التكنولوجيا المتلاشية شفافية الوسائط فى فنون الخدع المسرحية(1)

التكنولوجيا المتلاشية شفافية الوسائط فى فنون الخدع المسرحية(1)

العدد 985 صدر بتاريخ 13يوليو2026

لا تزال خدعة «السيدة المختفية» التى ظهرت عام 1886 واحدة من أشهر الخدع المسرحية وأكثرها تميزًا حتى يومنا هذا. تعتمد هذه الخدعة على مبدأين: يقوم المؤدى بنشر جريدة على الأرض ويضع كرسيًا فوقها. ثم يدخل مؤدى آخر، ويجلس على هذا الكرسى، ويُغطى من رأسه إلى أخمص قدميه بقطعة قماش حريرية كبيرة. وعندما تُزال قطعة القماش (وقد قام بعض المؤدين بإخفائها تمامًا)، يصبح الكرسى فارغًا. يُشير السحرة المعاصرون إلى هذه الخدعة الخالدة باسم «كرسى دى كولتا»، نسبة إلى مخترعها، الساحر الفرنسى بواتييه دى كولتا، ولكنها ربما اشتهرت أكثر من خلال فيلم جورج ميلييس القصير الصامت «إسكاموتاج» (1896) الذى يحمل عنوان «سيدة فى المسرح» من إخراج روبرت هودان. بينما مكّن باب سرى من الاختفاء على خشبة المسرح، استخدم ميلييس، رائد المؤثرات الخاصة السينمائية، تقنية مونتاج تسمى وصلة الاستبدال لإنشاء التأثير على الفيلم.
فى كلتا النسختين، تظل التكنولوجيا أو الآلات التى تُنتج التأثير غير محسوسة للجمهور. يجادل هذا الفصل بأن اختفاء الوسائل التى تُسهّل الايهام هو سمة أساسية لفنون الخدع المسرحية، وخاصة الأوهام الحديثة شديدة الآلية التى ظهرت فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر. إذا فُهمت الوسيلة على أنها وسيلة بالمعنى الأوسع للكلمة، أى الوسيط الذى يسمح بالتبادل بين شيئين أو أكثر، فإن المسرح نفسه يمكن اعتباره وسيلة. وينطبق الشيء نفسه على آلات المسرح وأدوات السحرة. فى نظرية الإعلام الألمانية، افترض باحثون مثل سيبيل كريمر وديتر ميرش نظرية سلبية للوسائط. تزعم هذه الأطروحة أنه من أجل تحقيق أفضل نتيجة ممكنة، يجب أن تصبح الوسيلة غير محسوسة، ولا تظهر كوسيلة إلا فى لحظة الخلل. وينطبق الأمر نفسه على مسرح السحرة باعتباره وسيلة وأداة: فلكى يكون الوهم فعالًا، يجب أن تصبح الوسائل المستخدمة فى إنتاجه غير محسوسة. وفى الوقت نفسه، ولتعزيز التأثير، يتم تنبيه الجمهور عمدًا إلى حقيقة أنهم يشاهدون وهمًا. هذه السمة الغامضة للسحر الحديث – اختفاء وسائطه وتجسيده على خشبة المسرح - هى محور هذا الفصل. ولتوضيح هذه الفرضية، يؤرخ هذا الفصل للتقاليد الثقافية لفن الخدع البصرية على المسرح، والتى لا تزال رائجة حتى اليوم، من خلال تتبعها إلى النصف الثانى من القرن التاسع عشر.

