعي تماماً أهمية وجود باقي التخصصات المُحايثة لعملهِ بوصفهِ صانع العرض.
وأضاف» عليوي» بالإمكان الاستئناس بآراء (الدراماتورج) كمُستشار أدبي كما وصفتهُ لنا المراجع المُعربة، وهذا الشق الاستشاري داخل المُمارسة المسرحية لا يفقهُ غالبية المخرجون المسرحيون العرب، وهذا قادَ إلى أن (الدراماتورج) كُمصطلح وتطبيق لم يذهب بعيداً في تجذير حضورهِ داخل المسرح العربي، مما يُمكننا كنُقاد وباحثين الإشارة إلى وجودهِ بشكل فاعل وحاضر بقوة .
يُمكن القول إن (الدراماتورج) بقيَّ حبيس التنظير النقدي المسرحي عربياً أكثر ما هوَ حاضراً في المسرح باستثناء تجارب معدودة وفي عروض معدودة تماهتْ تماماً مع الشكل الغربي لـ(الدراماتورج)، الذي يُعنى بتحويل اللغة الأدبية إلى لغة مُمسرحة على الخشبة من خلال شخص (الدراماتورج) بوصفه وسيطاً بين الممثل وباقي المُشتغلين وبين المُخرج .
وتابع د. بشار عليوي: «ومن الأمور اللافتة في عدد من بلدان العالم العربي ومنها مصر، نجد داخل الممارسة المسرحية ثمة خلطاً هائلاً في مفاهيم من قبيل (الإعداد) و(المعالجة الدرامية) و(التوليف) مع مصطلح (الدراماتورج)، وجميع هذه المصطلحات مفترقة عن بعضها البعض ولا يربط بينهما رابط على الصعيد المفاهيمي وكذلك التطبيقي داخل الممارسة المسرحية. فالإعداد يخص عملية إعادة كتابة نص مسرحي مؤلف سابقاً و إجراء تغيير في بنيتهِ الدرامية مع الابقاء على العنونة في بعض الأحيان، أما التوليف فيقصد به الخروج بنص مسرحي جديد من خلال عملية كولاج لنصوص متعددة سواء كانت لكاتب واحد أو عدة كُتاب، فيما (المعالجة الدرامية) أزعم أن مجال اشتغالها أكثر في المسلسلات وليس في المسرح لما له علاقة بعملية إعادة صياغة المادة الدرامية من الناحية الفكرية والقصصية، ومما تقدم نجد عدم ترابط بين جميع المفاهيم أعلاه وبين الدراماتورج.


روفيدة خليفة