مجرم.. العرض الخامس!

مجرم.. العرض الخامس!

العدد 985 صدر بتاريخ 13يوليو2026

مسرحية «مجرم» كانت العرض الخامس فى تاريخ الفرقة القومية، وهى مسرحية ألمانية كتبها «رتشارد فوس» وترجمها «أحمد شكري»، ولعل القارئ يظن أن المترجم «أحمد شكري» ترجمها خصيصًا للفرقة القومية! والحقيقة أن نسخة مخطوطة هذه الترجمة محفوظة فى «المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية» مؤرخة فى عام 1933، مما يعنى أن المسرحية لها ماض قبل ظهورها فى عروض الفرقة القومية! ونسخة المركز بها أوراق توثيقية رقابية، من يطلع عليها يعلم أن أحمد شكرى ترجمها لصالح فرقة «عبد الرحمن رشدي» من أجل عرضها يوم 7/6/1933، ولا نعلم هل تم عرضها أم لا! ولكننا نعلم أن المسرحية نالت الترخيص الرسمى بعرضها فى هذا التاريخ من قبل الرقابة المسرحية!
كما أن الوثائق الرقابية تحمل ملخصًا للمسرحية، جاء فيها الآتي: تقع أحداث المسرحية فى ألمانيا، حول شخص حُكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة ويُدعى «توماس»، وذلك لجناية قتل لم يرتكبها! وبعد عشرين عامًا يظهر فاعلها وهو «وليم سميث» أحد شهود الإثبات معترفًا فى مرض موته، ثم يُطلق سراح المحكوم عليه، ويقوده مساعد مدير السجن حيث «مارتا» زوجته فإذا بها تعاشر شخصًا يدعى «كرامر» أواها وولديها «جوليا وكارل». ويكتشف الزوج العلاقة ويحضر من وراء حجاب مناقشة بين الزوجة وعاشقها يفهم منها كيف انتهز العاشق ظروف زوجته التعسة فاستثمرها شر استثمار، ويسمعها كيف تثور ضد العاشق وتصارحه بأنها ما أحبته قط، بل تحتقره فيهتاج العاشق ويريد ضربها فيخرج الزوج من مكمنه ويضرب العاشق ببلطة فيقتله، ويسلم نفسه للبوليس قائلًا: «سلوا السماء وقضاءكم العادل عن سبب إجرامى».
بدأت الفرقة القومية تُعلن عن المسرحية فى أغلب الصحف فى أوائل فبراير 1936، قائلة الآتى: «الفرقة القومية المصرية على مسرح دار الأوبرا الملكية، ابتداء من الأحد 2 فبراير إلى الخميس 6 منه، رواية «مجرم» ذات 3 فصول، مأساة عصرية للكاتب الألمانى «ريتشارد فوس»، ترجمها عن الألمانية الأستاذ «أحمد شكرى»، أخرجها الأستاذ «عزيز عيد» ويمثل «توماس». يشترك فى التمثيل (ترتيب الأسماء حسب الحروف الهجائية): دولت أبيض، فردوس حسن، حسين رياض، زكى رستم، عباس فارس، على رشدى، فؤاد سليم، فؤاد شفيق، فؤاد فهيم، منسى فهمى. الشعبة الموسيقية للفرقة مكونة من كبار العازفين بالاشتراك مع الأساتذة: عبد الحميد عبد الرحمن، محمود عبد الرحمن، عبد الحليم محمود. الأحد 2 فبراير حفلة نهارية فقط الساعة 6 تمامًا. أسعار الدخول خالصة ضريبة الملاهي: بنوار 120، لوج أول 80، لوج ثان 60، كرسى ممتاز 20، فوتيل 15، ستال 12، بلكون 10، أعلا 7. تُطلب التذاكر يوميًا من شباك الأوبرا من الساعة 9 صباحًا إلى الساعة 1، ومن الساعة 4 بعد الظهر، تليفون 51793».
