العدد 987 صدر بتاريخ 27يوليو2026
«سما».. الطريق إلى القضيب
ماذا يحدث حين تكبر فتاة وهى تسمع منذ طفولتها أنها عار يجب إخفاؤه، وأن وجودها نفسه عبء على من حولها؟ فى تلك اللحظة لا تصبح المشكلة فى العادات والتقاليد وحدها، بل فى الأثر الذى تتركه داخل النفس؛ حيث تتحول نظرة المجتمع إلى صوت يسكن الإنسان ويطارده ويقنعه بأنه أقل قيمة وأقل استحقاقًا للحياة. من هذه الفكرة ينطلق عرض «سما» ليكشف كيف يمكن لبعض الأفكار المتوارثة حين تمارس باسم الشرف أو العفة و التربية، أن تدفع فتاة إلى كراهية ذاتها حتى تصبح أسوأ نسخة من نفسها، وتتحول الضحية ببطء إلى امتداد للعنف الذى تعرضت له.
هناك فرق كبير بين أن تولد فتاة، وأن تولد وهى مطالبة منذ يومها الأول بأن تعتذر عن كونها فتاة. هذه هى العقدة التى يشتغل عليها العرض ، فلم يكن القهر فى حياة البطلة حادثة واحدة يمكن تجاوزها، ولا شخصًا بعينه يمكن تحميله المسؤولية، بل كان أسلوب حياة. الأب يرفض وجودها لأنها أنثى، والأم تربيها على الخوف أكثر مما تربيها على الحياة، والقرية تراقب جسدها قبل أن ترى روحها. حتى الأشياء التى يفترض أن تكون عادية؛ رائحة الطعام، صوت الحذاء، الزواج، تتحول إلى وسائل تذكير دائمة بأنها مطالبة طوال الوقت بأن تكون كما يريد الآخرون لا كما تريد هى.
لهذا لا تبدو سما ضحية رجل سيئ أو أسرة قاسية فقط، بل ضحية أفكار عاشت طويلًا حتى فقد الناس قدرتهم على رؤيتها. أخطر ما تفعله هذه الأفكار أنها لا تكتفى بإيذاء الإنسان من الخارج، بل تدفعه مع الوقت إلى أن يرى نفسه بالعين نفسها التى ينظر بها إليه المجتمع. عندها لا يعود السجن مكانًا، بل يتحول إلى شعور يسكن صاحبه أينما ذهب، حتى لو عبر القارات.
يتعامل العرض مع الفكرة حيث تتسلل عبر كلمات تبدو عادية فلا تأتى القسوة فى صورة مشهد واحد صادم، فوضح العرض ان العادات اعتاد الجميع تكرارها حتى فقدوا قدرتهم على ملاحظة أثرها. فتبدأ الحكاية من لحظة ميلاد فتاة لم تكن مرغوبًا فى وجودها، ثم تتوالى المواقف التى تؤكد لها أن كونها أنثى ليس نعمة، بل عبء يجب أن تتحمله فى صمت. ومع كل موقف ترويه سما يتضح ان المسافة بينها وبين المجتمع ليست فقط هى التى تتسع، بل تتسع أيضًا بينها وبين نفسها، حتى تصبح عاجزة عن رؤية ذاتها بعيدًا عن الصورة التى رسمها لها الآخرون. وهنا تكمن قوة العرض؛ إذ لا يقدم شخصية انهزمت بسبب موقف واحد، بل يكشف كيف يمكن للهزائم الصغيرة حين تتكرر أن تصنع فى النهاية إنسانًا لا يعرف كيف يحب نفسه، ولا كيف يثق فى وجوده.
لم يشأ العرض أن يمنح المتلقى رفاهية انتظار النهاية بل وضعها أمامه منذ اللحظة الأولى. امرأة تقف على حافة قضيب القطار، والسماء تمتلئ بالمطر والرعد، وكأن الطبيعة نفسها تشارك البطلة اضطرابها الأخير. من هذه الصورة يبدأ العرض لا ليطرح سؤالًا عن مصير سما، وإنما ليطرح سؤالًا أكثر إيلامًا: كيف وصلت سما إلى هذا؟ ولماذا لم تجد طريقًا آخر غير هذا القضيب الذى ستنتهى فوقه حياتها؟
هذا الاختيار غير طريقة تلقى العرض بالكامل. فالمتفرج لم يعد يتابع الأحداث بحثًا عن النهاية فهو يعرفها بالفعل، وإنما صار يتتبع تفاصيل الماضى، محاولًا أن يلتقط اللحظة التى انكسر فيها شيء داخل هذه المرأة. وكلما تقدمت الأحداث، بدا واضحًا أن العرض لا يؤمن بوجود لحظة واحدة صنعت المأساة، بل يؤكد أن الإنسان قد ينهزم على دفعات؛ كلمة تقال فى الطفولة، نظرة احتقار، خوف يتكرر، عادة تفرض باسم التربية، ثم تأتى اللحظة التى يبدو فيها الانهيار مفاجئًا، رغم أنه كان يتشكل منذ سنوات.