•  العصر الذهبى لفن الخدع المسرحية 
لا تزال معظم الخدع البصرية الكبرى التى تهيمن على المخيلة الثقافية اليوم – مثل “نشر شخص إلى نصفين”، و”كرسى دى كولتا” الموصوف أعلاه، أو الخدع التى تُحلّق فى الهواء - ابتُكِرَت خلال ما يعتبره مؤرخو السحر اليوم العصر الذهبى لفنون الخدع المسرحية، والذى امتد تقريبًا من عام 1850 إلى 1920، أو من عام 1880 إلى عام 1930، وذلك بحسب التقسيم الزمنى الذى يعتمد عليه المؤرخون واختيارهم للنماذج التى يعتمدون عليها.() وخلال هذه الفترة، استغل السحرة أحدث التقنيات والمواد والاختراعات، ودمجوها فى عروضهم بطرق متنوعة، لاسيما فى الخدع البصرية الكبرى التى جمعت بين الميكنة، والدهشة الرومانسية، والإيمان بالتقدم الذى كان سائدًا قبل الحرب العالمية الثانية. كان القرن التاسع عشر عصرًا لتقدم تكنولوجى وعلمى غير مسبوق. لم يشهد تصنيع الاقتصاد وميكنة النقل والعمل فحسب، بل شهد أيضًا بدايات الطب الحديث، وتأثير الوسائط على الحياة اليومية. أعادت التكنولوجيا تشكيل الإدراك، إذ “أدت سلسلة من التغيرات الجذرية فى التكنولوجيا والثقافة إلى خلق أنماط جديدة مميزة للتفكير فى الزمان والمكان وتجربتهما”. وأصبح قطاع الترفيه يعتمد بشكل كبير على فن الخدع البصرية، لا سيما فى شكل البانوراما والديوراما والأجهزة البصرية مثل الثوماتوب والكاليدوسكوب والستيريوسكوب. ومنذ النصف الثانى من القرن التاسع عشر، شقّ السحر طريقه من عروض الملاهى إلى خشبة المسرح، ليصبح شكلًا ترفيهيًا أكثر احترامًا ووجاهة. وحرص السحرة المعاصرون، مثل جان أوجين روبرت هودان، على الظهور بملابس السهرة، مستخدمين أدوات شفافة بدلًا من تضليل جمهورهم بمجموعة من الأجهزة اللامعة كما فعل أسلافهم، مثل الساحر النمساوى لودفيج ليوبولد دوبلر. وبصفته صانع ساعات، وظّف روبرت هودان المبادئ التقنية والميكانيكية. واستخدم الكهرباء والمغناطيسية فى العديد من خدعه، وصنع عددًا من الآلات ذاتية الحركة، بما فى ذلك آلة للكتابة والرسم، والعديد من الآلات السحرية (شبه) ذاتية الحركة، والتى دمجها فى عروضه على المسرح، مثل أنطونيو ديافولو، لاعب الأرجوحة الذى كان يؤدى الشقلبات. فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، تخصص العديد من السحرة فى الخدع البصرية الكبرى، أى المؤثرات المرئية للغاية التى تكشف عن سرد (غالبًا ما يكون بدائيًا) حول البشر أو الحيوانات الكبيرة، وتستخدم آلات أو أجهزة مسرحية واسعة النطاق.()

