العدد 990 صدر بتاريخ 17أغسطس2026
ليست كل الحكايات التى ورثناها مكتملة، وليست كل الروايات التى تناقلتها الذاكرة الشعبية هى الرواية الوحيدة الممكنة، فبين ما حفظه الرواة، وما صمتوا عنه، تظل هناك مساحات واسعة للأسئلة، وللأصوات التى لم تجد من ينقلها، ومن هنا تبدأ المغامرة الحقيقية للفن؛ فى مساءلة التراث وإعادة النظر فى مسلماته، وفتح نوافذ جديدة على حكايات نعرفها. وفى عرضه «متولى وشفيقة»، اختار المخرج أمير اليمانى ألا يعود إلى السيرة الشعبية ليعيد سردها، وإنما ليضعها أمام محكمة الضمير، وينقلنا لما بعد الجريمة وأثرها، لينقلنا إلى الإنسان الذى يحمل عبئها، ليخلق هذا الفضاء الذى تتصارع فيه الذاكرة والذنب والندم، وتتداخل فيه الحقيقة مع ما يتخيله الضمير.
شارك العرض ضمن فعاليات المهرجان القومى للمسرح المصرى، وحصل على أربع جوائز، وهى جائزة أفضل عرض مركز أول، وجائزة أفضل مخرج أول، وأفضل ديكور، وأفضل دراما حركية، وفى هذا الحوار، يتحدث أمير اليمانى الجائزة، والمسرحية وكيف تشكلت رؤيته الإخراجية، ولماذا اختار أن يعيد قراءة واحدة من أشهر الحكايات الشعبية من زاوية مغايرة،.
العرض بطولة محمد فريد، يسرا المنسى، منه اليمانى، الطفلة دالا حربى، أحمد عودة، تقى طارق، إسلام مصطفى، صلاح السيسى، أحمد راضى، عبدالله شوقى، طارق هاشم، ديكور د.محمد سعد، ملابس غادة شلبى، إضاءة إبراهيم الفرن، تعبير حركى أحمد مانو، وموسيقى أحمد نبيل، مكياج وفاء مدبولى، تأليف محمد على إبراهيم.
ماذا تقول عن الجوائز التى حصل عليها العرض المسرحى «متولى وشفيقة» من المهرجان القومى للمسرح؟
بالتأكيد سعيد بالتجربة والجوائز، وأتوجه بالشكر إلى كل فريق العمل الذى آمن بالفكرة وبذل كل جهده فى العرض، وخاصة جميع الفنانين المشاركين على مجهودهم العظيم وتفانيهم خلال البرو?ات. بالإضافة لصديقى المخرج الكبير سامح بسيونى الذى آمن بالفكرة ولم يبخل علينا بأى مجهود، وكذلك الفنان إيهاب فهمى ودكتور أيمن الشيوى، والفنان هشام عطوة الذى بدأ هذا المشروع.
حدثنى فى البداية عن أمير اليمانى وبداياته مع المسرح.
سنعود إلى ما يقرب من عشرين عاما، فقد تخرجت فى كلية الآداب بجامعة عين شمس، وخلال سنوات الدراسة التحقت بفرقة المسرح بالجامعة، وهناك كانت بدايتى الحقيقية مع الإخراج، وبعد ذلك تعرفت على الفنان هشام عطوة، وكانت هذه الخطوة نقطة انتقال مهمة بالنسبة لى، إذ قدمت أول عرض احترافى على خشبة مسرح السلام، ثم اتجهت إلى الدراما التليفزيونية، وعملت مع الدكتور محسن أحمد، ومنذ ذلك الوقت لم أنقطع عنها، لكنها لم تبعدنى عن المسرح فأعتبره بيتى الأول، لذلك أعود إليه كل فترة، أقدم عرضا جديدا، ثم أعود مرة أخرى إلى العمل فى الدراما التليفزيونية.
