العدد 985 صدر بتاريخ 13يوليو2026
ليست قيمة أى مهرجان مسرحى فيما يقدمه من عروض فحسب، ولا فيما يعلقه على صدور الفائزين من جوائز، وإنما فيما يتركه بعد رحيله من أثر فى الوعى. فالعروض تنتهى، والستائر تُغلق، وتُطوى نشرات المهرجان، لكن ما يبقى حقًا هو السؤال: هل أضاف هذا المهرجان شيئًا إلى المسرح؟ وهل غادر المشاركون والجمهور وهم أكثر إيمانًا بالفن مما كانوا قبل أن يبدأ؟
من هنا لم أنظر إلى الدورة الثامنة والأربعين لمهرجان فرق الأقاليم بوصفها حدثًا تنظيميًا ناجحًا بل بوصفها تجربة ثقافية تستحق التأمل؛ لأنها أعادت طرح سؤال قديم يتجدد مع كل دورة:
كيف يصبح المسرح فعلًا وطنيًا يتجاوز حدود الفرجة ليشارك فى بناء الإنسان؟
ولعل هذا هو السبب الحقيقى الذى جعلنى أكتب هذه السطور؛ لا لأحتفى بدورة ناجحة، بل لأتأمل الأسباب التى جعلتها، فى تقديرى، واحدة من الدورات التى ستبقى فى ذاكرة المسرح المصرى.
وقبل أن أسجل شهادتى عن هذا العرس المسرحى، أرى أن الوفاء يقتضى توجيه التحية إلى كل من أسهم فى نجاحه؛ بدءًا من قيادة الهيئة العامة لقصور الثقافة وإدارة المهرجان، مرورًا بفريق العمل، وانتهاءً بجريدة «بروجيكتور» التى وثقت فعاليات الدورة باحترافية تليق بقيمة الحدث، فنجاح المهرجانات لا تصنعه العروض وحدها، بل تصنعه أيضًا العقول التى تديرها والجهود التى تعمل فى صمت.
وهناك لحظات يخلع فيها الناقد عباءة التحليل، ليرتدى ثوب الشاهد. وكانت مشاركتى فى المنصة النقدية للدورة الثامنة والأربعين من مهرجان فرق الأقاليم واحدة من تلك اللحظات؛ إذ لم أشعر بأننى أتابع مهرجانًا مسرحيًا عابرًا بل صفحة جديدة تُكتب فى تاريخ المسرح المصرى.
منذ اليوم الأول أدركت أننى أمام احتفال يتجاوز حدود المنافسة بين العروض، ليصبح احتفاءً بالمبدع المصرى نفسه، وبإصراره على أن يظل المسرح أحد أهم تجليات القوة الناعمة لهذا الوطن. فقد جاءت الفرق من مختلف المحافظات تحمل خصوصية بيئاتها وتنوع تجاربها، لكنها اجتمعت جميعًا تحت راية واحدة هى راية المسرح المصرى.
ولهذا فإن ما أكتبه ليس مجاملة لمؤسسة أو أشخاص، بل شهادة شاهد عايش تفاصيل التجربة، ورأى عن قرب حجم الجهد الذى بُذل حتى خرج هذا المهرجان بالصورة التى تليق بتاريخ المسرح المصرى. وقد ازددت يقينًا بأن نجاح هذه الدورة لم يكن نجاحًا تنظيميًا فحسب، بل نجاحًا لمشروع ثقافى يؤمن بأن المسرح رسالة لبناء الإنسان وصناعة الوعى، وأن الكلمة الصادقة تظل أصدق أشكال الوفاء للتجارب المضيئة.
التنظيم .. عندما تتحول الإدارة إلى فن:
لم يكن نجاح الدورة الثامنة والأربعين نتاج ما قُدِّم على خشبات المسرح وحدها، بل كان ثمرة إدارة أدركت أن نجاح أى مهرجان يبدأ من احترام التفاصيل. فمنذ اليوم الأول بدت الدقة واضحة فى المواعيد، والانسيابية فى انتقال العروض والندوات، والحضور الدائم لفريق العمل، بما منح المشاركين شعورًا بأنهم جزء من حدث يليق بتاريخ المسرح المصرى.
ولم يكن التنظيم هنا إجراءً إداريًا بقدر ما كان فعلًا إبداعيًا موازيًا لما جرى فوق الخشبة؛ إذ تحولت إدارة المهرجان إلى عنصر من عناصر نجاحه، وأسهمت فى توفير المناخ الذى سمح للفنانين والنقاد والجمهور بأن ينشغلوا بالمسرح وحده.
ومن الإنصاف أن يُنسب هذا النجاح إلى أصحابه؛ الفنان هشام عطوة، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، والفنان أحمد الشافعى، رئيس الإدارة المركزية للشئون الفنية، والأستاذة سمر الوزير، مدير عام الإدارة العامة للمسرح، والأستاذة رانيا الشربينى، مدير المهرجان، الذين قدموا نموذجًا لإدارة ثقافية تؤمن بأن المسرح مشروع وطنى يستحق كل هذا الإخلاص.
