أشباح كامل نجفة .. البحث داخل الأطر عن خارجها!

أشباح كامل نجفة .. البحث داخل الأطر عن خارجها!

العدد 527 صدر بتاريخ 2أكتوبر2017

العرض الذي قدمته فرقة نادي المسرح ببور سعيد تحت اسم (7+ أشباح كامل نجفة) من تأليف أحمد يوسف عزت وإخراج هاني نصر الدين بفعاليات مهرجان نوادي المسرح، يجب التوقف عنده. ولكن هذا التوقف والخروج بمبررات وإرهاصات ومن ثم محاولة الحكم القيمي على العرض، مع أنها حق لكل من شاهد العرض ولو مشاعدهدة عابرة. إلا أن عملية التوقف هذه لمن يعرف أحمد يوسف ثم هاني نصر الدين، ثم ما يدور خلال أروقة المتعاملين مع المسرح البور سعيدي. ستكون أكثر عمقًا وصوابًا ربما.
لتكن البداية مع أحمد يوسف عزت، في الأصل هو شاعر اتجه للمسرح، بدأ بكتابة المسرح بطريقة كلاسية، فجاءت كلاسيته مفعمة بالرموز والصور المتشابكة والغريبة لحد ما، ثم تجلت سطوة الغنائية في الموروث العربي داخل هذه المنظومة فجاءت أعماله القديمة مفعمة بالكثير من القصائد الطويلة وما شابهها. ومع امتلاكه القدرة على القيادة وتكوين المجموعات الإنسانية، جاء ارتباط هاني نصر الدين وشادي حامد به ليكونوا جميعًا فرقة آمون أو جيش آمون على ما أذكر. وارتباط هاني وشادي به لم يكن عن طريق الانسياق، بل لأنهما كانا يملكان الرغبة في القيام بشيء جديد خارج عن نطاق سياق المسرح الذي يريانه في بور سعيد. ورمزيات وتهويمات كانت تساعد هاني في محاولة تكوين صورة جديدة بصرف النظر عن وصولها للجميع أم لا. كما أن مطولاته كانت ملاذا لشادي لإبراز قدراته كممثل.
ولم يلبس أحمد وهاني طويلا حتى امتدت هذه المجموعة لتضم أشخاصًا آخرين، منهم من اتجه للجدة ومنهم لمحاولة التحقق ومنهم للمساعدة ومنهم لقتل الوقت. ولكن أحمد كان متسارعا، فهو يقرأ كثيرا ويحاول أن يشاهد أكبر قدر ممكن، لذا لم يحاول البقاء في مكان أو نسق فني حتى ثبت تحققه فيه، ولكنه طبقًا لقراءاته يكون التنوع في منتجه الكتابي، مع ملاحظة أن سطوة الشاعر ما زالت تكمن. فمرة يخرج لمحاولة كتابة العبث ومرة للحداثة. ولكن كانت المحاولات تخرج للتطابق مع الشكل الفني. فقناعاته الفكرية والاجتماعية لا تتطابق مع الفلسفة التي أتت بهذه الأشكال الفنية.
لو كان نص عرض الليلة هو موضوعنا، مع الوضع في الحسبان أن بعضًا من المتثاقفين والمتناقدين حاولوا أن يلبسوه قهرًا وعدوانًا في ثوب ما بعد الحداثة. نتيجة وقوعهم في تشبه حواره بعض الشيء مع بعض سمات هذه المدرسة خاصة في البناء الجدلي أو الحواري، مع أنه ببعض من التأني ومحاولة تفكيك النص أو إرجاعه لعناصره أو أحداثه أو دوافعه كانت من الممكن أن تنير لأحمد قبلهم الطريق الصحيح، ولكن قاتل الله الاستسهال والادعاء.
سنجد أننا أمام مشكلة الكومبارس الأزلية، الذي يرى نفسه مظلومًا مع أنه قادر على القيام بالأدوار الأولى لو أتيحت له الفرصة. ومع أن هذه النقطة كانت من الممكن أن تتسع لتشمل كل الاتجاهات الحياتية، لتمتد لكل كومبارس في مجال أي عمل، إلا أن المؤلف ومعه المخرج اقتصرا التأويل على الكومبارس المسرحي دون سواه.
ثانيًا ربما ستجد نفسك منغمسًا في بعض المشكلات التي يعاني المسرح في بور سعيد خاصة، والمسرح الإقليمي عامة، وربما كانت هناك إشارات لبعض رموز الحركة المسرحية خاصة معوقيها ومدعيها، ربما.
بالإضافة لقصص الحب الحقيقية والمدعية ومحاولات الاقتران بآخر نتيجة وجود مصلحة من هذا الاقتران. مع تبيان المشكلات التي لا بد آتية من التكشف للحقيقة.
بدأ العرض بالشخصية التي تقول إنها انتحرت لتضع العالم في لحظة درامية ما، ثم يأتي الجانب البوليسي من خلال التحقيق مع زوجة هذا المنتحر، ولكي لا يكون نص العرض أو العرض ذاته مجرد إعادة لقضية الكومبارس الشهيرة. فكانت هناك ازدواجية في الشخصيات لا تفكيكها. فالشخصيات التي أمامنا هي كامل نجفة (1) وكامل نجفة (2) وهبة كامل (1) وهبة كامل (2). وجاء الالتباس من أن كلاً من الشخصيتين متناقضتان في التكوين الخارجي فوصل خطأ أن كلاً منهما تؤدي مساحة لا تؤديها الأخرى. مع أنه بسريان الحدث يكون هناك بعض التبادل بحيث يؤدي (1) ما كان يقوم به (2)، وهذا التناول في حد ذاته كفيل بنسف ادعاءات التنافر والتشظي التي حاول البعض إلصاقها.