كيف تم اختيار فريق العمل، خاصة شخصية متولى وباقى الممثلين، وما طبيعة العلاقة والتعاون الذى جمعك بالمؤلف محمد على؟
منذ بداية اختيارى للعرض كنت أبحث عن متولى، لأنه دور صعب، وجاء اختيارى لمحمد فريد من خلال مهرجان النقابة، حيث شاهدت له عروض كممثل ومخرج، فطلبت منه أداء دور متولى ووافق بعد قراءته للنص، ودائما كنت أخبره بأنه من الجيد أن يتخطى ال30ـ ليلة عرض وهو سليم، لأن الدور مرهق نفسيا وذهنيا والحمد لله تخطينا هذا العدد وما زلنا مستمرين. أما أحمد عودة فقد جاء ترشيحه عن طريق المخرج سامح بسيونى، ثم التقينا بعدها وبدأنا العمل على الدور، وبالنسبة ليسرا، فقد شاهدتها فى مهرجان النقابة وهى حاصلة على جائزة أفضل ممثلة
أما دالا حربى، فهى الوحيدة التى استعنت بها من خلال عمل سابق، حيث ظهرت بدور ابنة حنان مطاوع فى مسلسل «صفحة بيضا»، كما أن هناك بالفعل شراكة ممتدة مع محمد على المؤلف منذ عام 2015، أثناء عملى فى لجنة القراءة بمجموعة فنون مصر، وقد قدمنا معا تقريبا معظم الأعمال المسرحية التى كتبها، وكانت بيننا حالة من التفاهم الفنى أو الكيمياء.
بداية من العنوان، هناك كسر لأفق توقع المتلقى، فإلى أى مدى يمثل عنوان العرض مدخلًا لفلسفتك فى إعادة تفكيك السردية الشعبية لشفيقة ومتولى؟ وما الرسالة التى أردت طرحها من خلال رؤيتك؟
قصدت ذلك بداية من اختيار العنوان، حتى يدرك المتلقى منذ اللحظة الأولى أنه لم يأتِ لمشاهدة الحكاية التقليدية لشفيقة ومتولى، فإذا كان ينتظر رؤية سعاد حسنى وأحمد زكى أو استعادة النسخة التى يعرفها، فلن يجدها هنا، حيث الأحداث الأساسية هى نفسها، لكن زاوية النظر مغايرة؛ فالتراث الشعبى قدم شفيقة كفتاة رحلت إلى الإسكندرية واختارت طريق الخطيئة بإرادتها، لكن هذا التصور يعبر عن وجهة نظر الراوى فى زمن كان المجتمع فيه ذكوريا إلى حد بعيد، ولم يطرح أحد آنذاك احتمالا، ولو ضئيلا، بأن تكون هناك وجهة نظر أخرى أو تفسير مختلف لما جرى، وهذا ما فعلته هو أننى حاولت النقل من وجهة نظر أخرى والتى يحتمل أنها حدثت ولم نعرفها.
أما الرسالة، فهى أن الخطأ لا يمكن أن يُعالج بجريمة، نعم قد أخطأت شفيقة، لكن ذلك لا يمنح أى إنسان الحق فى سلب حياة إنسان آخر، ومن هنا جاءت رؤيتى، التى تحاكم ضمير متولى بعد ارتكابه الجريمة، لذلك جعلت الجدران والأشخاص المحيطين به تجسيدا لصوته الداخلى، لتتحول الخشبة إلى فضاء لمحاكمة نفسية وإنسانية لا تتوقف، يبقى فيها متولى فى مواجهة دائمة مع ضميره.
إذن، يمكن القول إن العرض يُعد انتصارا للنسوية وإعادة مساءلة لمنظومة الشرف والمجتمع؟
بالضبط، لكننى لم انتصر لشفيقة بقدر ما حاولت الانتصار لاحتمالٍ آخر لم يُتح له أن يُروى ما أردته هو أنه قبل إصدار الأحكام، أن ندرك أن لكل حكاية أكثر من وجهة نظر، خاصة إذا كانت منقولة شفهيا، حيث وصلت إلينا عبر الربابة، والربابة، مثل كثير من روايات التراث الشعبى، كانت تنطلق من رؤية تجعل الرجل دائما هو البطل. وإذا تأملنا السير الشعبية، من السيرة الهلالية إلى على الزيبق وغيرها، سنجد أن البطولة حكرا على الرجل، بينما تغيب المرأة عن موقع البطولة وهذا يعكس طبيعة المجتمع الذى أنتج تلك الحكايات، وهو مجتمع كان يحمل رؤية ذكورية بحتة.