أول مقالة وجدناها منشورة بعد عرض المسرحية، كتبها ناقد مجلة «الكشكول» الفنى «عزيز أحمد فهمي» - ليسانسيه فى الآداب – قائلًا تحت عنوان «رواية مترجمة»: ليست كل رواية صالحة للترجمة. فمن الروايات ما لا يمكن أن يعيش إلا فى موطنه، ومنها ما يستطيع أن يعيش فى كل أرض، ومن الروايات ما لا يمكن أن يعيش إلا فى زمنه، ومنها ما يستطيع أن يعبر الزمن إلى الخلود، فيعيش فى كل عصر، قويًا فتيًا أخاذًا، يجذب الأنظار والقلوب إليه، ويبحث اللذة الفنية فى النفوس حين يدخل إلى النفوس، ويحمل الأذهان على التأمل والتفكير كلما جالت الأذهان فيه، وسلطت أضواء ما عليه. ورواية اليوم التى نحن بصددها من هذا النوع الخالد، الصالح للحياة فى كل زمان ومكان، فهى تتناول نظام القضاء الأرضى بالنقد، والقضاء الأرضى موجود منذ وُجدت المدنية، وسيظل موجودًا ما دامت المدنية، وهو موجود فى كل الأمم المتمدينة، وعند كل الشعوب المتحضرة، وسيظل هكذا قائمًا بما فيه من فضائل، وبما فيه من عيوب، لأن الإنسانية لم تستطع إلى اليوم أن تنقيه من عيوبه، ولا أن تبرئه من مثالبه. فالقضاء فى كل الدول وفى كل العصور يعتمدون على أحكامهم اعتمادًا كبيرًا على شهادة الشهود وعلى قرائن الأحوال، وكثيرًا ما يلفق الشهود. شهاداتهم، وكثيرًا ما تتواطئ قرائن الأحوال على بريء فتلقى به فى موارد التهلكة، ما من سبيل لحماية الأبرياء من شهادة الشهود الملفقين إذا حذقوا تلفيق شهاداتهم، وما من سبيل للنجاة بهم من تواطؤ القرائن إذا شاءت الظروف القاهرة الخارجة على إرادة الإنسان أن تنجيهم للبريء وأن تأخذه بذنب مجرم أثيم تطلق سراحه وتمهد له العيش الرغيد. هى حكمة الله التى نعجز حيالها ونخشع والتى نقف أمامها مكتوفى الأيدى لا ندرى كيف نسلك معها طريقًا يقربنا مما تعرضنا له.. أنكف عن مقاضاة المجرمين خشية أن نخطئ فى الحكم عليهم؟ إذن تمتلئ الدنيا شرًا، فكثيرون من الناس سيطلقون لترهاتهم العنان، وسيأكل القوى الضعيف أكلًا وسيطغى الغنى على الفقير طغيانًا، وسينهار المجتمع انهيارًا، فلا تطيب الحياة فى الدنيا إلا لمن سلحته الطبيعة بقوة الجسد، وقوة الدهاء، وسيتوارى الخير، وستخيب آمال الأديان والقوانين. أنفعل هذا ونجنى ثمرته أم نصر على هذا النظام الذى اتخذناه لأنفسنا، فنقيم القضاء فى الأرض، ونحاسب المجرمين ونحاكمهم، ونحكم عليهم بما يرضى ضمائرنا. ونحرص كل الحرص على أن لا نخطئ فى أحكامنا ونحن بعد ذلك غير مسئولين عما نقع فيه من أخطاء، لأننا لا نرى بأبصارنا إلا ما يقع فى مجال أعيننا، ولا نسمع بأسماعنا إلا ما يدوى فى محيط آذاننا ولا ندرك بأنها منا إلا ما تستطيع أذهاننا أن تكشفه وأن تميزه.. أنفعل هذا؟ إذن فسينجو مجرمون كثيرون من عقاب يستحقونه وسيقع أبرياء كثيرون فى عقاب لا يستحقونه. 