ثم جاءت التهويمة الأخرى الممثلة في الغسالة التي يدور بها الحدث افتراضًا من خلال الأخبار لا التحقق، على الرغم من وجود كم لا بأس به من الغسالات على خشبة المسرح، فعملية القتل تكون بالغسالة، وأيضا يجب أن يوضع الكثير من الشخصيات المعوقة المخبر عنها بها.
وللتركيز على نسف المحالاوت النقدية المتسرعة إياها كان التعامل مع الحدث أو الأحداث كلها، بأننا فرقة تقوم بالتمثيل على خشبة مسرح من خلال هذه الملابس المعلقة بأعلى يسار المسرح والتي يذهب كل ممثل إليها ليرتدي ثوب الشخصية التي يمثلها، بالإضافة إلى الكثير من التصريحات أننا على المسرح فعلاً.
صحيح كان هناك تعامل جيد من الكاتب والمخرج بوضع كل ملابس الشخصيات المروي عنها والمعوقة في الأعم داخل الغسالة، ولكنه تعامل ناقص أو ربما كان مقصودًا أن الأمور ستستمر على ما هي عليه. مع أنه لم يكن هناك تأكيد على هذا، فالمخرج هو صاحب السينوغرافيا التي وضعت الغسالات بخراطيم صرف فقط دون أي إشارة بمنبع تعبئة أو ملء، يعني أنها بهذه الصورة مهما  تحركت فوق وتحت وشمالاً ويمينًا لن يكون لها أثر. وربما لو كنا اكتفينا بجسم الغسالة دون خراطيم الصرف لكانت هناك إشارة لوظيفتها الكلية وسمحت بتعدد التفسيرات لعملية التنظيف. وهل ستكون أم لا؟
إذن، نحن أمام شخصيات يقوم حوارها على عملية التداعي الذهني، وإن ما تفكر به الشخصية في الكثير من الأحيان تتعامل ويتجسد أمامها على أنه حقيقة، إذن نحن أمام توهم داخلي، بالإضافة للتوهم الخارجي النابع من عملية المسرحة ذاتها. عليه سنجد أنفسنا بمحاولة لمزج أسلوبين فنيين وهذا لا مانع منه. ثم جاءت تقنية الحوار ذاته لمحاولة إضافة بعد أو أسلوب فني جديد. وكما قلنا ليس هناك مانع، ولكن هذا كان أولى أن يكون عن طريق المزج لا الخلط الذي كان.
إذن، نحن أمام عمل مسرحي حاول أن يقدم جديدًا على مستوى الكتابة، وحاول أن يقدم إبهارًا على مستوى الصورة. كما أن تعدد وظائف الشخصيات التي أمامنا ما بين الخصية (1) و(2) والشخصيات المستدعاة التي قاموا بتشخيصها. ساعد على إبراز قدرة الممثلين شادي حامد وسليمان رضوان اللذين أعرفهما جيدًا وأعرف أنهما ممثلان جيدان قادران على التلون والإقناع، ولكن المفاجأة كانت في ليلى محمد وسارة هاني فالأولى أثبتت أنها ممثلة شاملة قادرة على كل مستويات الأداء بما فيه الغناء، والثانية تتمتع بخفة ظل وقدرة على الحركة بما لا يتناسب مع مظهرها الخارجي فأضفت بعدًا وتأويلاً للشخصيات التي تؤديها.
والحقيقة أن جودة الأداء التمثيلي هو ما خرج بالعرض لبر الأمان وأنقذه من التشتت والملل، وطبيعي أن يحسب هذا الاختيار للمخرج.
وفي عجالتنا السريعة هذه عن العرض نخرج بأننا أمام تجربة جديدة يقوم بها أحمد عزت بالاشتراك مع هاني نصر الدين كعادتهما. وأقول إننا في بدايات هذه التجربة وأن عليهما - وبالتحديد أحمد عزت - الاستمرار في محاولة الوصول إلى شكل أكثر تحقيقًا ونجاحًا لما تحقق، وإلا يخرج منه بمحاولة البحث عن شكل آخر يقدمه، ولكن ربما عليه التريث في محاولاته هذه استخدام أساليبه الفنية بطريقة المزج لا الخلط كما قلنا.
وللتأكيد على أن هناك جديدًا في هذا العرض وأنه يتم بجدية ويتعامل مع الكثير من القضايا التي تهم فناني بور سعيد، كان هذا الدعم له من مخضرمي بور سعيد الذين وقفوا معه وحاولوا المساعدة، فأسماء مثل حسن عز الدين وطارق حسن وعمرو كمال عندما تقف مع محاولات شابة لا يكون بداعي المجاملة، بل باستشعارهم أنه قد يساهمون في عملية تأكيد اتجاه فني جديد تتميز به بور سعيد، بالإضافة لترسيخ كاتب ومخرج عندهما ما يضيفانه فعلاً، ولكن عليهما فقط الاستمرار والتريث.

مجدي الحمزاوي


مجدى الحمزاوى

mr.magdyelhamzawy@gmail.com‏