•  المحاكاة والاخفاء فى فنون الخدع المسرحية 
 للوهلة الأولى، يبدو من المفارقات أن فنون الخدع البصرية فى أوروبا الغربية وأمريكا قد بلغت ذروتها فى عصر التصنيع، والميكنة، والعقلانية، فضلًا عن ترسيخ المعرفة وتقنينها. فأى نوع من السحر هذا الذى أنتجته الثقافة الغربية فى أواخر القرن التاسع عشر؟ إن اعتبار العصر الذهبى للخدع البصرية رد فعل على التنوير فى صورة إعادة سحر للعالم يُبسط الأمر. بل إن التناقض بين ما يُسمى بالتنوير وما أسماه من اعتبروا أنفسهم متنورين “خرافة” هو تناقض ايهامى. وهكذا، فإن العصر الذهبى للسحر ليس تراجعًا إلى مجموعة معتقدات ما قبل التنوير ولا رد فعل على الحداثة بمعنى التعويض عن العقلانية أو الحركة المضادة لها. () إنه ليس استجابة لتوق ثقافة صناعية حديثة إلى رؤية للعالم تحمل دلالات سحرية، ما قبل العلمانية وعلى العكس، فإن ميكنة القرن التاسع عشر هى الشرط الأساسى للسحر الحديث العلمانى. هذان الأمران لا يتعارضان بل يتكاملان. فعلى سبيل المثال، اعتمدت العديد من الخدع البصرية الكبرى فى ذلك الوقت على مواد مثل ألواح كبيرة من الزجاج أو المرايا، أو أسلاك فولاذية، والتى لم تكن متاحة إلا نتيجة للابتكارات التكنولوجية فى منتصف القرن التاسع عشر. وبالمثل، اليوم، يدمج العديد من السحرة تقنيات الوسائط الرقمية فى عروضهم. على سبيل المثال، ماركو تمبست، الذى اكتسب شهرة عبر قناته على يوتيوب، ينقل الأجسام ثلاثية الأبعاد إلى تمثيلها على الهاتف الذكى أو الكمبيوتر اللوحى أو العكس. سيمون بييرو، الذى يُلقب نفسه بـ”ساحر الآيباد”، يُقدم نسخة من الخدعة الكلاسيكية “فى الأخبار”، حيث يُسكب الماء فى جريدة مطوية، ثم يُسكب مرة أخرى حسب رغبة الساحر، بعد أن تُقلب عدة مرات دون أن تخرج قطرة ماء واحدة.
 علاوة على ذلك، انعكس السحر فى العصر الذهبى على أساسه التكنولوجى والمادى، وعلى البنائية الجوهرية لهذه الأوهام. وبصفتهم ممارسين للسحر العلمانى، وهو مصطلح صاغه سيمون دورينج لوصف “السحر المُنتَج تقنيًا لعروض الشعوذة والمؤثرات الخاصة (...)، والذى لا يدّعى أى صلة جدية بما هو خارق للطبيعة”، لم يتظاهر السحرة المعاصرون بأنهم على صلة بقوى من عوالم أخرى. بل يجادل هذا الفصل بأن السحر العلمانى يُظهر اصطناعيته وتقنيته، كونه من صنع البشر. والأكثر من ذلك، أن السحر الحديث، من خلال ذلك، يعمل كتحليل لتأثيرات الوسائط. لا شك أن الخدع البصرية الكبرى تعتمد على استخدام الوسائط، سواء أكانت أجهزة (مثل “البرتقالة الرائعة” لجان أوجين روبرت هودان)، أو معدات مسرحية (مثل “السيدة المختفية” لبواتير دى كولتا)، أو وسائل اتصال تقنية (مثل “نجمة اليوجي” لأرتشى ماسكيلين)، أو وسائط كلاسيكية كالزجاج والمرايا (مثل “أبو الهول” للعقيد ستودار).() وبالتالى، يمكن اعتبار تأثيرها الوهمى تأثيرًا وسائطيا. مع ذلك، فى السحر العلمانى، على عكس عروض السحر التى تشير إلى قوى خارقة للطبيعة، يُستبعد عمومًا اعتقاد المتفرجين بأنهم قد يشهدون أى شيء خارق للطبيعة حقًا. إجمالًا، من الآمن افتراض أن جمهور السحرة على المسرح يدرك أن ما يرونه على خشبة المسرح هو أوهام متجذرة فى التكنولوجيا أو العلم. بحسب والى سميث، فإن فرضية أن القوة الخارقة للطبيعة ليست سوى محاكاة كانت راسخة فى زمن روبرت هودين على أبعد تقدير، أى فى منتصف القرن التاسع عشر. وهذا بدوره يعنى أن المؤثرات الوسائطية التى يقدمها فنانو الخدع البصرية لم تكن تُعرض لمجرد عرضها، بل كانت تُعرض ضمنيًا دائمًا كمنتج لتقنية مجهولة أو غير مرئية. 


ترجمة أحمد عبد الفتاح