وحتى لا نظلم الصعيد فلا يقتصر الأمر عليه أو على التراث الشعبى وحده، حيث أنه امتداد لفترات تاريخية أقدم؛ فحتى فى التاريخ المصرى القديم، عندما وصلت امرأة إلى الحكم، لم يكن المجتمع يتقبل ذلك بسهولة، وتعرضت بعض الملكات لمحاولات طمس أسمائهن أو التقليل من أدوارهن بعد وفاتهن. لذلك لم يكن هدفى إعادة كتابة التراث أو الادعاء بأن هذه هى الحقيقة المطلقة، وإنما طرح احتمال آخر ربما يكون قد حدث، لكنه لم يصل إلينا.
ذكرت أن فكرة العرض تعود إلى سنوات طويلة.. فكيف بدأ الأمر؟
بدأت الحكاية عندما التحقت بالخدمة العسكرية، وُزعت على عنبر لم يكن يضم سوى زميل واحد من القاهرة، بينما كان باقى الجنود من محافظات الصعيد، وفى أحد الأيام نشب خلاف بين شابين، أحدهما من المنيا والآخر من جرجا بمحافظة سوهاج، وخلال المشادة سمعت أحدهما يقول للآخر: «يالا يا بلد زينب»، فرد عليه: «يالا يا بلد شفيقة»، ثم جاءت الجملة التى توقف عقلى عندها «كل بلد فيها شفيقة، لكن مش كل بلد فيها متولى».
استوقفتنى هذه العبارة، وفى أول إجازة حرصت على الاستماع إلى موال الريس حنفى، وفهمت الحكاية، لكن السؤال الذى راودنى هل يمكن لرجل قتل شقيقته بيده أن يواصل حياته بصورة طبيعية؟ من هنا انطلقت الفكرة، لم يشغلنى فعل القتل ذاته، بقدر ما شغلتنى تبعاته النفسية، ففى الرواية الشعبية حكم على متولى بالسجن ستة أشهر، وقضى العقوبة فى الجيش، ثم عاد إلى بلدته ليستقبله أهلها فى محطة القطار بالطبل والمزمار، باعتباره بطلًا حافظ على شرف العائلة، حتى أنه طلب النزول بالطبل من المنزل الذى قتلها فيه لأنه يرى فيما فعله مصدرًا للفخر، أما أنا فلم أستطع الاقتناع بذلك، وقلت لنفسى من المستحيل أن يقتل الإنسان شقيقته بيده ثم يكمل حياته وكأن شيئا لم يكن، ومن هنا وُلدت الرؤية التى يقوم عليها العرض.
ظل هذا المشروع يرافقنى قرابة عشر سنوات قبل أن يرى النور، لكن كانت الأزمة هى العثور على ممثل قادر على تجسيد شخصية متولى، لأنها شخصية شديدة التعقيد؛ إذ تتحرك باستمرار بين الماضى والحاضر، وتنتقل بين الأزمنة والحالات النفسية فى أجزاء من الثانية. لذلك واصلنا كتابة النص وإعادة صياغة الدرافت مرارا، حتى استقر فى صورته النهائية التى شاهدها الجمهور على خشبة المسرح.
