العدد 991 صدر بتاريخ 24أغسطس2026
قد يُعرَّف الوضع المسرحى ما بعد هيمنة الانسان (أو انعدامه، فى الواقع) برؤية تتجاوز حدود المعقول. وكما تنبأ هانز-ثيس ليمان،
يُتيح لنا مسرح ما بعد عصر هيمنة الانسان “تخيُّل واقعٍ آخر غير هيمنة الإنسان على الطبيعة”. واستباقًا لهذا الوضع، يطرح الذكاء الاصطناعى مفهومًا للمسرحية، أو اللامسرحية، غير مُقيَّد بالزمان والمكان التقليديين أو التجسيد، بما فى ذلك التفاعل المادى بين الممثلين والمتفرجين أمام شاشات الحاسوب. إنه مفهوم يوتوبى أو ديستوبى يتجاوز بكثير حدود المسرح التقليدى. هل يُمكن تحقيق هذه الإمكانيات؟ وهل يُمكن الترحيب بعوالم مسرحية غير قابلة للترجمة، وغير قابلة للتتبع، وغير مرئية؟ هل يُمكننا تجسيد انقراض البشرية؟ هل يُمكننا التظاهر بالموت؟
• اضفاء الطابع الانسانى على ما بعد هيمنة الانسان
يُقدّم موضوع “الذوات الثنائية” فى مسرحية “الذكاء الاصطناعي: عندما يكتب روبوت مسرحية” آفاقًا تتجاوز الجسد المادى. فثنائية العالم الحقيقى مقابل العالم المسرحى أو ما هو غيره تتلاشى فى المسرحية. فهناك لحظات تتحدى التجسيد المسرحى. على سبيل المثال، فى أحد المشاهد التى يظهر فيها مدير غريب الأطوار، يُدلى تروى بتعليقات تأملية متنوعة حول التمثيل والأداء، مُلفتًا الانتباه إلى الحضور الإنسانى الذى لا مفر منه فى المسرحية: فالممثلون والجمهور، بمن فيهم النقاد ومؤلفو هذه المقالة، بشر. وهذا يطرح السؤال: هل من الممكن على الإطلاق تخيّل مسرح ما بعد مركزية الإنسان يتجنب اضفاء الصفات الانسانية ؟ هذه طريقة أخرى لإعادة صياغة سؤال سابق: هل يُمكن عرض نص مُولّد آليًا، وأداؤه، ودراسته دون الوقوع فى فخاخ الدراما المتمركزة حول الإنسان؟
وفى لقائه مع المسئول، يشارك تروى رغبته فى إيجاد عمل:
المدير: ما نوع الوظيفة التى تهمك؟
الروبوت: لطالما حلمت بأن أصبح ممثلاً. نجم سينمائى.
المدير: حسنًا، إذًا. ما الذى يتطلبه التمثيل؟
الروبوت: لا يمكنك ببساطة أن تصعد إلى المسرح وتؤدى، عليك أن تشعر بالراحة على خشبة المسرح.
المدير: حسنًا. ما مقدار خبرتك فى التمثيل؟
الروبوت: لا خبرة لديّ على الإطلاق. لقد كنت مهرجًا مرة واحدة، من باب التسلية فقط.
المدير: من باب التسلية. هذا ليس كثيرًا.
الروبوت: لا، ليس كذلك. لديّ خبرة واسعة فى أنواع مختلفة من النصوص وما إلى ذلك، لكننى لم أمثل على خشبة المسرح منذ فترة طويلة.
فى هذه المرحلة ما وراء المسرحية، يدرك الجمهور تمامًا أن الممثلين يؤدون حوارًا من إنتاج آلة. ويفقد التنافر بين اللغة الخوارزمية التى يؤديها ممثلون بشر تأثيره، لأنه ينطوى على احتمال إضفاء صفات بشرية (من خلال لغة درامية تنتمى إلى الإنسان) على ما هو مكتوب. ومع ذلك، يمكن للمشاهدين تعليق تصديقهم طواعيةً لأغراض الترفيه، أى التصرف كما لو أنهم لا يعرفون دور الخوارزمية فى إنشاء المسرحية.
تتواصل المفارقة بينما يناقش تروى والمدير تجربة تروى الوظيفية كرئيس لما يُسمى بفرقة المهرجين. يذكر تروى دروس التمثيل، والعروض، والجولات، والعروض الكوميدية، والنجاحات. ويستمر الحوار بينهما حتى يقول تروى إنه “مستعد للانتقال إلى الموضوع التالي”.
من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن تروى يُساوى بين التمثيل والحرية: “أحب أن أكون ممثلاً. هذا هو أول شيء. أحب حرية التمثيل. يمكنك أن تفعل كل أنواع الأشياء المختلفة المتعلقة بالتمثيل. يمكنك أن تكون بطلاً، أو شريراً.” ثم يأخذ الحوار منحىً مألوفاً عندما يُدلى بتعليق لاذع حول حالة المسارح: “هل لديكم أى عمل لي؟ الآن وقد أُغلقت المسارح؟” فى سياق جائحة كوفيد-19، وهى إحدى تبعات عصر هيمنة الانسان الذى يُلحق الدمار بالكوكب، ويتنبأ هذا السؤال بلا شك بحالة ما بعد عصر الانسان فتُلمح المسرحية، بشكلٍ انعكاسى ومتناقض، إلى حدود المسرح. فهى تُصوّر المسرح كمخرج، مُشيرةً نحو فهم مسرحى يتجاوز التجربة الحسية للمشاهد. لم تعد الأنظمة الثنائية، بما فيها الأنظمة المسرحية، فعّالة. فتتلاشى الثنائيات التقليدية للحياة الواقعية مقابل السرد الدرامى، والتمثيل، والمشاهدة.