ولذلك لم يلتزم السرد بتسلسل زمنى مستقيم، وإنما تحرك بحرية بين الماضى والحاضر، كما لو أن الذاكرة هى التى تقود المشاهد، لا المنطق التقليدى للحكاية. فكل ذكرى تستدعى أخرى، وكل موقف يفتح بابًا لموقف سابق، حتى تتراكم الشظايا أمام المتلقى تدريجيًا، فيعيد هو بنفسه تركيب صورة سما. وهذا البناء جاء فى محله لان وجود امرأة تقف على بعد خطوات من الموت لا تستعيد حياتها بترتيب زمنى هادئ، وإنما تستدعيها كما تحتفظ بها الذاكرة: متداخلة، مرتبكة، ومحملة بما لم تستطع نسيانه.
كان اختيار المونودراما فى العرض الأكثر انسجامًا مع العالم الذى يقدمه العرض. فهذه الحكاية لا تحتمل الأصوات الكثيرة، لأنها فى جوهرها صوت واحد يحاول أن يفهم نفسه قبل أن يغادر الحياة. ورغم أن سما تتحدث عن الأب، والأم، والزوج، والحبيب، والطفلة، فلا أحد منهم يظهر على خشبة المسرح، الجميع يعيش داخل ذاكرتها، وكأنهم لم يعودوا أشخاصًا بقدر ما أصبحوا ندوبًا لا تفارقها. وهنا تتحول الشخصية إلى عالم كامل، تنتقل داخله بين أدوار متعددة، فتخاطب أمها تارة، وربها تارة أخرى، ثم ابنتها، قبل أن تعود إلى نفسها من جديد. هذا الانتقال المستمر لم يمنح العرض ثراءً فى الحكى فحسب، بل كشف أيضًا عن حالة التشظى التى تعيشها البطلة؛ حيث لم تعد تواجه الآخرين فى الواقع، وإنما تواجه آثارهم التى استقرت فى داخلها، حتى أصبحت هى الخصم والحكم والضحية فى الوقت نفسه.
تتعقد شخصية سما أكثر حين تصل إلى علاقتها بابنتها فرحة، فلا يقدمها العرض بوصفها أمًا نزعت عنها الرحمة، بل يكشف عن صراع داخلى يزداد قسوة مع اقتراب النهاية. فى البداية تبدو راغبة فى أن تترك طفلتها للحياة، وكأنها ما زالت تؤمن بأن النجاة ممكنة، ثم تتردد، وتحاور نفسها، وتؤكد أن الأم لا يمكن أن تكره ابنتها. غير أن هذا اليقين لا يصمد طويلًا أمام الخوف الذى يسكنها. فكل ما عاشته من قهر ورفض وإهانة يجعلها ترى المستقبل بعين الماضى، فلا تتخيل أن تنتظر ابنتها حياة تختلف عن حياتها. ومن هنا يأتى قرارها الأخير، لا بوصفه فعلًا صادرًا عن الكراهية، وإنما عن أم فقدت ثقتها فى العالم كله، حتى أصبحت ترى الموت أقل قسوة من أن تترك ابنتها تواجه المصير ذاته. هذه اللحظة هى الأكثر إيلامًا فى العرض؛ لأنها تكشف كيف يستطيع القهر، حين يمتد لسنوات، أن يشوه حتى أكثر المشاعر الإنسانية نقاءً، وهو شعور الأمومة.
السينوغرافيا
فى العرض منح كل عنصر على خشبة المسرح وظيفة تتجاوز وجوده المادى، فكان الفضاء المسرحى جزءًا من الحالة النفسية التى تعيشها البطلة. ومنذ المشهد الأول، أسهمت صور المطر والبرق التى ظهرت عبر البروجيكتور فى خلق مناخ مشحون بالقلق، وكأن الطبيعة تستبق ما يدور داخل الشخصية قبل أن تبدأ فى كشف مأساتها.
وجاء قضيب القطار بوصفه العنصر البصرى الأكثر حضورًا طوال العرض، لا باعتباره نهاية تنتظر البطلة فحسب، بل نقطة تدور حولها ذاكرتها كلها. كانت سما تتحرك، وتحكى، وتستعيد ماضيها، بينما يظل القضيب حاضرًا فى الخلفية، فى تذكير دائم بأن النهاية لا تغيب عن المشهد، مهما ابتعدت عنها الأحداث.