بعد سنوات من تطوير المشروع، استقررت على معالجة نفسية معقدة للعلاقة بين متولى وشفيقة، لماذا كان هذا الاختيار بالنسبة لك هو الأكثر تعبيرا عن الفكرة؟
بدأت المسرحية من اللحظة التى تلت مقتل شفيقة، وبناء حدث درامى جديد يوازى الحدث الأصلى وينطلق منه، وجدت أن المدخل الحقيقى هو نفسيته، فلو خرج متولى من البيت وعاد إلى حياته الطبيعية، وجلس مع الناس فى المقهى، وشرب الشاى، واستمع إلى الحكايات والنكات، لكان كفيلًا بأن يخفف من وطأة ما حدث، وربما استطاع أن يتعايش معه نفسيا، أما أنا فكنت أريد أن أبقيه فى مواجهة دائمة مع جريمته، لذلك سجنته داخل المنزل وداخل نفسه، الجميع يطالبه بالخروج، لكنه يرفض، لأن خروجه يعنى انتهاء محاكمته الداخلية، وبالتالى لن يكون هناك دراما
ولهذا اخترت ان يبدأ العرض بمشهد نوم متولى وكابوسه، فهذه هى المرة الأولى التى يعود فيها إلى المنزل بعد قتل شقيقته، ويرى السرير والجدران وكل التفاصيل التى شهدت الجريمة، وما إن استسلم للنوم حتى انفجرت ذاكرته فى صورة كابوس، ومنذ اللحظة التى رأى فيها رسمة شفيقة وسمع صوتها، اتخذ قراره بألا يغادر المنزل.
لكننى دراميا وجدت فى شفيقة شخصية قوية تحاول أن تتمسك بإرادتها، حين عبرت بشدة عن رفضها الزواج وبالتالى كان يمكنها الاختيار ورفض ابتزاز دياب.. هل قصدت أن تظهر ذلك؟
إطلاقا، أنا لا أرى أن شفيقة كانت تملك حرية الاختيار، بعد الخطأ الأول، وبعد مساومة دياب لها، أصبحت محاصرة بالظروف ومجبرة على الاختيار بين بدائل كلها قاسية، اضطرت إلى الهروب حتى لا يُفتضح أمرها، لكنها فى الوقت نفسه كانت تدرك أن العودة تعنى الموت، لذلك لم تكن تتحرك بدافع الحرية، وهذا ما حاولت التعبير عنه فى عبارتها: «لو كنت أعرف أبعد من أسيوط كنت بحرت.. لكن ما بحرتش، الموت مستنينى.. يمكن فى الموت راحة»، فهى كانت تسير نحو مصير تعرفه مسبقا.
يعتمد العرض على انتقالات متداخلة بين الحلم والذاكرة والرمز والواقع، فكيف بنيت هذا التداخل غير الخطى؟
نعم، فهناك مشاهد لم يرها متولى، ولم تُحك فى الرواية الشعبية، والسؤال هو: من أين عرفها؟ فالمسرحية لا تقوم على استرجاع تقليدى للأحداث، ولا على فلاش باك بالمعنى المعروف، لأن الفلاش باك يفترض وجود شاهد سابق على الحدث يقوم بسرده،أما هنا فنحن أمام بناء مختلف تماما؛ ما يُعرض على الخشبة هو تخيل داخلى، يتشكل من وجهة نظر متولى وضميره، حيث يسرده كدفاع عن نفسه والجدران شاهد عليه، ومشاهد أخرى كأنها ذاكرة موازية تُنتج المشاهد من وجهة نظر شفيقة، ولهذا نجد مشاهد لا يمكن أن يكون قد رآها متولى فعليا، مثل تفاصيل علاقتها بدياب أو لحظات الاعتداء داخل المنزل، فالجدران هى التى رأت وتمتلك ذاكرة المكان وفى النهاية، يصل متولى إلى اختيار سجنه بين الجدران ولن يخرج منها فأخر جملة أخبرته بها «شفيقة عايشة جواك وراضية إن سيرتى تبقى على اسمك»، ليرد هو: «أنا محجوجلك يا بنت أبويا، وراضى إن سيرتك تكون سجنى وسجانى».
السينوغرافيا كانت جزءا من بناء العرض.. فكيف جرى العمل عليها؟
كل عناصر السينوغرافيا كانت تسير فى اتجاه واحد، لأن فريق العمل كله آمن بالرؤية نفسها ورأى ما كنت أسعى إليه، اجتمعنا أكثر من مرة مع الدكتور محمد سعد لمناقشة الديكور، وقام برسم نحو اثنى عشر اسكتشا، ثم نفذ ثلاث ماكيتات، وبعدها بدأنا نراجع أدق التفاصيل، وغيرنا الخامات أكثر من مرة، حتى وصلنا إلى الشكل الذى يخدم العرض، فاستغرق العمل على الديكور وحده أكثر من ثلاثة أشهر، لأننا كنا نمنح كل عنصر حقه الكامل، ولم يكن هناك شيء يُنفذ على عجل.