مؤلف رواية «مجرم» يثير هذه المسألة فى روايته إثارة عنيفة، ويحملك بما يسوقه لك من حوادث على أن تفكر فيها طويلًا ويظل هو يثيرك ويثيرك، ويدفعك إلى التفكر ويدفعك، ويفصل لك المسألة تفصيلًا دقيقًا رائعًا وأنت تحت هذا الضغط كله مأخوذ مشدود، تريد أن تجد المفر من المأزق فلا تجد إلا أن المؤلف يطبق عليك الخناق فلا مفر ولا منجى، تريد أن تجد الحل لهذه العقدة فتجد أن المؤلف يقيدك تقييدًا عنيفًا فلا حل ولا مهرب وحتى إذا أشرفت الرواية على الانتهاء وحتى إذا يئست. من المخرج تهتدى إليه، والحل يؤاتيك إذا بك ترى المؤلف يسوق لك حكمة الحكم وعظة العظات فى كلمة هادئة كلها نور، وكلها اطمئنان، وكلها خشوع، وكلها إيمان! ينطلق لسان البطل المعذب الذى اعتدى عليه رجال القانون مخدوعين بالشهادة الزور والقرائن الخاطئة. ينطلق لسان هذا الضحية بما انطلقت به ألسنة الأنبياء الذين صفت أرواحهم والذين عرفوا ضعف الإنسان ويتقنوا منه، والذين رأوا أن العبث كل العبث فى أن يقاوم الإنسان ما لا طاقة له بمقاومته من صروف الحياة بقولها فتنزل بردًا وسلامًا على قلب كل مؤمن اطمأن إلى ربه.
وتحت عنوان «الصلاة»، قال: نعم فلسنا بقادرين إلا على الصلاة ولا منجى لنا من شر الحياة إلا بالصلاة ولا سبيل لنا إلى الله إلا الصلاة ولتكن بعد ذلك الصلاة كما تكون، ليؤدها كل مؤمن كما يريد ولكنها مهما كانت، وكيفما كانت البلسم الدافئ الذى لا شافى غيره.. يا لنا من ضعاف، ولكن يا لنا من مغرورين! ويا لنا من عجزة، ولكن يا لنا من مدعين للقوة والجبروت! ماذا نحن، ونحن لا نستطيع أن نثبت براءتنا حينما نكون أبرياء! الحق إذا أطلق ظهر وبان، أما إذا تقيد بالإنسان فكثيرًا ما يخفى ويستكين. 
ويستكمل الناقد موضوعه، قائلًا: أراك تلاحظ أن قوة المؤلف، وقوة الموضوع، وقوة الفكرة قد جرفتنى بعيدًا عن حوادث الرواية، ولكن ثق أن المؤلف يلذ له أن تبتعد ما تشاء عن حوادث قصته، وثق أيضًا أنه لا يهتم كثيرًا ولا قليلًا بأن قصته وما خلق فيها من صور الحياة، وما حرك فيها من دُمى وما أجرى فيها من ألحان حزينة مكتئبة ثق أن «نوس» الذى لم أعرفه من قبل هذه الرواية رجل كبير القلب كبير العقل، وأنه أديب فنان ساقط على صميم الحياة لا تبهره الأعراض، ولا تجذبه الزخارف، وثق أن اسمى ما يتوق إليه «فوس» بعد أن تشاهد قصته أو أن تقرأها. هو أن تصلى.. وهل فعلت أنا شيئًا غير إغرائك بالصلاة؟! وهل فعلت أنا هذا إلا لأنه ملأ نفسى، وملك مشاعرى؟ إذن فهو راضى عنه. أما أنت فأنا لم أعودك أن استرضيك، فكثيرًا ما صدمت رأيك، وكثيرًا ما طالعتك بما تكره ولكنى واثق بأن الزمن كفيل أن يضمك إلى صفى. فإذا احتملت عشرتى هذه على ما فيها من غصة فأرجوك أن تهنى معى أخى أحمد شكرى على حسن اختياره لهذه القصة، كما أنى أرجوك أن تهنئه معى على لغته العربية السليمة التى أدى بها هذه القصة تأدية رائعة جميلة، زد على ذلك ما كان يبعد فى أسلوبه من تأثره بفكرة المؤلف تأثرًا كاد يدمجه فى روحه وكان ينسينا أحيانًا أنه يترجم، وكان يحملنا على الظن كثيرًا بأنه إنما يؤلف ويكتب ما توحى به إليه نفسه وروحه.. وهذا هو كل ما نطلبه من المترجم الفنان. 