ومن أكثر الصور التى لفتت انتباهى لحظة سقوط سما داخل السلم عندما كانت تحكى معاناتها مع زوجها، حيث لم يعد السلم يؤدى وظيفته المعتادة كعنصر ديكورى، بل بدا أقرب إلى مساحة مغلقة تحتجز الشخصية داخلها. وزاد هذا الإحساس مع الإضاءة الصفراء التى أحاطت بالمشهد، لتمنحه شعورًا بالاختناق والعزلة، حتى بدا وكأن البطلة لا تسقط فى فراغ، وإنما داخل سجن صنعته سنوات طويلة من الخوف والقهر. وهكذا نجحت السينوغرافيا فى التعبير عن الحالة النفسية من خلال الصورة دون الحاجة إلى تفسير مباشر.
الرموز والدلالات
حمل العرض كثيرًا من تفاصيل يوميه حيث تصبح دلالات تتجاوز معناها المباشر، من أكثر الجمل التى تتوقف عندها الذاكرة تكرار سما لعبارة «أنا جعانة». لم يكن الجوع هنا مقصورًا على الحاجة إلى الطعام، فالشخصية بدت جائعة إلى كل ما حرمت منه؛ جائعة إلى الأمان، وإلى الاحتواء، وإلى حياة تشعر فيها بأنها مرغوبة لا عبء وأنوثتها ليست سببًا للعقاب. لذلك كانت العبارة تتردد كلما ضاقت بها الدنيا، وكأنها تختصر سنوات طويلة من الحرمان فى كلمتين بسيطتين.
وبالقدر نفسه، جاءت حكاية الملوخية من أكثر لحظات العرض قسوة. فالمقارنة بين رائحة الطعام إذا انتشرت ، وبين الفتاة التى إذا «فاحت ريحتها» تمحى معالمها، تكشف تلك الحكاية كيف يختزل جسد المرأة فى بعض البيئات إلى مفهوم الشرف وحده، حتى يصبح وجودها كله مرهونًا بفكرة الخوف والرقابة. ترك العرض هذه الفكرة تتسلل عبر حكاية تبدو بسيطة، لكنها تحمل فى داخلها نظرة مجتمع كامل إلى المرأة.
وبالنسبة لبحث سما عن «الهون» لتقيم سبوع طفلتها محاولة يائسة للتشبث بطقس من طقوس الفرح، وكأنها تريد أن تمنح ابنتها بداية لم تنلها هى يومًا. إلا أن هذه الرغبة تصطدم، مع تطور الأحداث، بالخوف الذى يسيطر عليها، فيتحول الحلم إلى مأساة، وتصبح الطقوس التى ارتبطت بالحياة شاهدًا على اقتراب الموت.
الأداء التمثيلى
عرض المونودراما يضع ممثله أمام اختبار صعب؛ فلا شريك على الخشبة يسانده، ولا فرصة للاختباء خلف إيقاع جماعى. وكل ما يحدث يظل معلقًا بقدرته على الإمساك بانتباه الجمهور منذ اللحظة الأولى وحتى إسدال الستار. فى هذا العرض استطاعت «مروة عبدالمنعم» أن تتجاوز هذا الاختبار بثقة واضحة، فلم تعتمد على الانفعال وحده، بل بنت الشخصية تدريجيًا، وكشفت تحولاتها النفسية من خلال الأداء والحركة وطريقة إلقاء الحوار.
وكان لافتًا أن تفاعل الجمهور لم يأت على استحياء، بل بدا حاضرًا طوال العرض، خاصة فى المشاهد التى كسرت فيها الممثلة الحاجز التقليدى بين الخشبة وقاعة المتفرجين، مثل لحظة قراءة الخطاب أو بحثها عن الهون. لم يكن هذا التفاعل مجرد استجابة لموقف درامى، بل دليلًا على أن العرض نجح فى إشراك المتلقى داخل عالم سما، حتى بدا وكأنه يعيش تفاصيل الحكاية معها، لا يكتفى بمشاهدتها من بعيد.
ويظهر أثر هذا الأداء بوضوح فى النهاية، حيث سيطر الصمت على القاعة، وبدا التأثر واضحًا على كثير من الحضور. وربما كانت هذه هى العلامة الأصدق على نجاح الممثلة؛ إذ استطاعت أن تحافظ على صدق الشخصية حتى آخر لحظة، وأن تنقل ألمها إلى الجمهور من دون افتعال أو مبالغة، وهو ما منح العرض واحدة من أهم نقاط قوته.
لا يمنح «سما» متلقيه راحة الوصول إلى إجابة نهائية، وهذا ربما أحد أسباب بقائه فى الذاكرة. فكل مشهد يعيد طرح السؤال نفسه بصورة مختلفة، حتى يصبح الحكم على البطلة أقل أهمية من محاولة فهمها. وعندما تنطفئ الإضاءة، لا يبقى فى الذهن مشهد القطار وحده، بل يبقى السؤال الذى ظل يرافق العرض منذ بدايته: متى يتحول ما نسميه عادات إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل الإنسان، وربما تدميره؟