الأمر نفسه تكرر مع الموسيقى، ظل النقاش مستمرا بينى وبين نبيل حتى قبل الافتتاح بيوم واحد، كنا نستمع ونناقش، وكلما شعرت أن هناك جزءا لا يحقق الذى أبحث عنه كنا نعيد العمل عليه من جديد، أتذكر أننى أخبرته قبل الافتتاح بأن هناك ما لا يعجبنى، فظل يعمل عليها حتى حضر يوم الافتتاح وقد أعاد العمل عليه ومعه النسخة النهائية للموسيقى جاهزة، هذه الروح كانت موجودة فى كل عناصر العرض.
استعنت فى تصميم الديكور بنحت لأغصان أشجار تمتد فوق الجدران، لكنها بلا جذور أو أوراق..ما الدلالات التى أردت توظيفها من خلال هذا التكوين البصري؟
هناك مستويان، الأول أن هذه الأغصان بلا جذور لأنها خرجت من الجدران نفسها، أى من البيت، باعتباره رمزا للعائلة والحماية، لكنها أيضا بلا أوراق، لأنها أشجار ذابلة فقدت الحياة بعد مقتل شفيقة، لو كانت شفيقة على قيد الحياة، لما ظهرت بهذا الشكل، لذلك أصبحت الجدران امتدادًا للحالة النفسية داخل المنزل، فالجدران تخرج لتواجه متولى وتحاكمه.
أما المستوى الثانى، فهو أن المتلقى إذا نظر إلى هذه التكوينات من زاوية أخرى، فقد يراها أشبه بالشرايين والأوردة داخل المخ، كنت أقصد أن تظل الصورة مفتوحة على الدلالتين.
وماذا عن التعبير الحركى واستخدامك للجوقة كإمتداد لعالم متولى النفسى؟
تولى التصميم الحركى أحمد مانو، وهذه ليست المرة الأولى التى نتعاون فيها، لذلك توجد بيننا مساحة كبيرة من التفاهم. بمجرد أن يقرأ النص يكون قد اقترب من طريقة تفكيرى، فأشرح له الرؤية العامة، ثم أترك له مساحة ليقدم تصوراته، وخلال فترة الاستعدادات أعاد صياغة الحركة ما يقرب من عشر مرات، كنا نجرب ونحذف ونضيف حتى وصلنا إلى الشكل الذى يخدم المعنى الذى أريد التعبير عنه، وبالتالى لم تكن الجوقة راوٍ للأحداث حيث كانت تجسيدا للأفكار والهواجس والصراع الدائر داخل عقل متولى، لذلك أصبحت الحركة جزءًا من البناء الدرامى نفسه
قدمت شفيقة فى ثلاث مراحل عمرية جسدتها ثلاث ممثلات، وفى الوقت نفسه كشفت هذه المراحل عن التحول فى علاقة متولى بها. كيف بنيت هذا التطور الدرامى ؟
الثلاث ممثلات قدمن الشخصية نفسها، لكن فى ثلاث مراحل عمرية ونفسية مختلفة، لم يكن هدفى أن تبدو شفيقة ثابتة فى كل المراحل أردت أن يرى المتلقى كيف تغيرت علاقة متولى معها، لم أكن أرصد تطور شخصية شفيقة وحدها، وإنما كنت أرصد، فى الوقت نفسه، التحول الذى طرأ على شخصية متولى، وكيف انتقل من أخ يحتضن شقيقته إلى رجل يحاكمها وفق المعايير التى ورثها عن المجتمع.