على الرغم من الأسئلة الجذابة التى يطرحها النص، يبقى الفضاء المسرحى فى المقام الأول مجالًا للممثل البشرى، حيث يعد التمثيل احتفاءً بقدرة الإنسان على استكشاف نسخ مختلفة من ذاته. وفى هذه المسرحية تحديدًا، هل تُضعف حقيقة كون الممثل بشريًا النقاط التى يطرحها “كاتب المسرحيات” المُصمم بواسطة الذكاء الاصطناعي؟ إذا كان تقليد الروبوت التمثيلى فى هذا العرض يُضفى طابعًا إنسانيًا سلبيًا على النص المُولّد حاسوبيًا، فكيف يُمكن تصوير الروبوت بطريقة أخرى؟ روبوتات تلعب دور الروبوتات؟ يتطلب تجسيد الروبوت من قِبل ممثل بشرى شكلًا من أشكال التمثيل يُحيد التجسيد البشرى، ولكن كيف يُمكن للممثل إظهار التزامه بالإمكانيات غير البشرية؟
• عدم الامكانات
بموقفها غير التقليدى تجاه الفكاهة والمشاهدة والأداء، تُشير مسرحية “الذكاء الاصطناعي: عندما يكتب روبوت مسرحية” إلى حساسية مسرحية تتماشى مع رؤية دورسن “مسرح يُقرّ بحدود ما يُمكن تمثيله، ويُرسّخ نفسه كمساحة للتأمل فى العالم المتزايد قوةً وتشتيتًا الذى خلقناه”. وترى دورسن أن المسرح يجب أن يكون قادرًا على تحديد حدوده وعكس المآزق المُثقلة بالسلطة فى عصر هيمنة الانسان. ومع ذلك، هل “المسرح الخوارزمي” هو مسرح ما بعد هيمنة الانسان؟ أم أن “مسرح الروبوت” لهيراتا هو كذلك؟ هل يكشف أى منهما عن قيود هيمنة عصر الانسان؟ هل يُمكن تجسيد هذه التجربة المحدودة دراميًا؟
لا تزال هذه الأسئلة وغيرها الكثير بلا إجابة. تُطرح هذه الأسئلة كجزء من نهج واعٍ وجديد للنصوص المُولّدة آليًا، ينظر إلى هذا العرض فى حد ذاته كشكل فنى تجريبى مُلهم. لا تزال الدراسات التى تُحلل الذكاء الاصطناعى التوليدى كدراما وأدب قليلة. ومع ذلك، مع ازدياد تطور نماذج اللغة، وانتقال توليد النصوص الإبداعية من الهامش، فإنه يستدعى حتمًا نظريات جديدة.
لأن النص ليس ثابتًا أبدًا، بل يزخر دائمًا بالتعددية، فإن مسرحية “الذكاء الاصطناعي: عندما يكتب روبوت مسرحية” يمكن قراءتها بطرق عديدة أخرى غير التى استخدمناها. ونحن أيضًا نشكك فى مدى قابلية تطبيق نهجنا. إن تفاعلنا الإنسانى الذى لا جدال فيه مع المسرحية يخلق مساحة للمعنى. فنحن نسعى إلى المعنى فى النص ونساهم بنشاط فى عملية صنع المعنى. ونحن نُقدّر ضمنيًا دور الناقد؛ ربما تكون هذه محاولة متناقضة فى ضوء تأملاتنا فى مسعى مسرحى حول الاختفاء واللا مرئية، وإمكانية (أو استحالة) تجسيد ما بعد هيمنة الانسان دراميًا.
الهوامش
• TDR 67:4 (T260) 2023 https://doi.org/10.1017/S1054204323000448
© المؤلف (المؤلفون)، 2023. نُشر بواسطة مطبعة جامعة كامبريدج لصالح كلية تيش للفنون/جامعة نيويورك. هذه مقالة متاحة للجميع، موزعة بموجب شروط رخصة المشاع الإبداعى (https://creativecommons.org/licenses/by/4.0/)، والتى تسمح بإعادة الاستخدام والتوزيع والنسخ غير المقيد فى أى وسيط، شريطة الإشارة إلى العمل الأصلى بشكل صحيح.ش
• إيمكى فان هيردن (جامعة كوتش) أستاذة مساعدة زائرة فى قسم الأدب المقارن. وهى حاصلة على منحة مجلس البحوث العلمية والتكنولوجية التركى الدولية للباحثين المتميزين (2020-2023)، والباحثة الرئيسية فى المشروع متعدد التخصصات “الذكاء الاصطناعى كمؤلف: سد الفجوة بين تقنيات الإبداع الحاسوبى والنظرية الأدبية”. حصلت على درجة الدكتوراه فى الأدب الإنجليزى من جامعة يورك كباحثة فى برنامج الكومنولث وزميلة دكتوراه فى مركز يورك للبحوث الإنسانية. ivanheerden@ku.edu.tr
• تشاجداش دومان (جامعة بوغازيتشي) طالب دكتوراه فى الأدب الإنجليزى. وهو أيضًا باحث فى مشروع “الذكاء الاصطناعى كمؤلف” الذى يمتد لأربع سنوات، والممول من قبل مجلس البحوث العلمية والتكنولوجية فى تركيا.
• أنيل باس (جامعة مرمرة) أستاذ مساعد فى قسم هندسة الحاسوب، حيث يركز على التعلم الآلى، وهو الباحث الرئيسى فى مشروع “الذكاء الاصطناعى كمؤلف”. حصل على درجة الدكتوراه فى علوم الحاسوب من جامعة يورك، بتمويل من المجلس التركى للتعليم العالى. anil.bas@marmara.edu.tr