ويسرد الناقد موضوع المسرحية، قائلًا: شاب موظف فى إحدى الشركات التجارية له زوجة شابة يحبها وتحبه، وله زميل خبيث يظهر له الوفاء والإخلاص، وهو فى قرارة نفسه يتمنى له الموت ليفوز بزوجته التى يحبها هو. ويدعى هذا الزميل الخبيث عن صاحبه لمدير الشركة الشاب، ويوهم صاحبه بأنه يريد أن يعتدى على زوجته، فيذهب الشاب إلى مشرب ويحتسى الخمر ويتوعد على مسمع من الناس هذا المدير الشاب وينذر بقتله، ويريد أن يعود إلى منزله وفيما هو فى الطريق يتذكر شيئًا تركه فى المكتب فيذهب ليأخذه، وهناك يسمع طلقًا ناريًا، فيدخل غرفة المدير الشاب فيجده مقتولًا فيقف أمامه مذهولًا فإذا بصاحبه يخرج له، ويفتح خزانة القتيل، ويأخذ منها نقودًا يضعها فى جيبه ويأمره بمغادرة الحجرة والفرار إلى أمريكا، وتأتى الجماهير عندئذ فترى الشاب المسكين ملوثًا بالدم لأنه كان قد ركع إلى جانب الجثة، وترى مسدسًا له ملقى على الأرض فقد اشترى له زميله الخبيث مسدسًا قبل ذلك بيوم ليخرجا إلى غابة يتدربان فيها على إطلاق النار. فيقبض عليه، ويشهد الصديق الخائن المجرم على صاحبه، وتتأزم الظروف حدة فيسجن ويبقى فى السجن عشرين عامًا، وفى آخرها يشرف على الموت، فتدب إلى ضميره الحياة فيعترف بجريمته ثم ينكرها.. ينكرها إذا ما أحس فى جسمه قوة وقدرة على الحياة، ويعترف بها إذا وجد نفسه يخطو إلى القبر سريعًا.. ويكتفى المحققون بهذا الاعتراف ليطلقوا سراح المتهم البرىء. ولكنه يسألهم إلى أين؟ فقد اطمأنت نفس الرجل إلى اليأس وطلب له السجن، وقطع فيه كل صلة له بالحياة.. ولكنهم يغرونه بالحياة بذكر زوجته وولديه، فقد كان له من زوجته ولد وبنت.. ويقابل الرجل زوجته فإذا هى خليلة لرجل فاسد يذيقها مرارة العيش. ويرى ابنته فإذا بها فرحة، لأنها عثرت على خطيب طيب القلب، ويلقى ابنه فإذا هو ثائر يريد قتل خليل أمه، فيهدئ الرجل من روعه وهما غير متعارفين، فإذا كشف الرجل حقيقته لزوجته وهم بالرحيل معها هبط عليهما الخليل القذر الشريد، واعتدى عليها بالسب واللعن والتأنيب والتقريع، وهنا لا يملك الرجل نفسه فيقتله بـ«البلطة» التى كان ابنه يريد أن يقتله بها.. أدى المجتمع إذن الدين، ولكن المجتمع لا يعترف بدينه نحو الأفراد وإنما يأخذ الأفراد بما عليهم من الدين له، فقد ألقى القبض على الرجل مرة أخرى وهو يصيح: أنا مجرم.. والله وحده وقضاؤكم العادل يعلمان لماذا أصبحت مجرمًا.
وأخيرًا قال الناقد: أخرج هذه القصة عزيز عيد ومثّل فيها دور المأخوذ بجرم غيره، فلم يكن مثله فى التمثيل أحد، ولم أستطع أن أتخيل إجادة وراء إجادة عزيز لدوره هذا. ولقد اشترك مع عزيز فى أدوار البطولة حسين رياض، وعباس فارس، ومنسى فهمى، ودولت أبيض، وفردوس حسن. ولقد وقفوا جميعًا فى تصوير ما أرادوا تصويره لنا من إحساس وشعور وفكر.. ويقولون إن وزير المعارف خرج من مشاهدته لهذه القصة وهو يقول إنه كان من الواجب أن يفتتح بها موسم الأوبرا هذا العام بدلًا من أهل الكهف.. وهذا إعجاب نهنئ به أحمد شكرى ونظن أنه سيحثه على ترجمة غير هذه القصة من الأدب الألمانى البعيد فى مصر إلا عن القليلين. [توقيع] «عزيز أحمد فهمى» ليسانسيه فى الآداب.


سيد علي إسماعيل