ففى طفولتها كانت شفيقة بالنسبة لمتولى مدللة إلى أبعد حد (شايلها فوق رأسه) ويتحمل مشاغباتها، ويقول لها: (اطلبى نجمة من السماء أجيبهالك)، كانت تضربه وتمزح معه، وكان يرى كل ذلك بعين الأخ المحب الذى لا يرفض لها طلبا، لم تتغير شفيقة، وإنما تغيرت نظرة المجتمع إليها، وتغير معها متولى، الفتاة نفسها، والرجل نفسه، لكن بمجرد أن بدأت ملامح الأنوثة تظهر عليها، أصبحت ممنوعة من الخروج، وأجبرها على خلع الخلخال الذى كان هو نفسه قد ألبسه لها بيده وهى طفلة، لم يعد يتعامل مع أخته الصغيرة التى يدللها، بل أصبح يمارس عليها السلطة نفسها التى كان يرفضها من الأب، بدأ يتحدث بلسان المجتمع، ويمارس سلطة الذكر، ويفرض عليها القيود لأنها أصبحت أنثى، لأنه استبطن القيم التى فرضها عليه المجتمع وأصبح يعيد إنتاجها، ولذلك أجبرها على البقاء فى المنزل، وحاول إرغامها على الزواج من ابن عمه.
كيف تجنبت الوقوع فى تكرار المعالجات السابقة لحكاية شفيقة ومتولي؟
لم يكن هناك أى تأثير لأعمال مسرحية أو سينمائية تناولت الحكاية من قبل، حتى إننى لم يسبق أن شاهدت أى عروض مسرحية عنها، وحتى الفيلم السينمائى الذى سبق أن شاهدته، لم يبق فى ذاكرتى منه سوى الأغنية الشهيرة «بانو بانو»، لأننى كنت متشبعا تماما بحكايتى الخاصة، وبالدراما التى أردت تقديمها، وبالرؤية التى تشكلت لدى منذ البداية
لأى مدى ترى أن الحكايات الشعبية أو التراث الشعبى يمكن أن يعاد قراءته وتقديمه لمعالجة قضايا معاصرة أو إعادة قراءة مفاهيم كانت سائدة؟
حتى اليوم فالتراث لا يتحرك بمعنى أن هناك منظومة فكرية مستقرة تعيش داخل المجتمع وتعيد إنتاج نفسها عبر الزمن فالمفاهيم فى الصعيد مثلا إذا مر مائتا عام أخرى ستبقى بعض البنى الذهنية نفسها، لأن التعامل مع التراث هنا يكون أقرب إلى العقيدة، وقد لمست ذلك بشكل مباشر قبل تقديم العمل، حين عرضته فى الجامعة، وكان معى أحد الشباب من الصعيد، فرفض المشاركة فى المسرحية، وعندما سألته عن السبب، حكى لى واقعة مؤلمة قال فيها إن خلافا بسيطا بين شابين صفع أحدهم الآخر على وجهه أثناء شراء الخبز تطور إلى جريمة انتهت بمقتل أحد الآباء، ثم امتد الصراع إلى وفاة أحد عشر شخصا، فهذه الواقعة دليلا على أن منطق الثأر ورد الفعل ما زال حاضرا بقوة، وأن بعض الأفكار لم تغادر مكانها حتى اليوم، لكن هذا لا يرتبط بالصعيد وحده، حيث يمتد إلى مساحات أوسع فى المجتمع، سواء فى القاهرة أو غيرها. فكم فتاة اغتصبت فكريا وعاطفيا باسم العاطفة والحب أو تم التحرش بها ولم تستطع الإفصاح عن ذلك والشكوى. وربما من هنا تكمن صعوبة الاشتغال على التراث أو إعادة توظيفه؛ لأنه بنية حية مرتبطة بذاكرة المجتمع.
درست الدراما والنقد المسرحى فهل يحدث تداخل لعين الناقد مع عين المخرج أثناء عملك؟
بالفعل درست الدراما والنقد المسرحى، وحصلت على الماجستير، وأستعد حاليا للدكتوراه، لكن فى لحظة الاشتغال الفنى تحديدا، أحاول أن أتحرر من فكرة التخصص، وأن أنظر إلى العمل بعين المتلقى أولا، وأضع نفسى دائما مكان أى شخص بسيط قد يدخل المسرح للفرجة، مثل بائع الذرة مثلا، وأسأل نفسى هل سيصل إليه ما أقدمه أم سيتعقد عليه الأمر؟ لأن المصطلحات الأكاديمية هى للمتخصصين، صحيح أن العرض ينتمى فى بنيته إلى المدرسة التعبيرية من الألف للياء، لكن هل سيدرك المتلقى هذه المدرسة؟ لأنه فى الغالب لن يعنيه هذا التصنيف من الأساس، ولهذا أحرص على تحقيق توازن بين مستويين، أكاديمى يمكن للمتخصص أن يقرأه ويفهم أدواته، ومستوى آخر بسيط ومباشر يصل إلى المتفرج العادى دون وسيط، لذلك لا أتعمد إظهار مرجعياتى الأكاديمية أو تحميل العرض بمصطلحات كبيرة فقط لإثبات المعرفة.
لكن بعيدا عن العرض، هل تنحاز كمخرج إلى مدرسة إخراجية بعينها، أم أن لكل عمل مدخله الخاص؟
لا أنحاز إلى مدرسة إخراجية بعينها، ولا أبدأ أى عمل وأنا أفكر فى أننى سأقدمه وفق مدرسة محددة، فما يقودنى فى الأساس هو النص نفسه، وما يتركه داخلى من أثر أثناء القراءة، فإذا قرأت النص ورأيت العرض يتشكل فى خيالى، وشعرت أنه يلامسنى ويستفزنى، أتحمس لتقديمه، أما إذا لم أرَ له صورة واضحة، أو لم أشعر بأنه يثيرنى كمخرج، فأفضل ألا أعمل عليه، لأننى لن أستطيع العمل عليه كمخرج.
شاركت فى عدد من الأعمال التليفزيونية ممثلًا ومساعد مخرج وكاستينج دايركتور. كيف كانت هذه التجارب، وأين وجدت نفسك أكثر؟
(ضاحكا).. التمثيل جاء بالإكراه، وليس لأننى كنت أسعى إليه، حيث عملت ككاستينج دايركتور، وفى بعض المواقف كنت أجد نفسى مضطرا للنزول أمام الكاميرا، فأحيانا نصور مع الفجر، ثم نفاجأ بأن الممثل الذى وقع عليه الاختيار نسى الحوار، أو لم يستطع أداء المشهد لأى سبب، ويكون المخرج قد فقد أعصابه، ولا يوجد وقت لإحضار بديل، فى هذه اللحظة لم يكن أمامى سوى أن ألبس الشخصية وأؤديها لأننى فى النهاية المسؤول عن اختياره، حتى أننى لم أكن راضيا عن مستوى أدائى فى هذه المشاهد. إلى جانب ذلك عملت مساعد مخرج، واكتسبت من هذه التجربة خبرات مهمة، لكن رغم كل ما قدمته فى التليفزيون، ظل المسرح هو الأقرب إلى قلبى، كثيرا ما كنت أترك أعمالا تحقق عائدا ماديا كبيرا من أجل عرض مسرحى قد لا أتقاضى عنه سوى 350 جنيها طوال سبعة أشهر.
كيف انعكست تجربتك المسرحية على مهاراتك؟
المسرح أفادنى بشكل كبير فى تكوين خبرتى كمخرج، خصوصا فى طريقة التعامل مع الممثلين وفهم الأداء، ففى المسرح، المخرج يكون مسؤولا عن عدد كبير من الشخصيات فى الوقت نفسه، هذا جعلنى أتعامل مع أكثر من عشرين شخصية داخل العمل الواحد، ولكل شخصية طريقة أداء مختلفة وإيقاع مختلف، فكان على أن أفهم كل ممثل بسرعة، وأساعده على الوصول إلى الشخصية المطلوبة، وهذا منحنى سرعة فى استيعاب الأداء، أصبحت قادرا على قراءة المشهد بسرعة، وعلى التفاعل السريع مع الأداء، لدرجة أنه إذا طُلب منى الدخول لتجسيد مشهد، يمكننى العمل عليه خلال دقائق قليلة.
قدمت تجربة بعنوان «سحر الحياة» بمشاركة مجموعة من الشباب الذين حصلوا على جوائز فى التمثيل، فهل كان بداية مشروع لتسليط الضوء على الحاصلين على الجوائز خاصة مع اختفاء البعض دائما بعد انتهاء المهرجانات؟
كان بداية مشروع والعرض كان إنتاجى، كنت أريد أن أقدم من خلاله فكرة بسيطة لكنها مهمة وهى أننا نستطيع أن نصنع عرضا جماهيريا فى نفس الوقت يحمل مضمونا حقيقيا، وفيه قدر من الترفيه، دون أن يفقد أحدهما حساب الآخر، وبدأنا العمل على الرواية وعرضت أربع سنوات منفصلة فكلما قررت عدم تقديمها أجد هناك جمهور وحجز ولكن حين شعرت أنه لابد من تجربة جديدة كسرت الديكور حتى أتخطاها.
ماذا عن ورشة التدريب الخاصة بك، وهل هناك منهج أو أسلوب معين تتبعه فيها؟
ليس هناك منهج ثابت، ولا أرى أنّ هناك ما يسمى بمنهج فى التمثيل، لأن وجود منهج يجعله ثابتا ويُفقده قدرته على التطور، ويحوله إلى شيء أقرب إلى القواعد الرياضية؛ 2 + 2 = 4، ولا يمكن أن تصبح غير ذلك حتى بعد مئة عام. فالأمر أن هناك استيعاب لمجموعة من الأفكار والخبرات التى كتبها من سبقونا، أستخدمها كنقطة انطلاق يمكن تطويرها واختصار الطريق من خلالها للوصول إلى نتائج أفضل؛ فما أعمل عليه هو الفكرة الجديدة، أى ليس منهجا بقدر ما هو محاولة لفهم طريقة اشتغال العقل نفسه، لأننى أرى أن المشكلة ليست فى تدريب الجسد أو الوجه فقط، بل فى تطوير طريقة التفكير عند الممثل حين يتطور العقل يتغير كل شيء تلقائيا؛ الأداء، التعبير، والحضور. أما إذا ركزنا فقط على الجسد أو الشكل الخارجى أو أدوات مساعدة، فسيأخذ ذلك وقتا طويلا وقد لا يصل إلى نتيجة حقيقية.
هل يمكن أن تحل الورش بديلا عن الدراسة الأكاديمية؟
من المستحيل أن تكون الورش بديلا عن الدراسة الأكاديمية، فدائما أقول للشباب إن دورى يشبه دور مدرب الجيم؛ فكل متدرب يدخل وله هدف مختلف، ودورى هو توجيهك وشرح كيفية التعامل مع الأدوات بشكل صحيح حتى تحصل على النتيجة التى تريد تحقيقها.
يبدو أنك معتاد على كسر أفق التوقع لدى المتفرج فسبق وقدمت أيضا تجربة بعنوان «شكسبير فى السبتية».. فكيف تشكلت هذه الفكرة وما الذى دفعك إلى تقديمها؟
تبدأ المسرحية بأوفرتير كلاسيكى لكل أعمال شكسبير، وموسيقى كلاسيكية، ثم فجأة يجد المتلقى نفسه فى منطقة السبتية، فى انتقال صادم لكنه غير مقصود لذاته، بقدر ما هو جزء من بناء الحالة.
التجربة مختلفة وكانت نابعة من حالة إنسانية لمستنى، حيث تدور حول كاتب ناجح وغنى جدا تزوج من حبيبته بعد خطوبة امتدت لسنوات طويلة، وفى عودتهما من رحلة شهر العسل، يتعرضان لحادث أليم تفقد فيه زوجته حياتها، بعد هذه الصدمة ينسحب من العالم، ويختار أن يعيش فى بدروم بمنطقة السبتية، غير قادر على الخروج من أزمته النفسية، وفى عزلته يبدأ فى العودة إلى أعمال شكسبير، خاصة تلك التى تدور حول الحب والفقد، ويحاول أن يعيد كتابتها بنهايات مختلفة، كأنه يريد إنقاذ حبيبته من الموت، وفى خياله دائما تعود إليه، تتحدث معه، تحضر له الطعام، وتشاركه تفاصيل الحياة اليومية، حتى يصبح غير مقتنع تماما بأنها رحلت.
ومن هنا كانت المسرحية؛ فكرة إنسان يريد أن يغير نهايات أعمال شكسبير، حتى لا تموت حبيبته.