المنصة النقدية.. حين يصبح الحوار شريكًا فى صناعة المسرح
إذا كانت العروض المسرحية هى القلب النابض للمهرجان، فإن المنصة النقدية كانت عقله المفكر؛ حيث تحولت التجربة المسرحية من فعل يُشاهد إلى معرفة تُناقش، ومن انفعال لحظى إلى وعى جمالى وفكرى.
وقد كان لى شرف المشاركة فى هذه المنصة التى جمعت نخبة من النقاد والباحثين وصناع المسرح، فى مناخ اتسم بالاحترام المتبادل والإيمان بأن النقد ليس سلطة تُمارس، بل مسؤولية ثقافية تسهم فى تطوير التجربة المسرحية.
ولم تكن الندوات تعقيبًا على العروض فحسب، بل امتدادًا طبيعيًا لها؛ مساحة للحوار وتبادل الرؤى، استقبل فيها صناع العروض الملاحظات بروح منفتحة جعلت النقد أداة للتطوير لا ساحة للخصومة.
ومن هنا أرى أن المنصة النقدية كانت واحدة من أهم مكاسب هذه الدورة؛ لأنها جسدت العلاقة الصحيحة بين الإبداع والنقد، باعتبارهما شريكين فى بناء مسرح أكثر نضجًا ووعيًا.
مسرح الأقاليم.. المشروع القومى الحقيقى لتنمية الوعى الوطنى
وأنا أتابع عروض هذه الدورة، لم يكن السؤال الذى يشغلنى: أى العروض يستحق الجائزة؟ بل كان سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا ظل مسرح الأقاليم، رغم ما واجهه من تحديات، قادرًا على البقاء وصناعة الدهشة؟
كانت الإجابة تتجسد أمامى كل ليلة فوق خشبات المسرح. فمسرح الأقاليم ليس مشروعًا لإنتاج عروض مسرحية فحسب، بل مشروع وطنى لصناعة الوعى. فمنذ أن آمنت الدولة بأن الثقافة حق لكل مواطن، أصبح هذا المشروع أحد أهم أدوات بناء الإنسان المصرى، وترسيخ الانتماء، وإعادة اكتشاف الهوية الوطنية عبر الفن.
إن القيمة الحقيقية لهذا المهرجان لا تكمن فى جمع أفضل العروض فقط، وإنما فى جمع مصر نفسها؛ بوجوهها المتعددة، وبيئاتها المختلفة، ولهجاتها المتنوعة، وأحلام شبابها. فهو يؤكد أن الإبداع لا يعرف مركزًا أو هامشًا، وأن الموهبة المصرية قادرة على الإزهار أينما وجدت من يؤمن بها.
ولذلك خرجت من هذه الدورة أكثر يقينًا بأن المسرح لا يزال أحد أهم أدوات التنوير وصناعة الوعى الجمعى، وأن مهرجان فرق الأقاليم ليس احتفالًا بالمسرح وحده، بل احتفال بمشروع ثقافى يضع الإنسان فى قلب التنمية، ويؤمن بأن بناء الوعى لا يقل أهمية عن بناء العمران.
ومن هنا فإن الحفاظ على هذا المهرجان، وتطويره، ليس مسؤولية المؤسسة الثقافية وحدها، بل مسؤولية وطن يدرك أن المسرح سيظل أحد أنبل أدواته فى مواجهة الجهل والتعصب والانغلاق، وصناعة مواطن أكثر وعيًا وانتماءً وقدرة على الحلم.
مجلة «بروجيكتور» .. حين يتحول الإعلام إلى شريك فى صناعة المسرح:
وسط هذا الزخم الإبداعى، برز دور الإعلام الثقافى بوصفه شريكًا فى صناعة الحدث، لا مجرد ناقل له. وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح فى جريدة «بروجيكتور» اليومية، التى تجاوزت مفهوم النشرة الإخبارية لتصبح مشروعًا ثقافيًا يوثق ذاكرة المهرجان ويمنحه امتدادًا بعد إسدال الستار.
فلم تقتصر صفحاتها على متابعة العروض والندوات، بل قدمت حوارات مع صناع المسرح، ورصدت رؤاهم، ووثقت توصيات لجان التحكيم، لتصبح سجلًا حيًا للدورة الثامنة والأربعين.
والتحية فى هذا السياق تذهب إلى الكاتب والناقد يسرى حسان رئيس التحرير، وإلى إسلام الشيخ مدير التحرير الفنى، وعماد علوانى المحرر العام، وأسامة يس الذى منح الجريدة إخراجًا صحفيًا أنيقًا، ومدحت صبرى الذى حفظ بعدسته الذاكرة البصرية للمهرجان.
لقد أكد فريق «بروجيكتور» أن الكلمة والصورة ليستا مجرد وسيلتين للتوثيق، بل شريكان أصيلان فى صناعة الفعل الثقافى، وأن الصحافة الحقيقية لا تكتفى برصد الحدث، بل تمنحه حياة جديدة تمتد إلى ما بعد انتهاء فعالياته.
مصر التى رأيتها فى مهرجان فرق الأقاليم
غادرت مهرجان فرق الأقاليم وأنا أحمل يقينًا جديدًا بأن مصر، مهما اشتدت التحديات، لا تزال قادرة على إنجاب المبدعين وصناعة الجمال. فما رأيته لم يكن مجرد عروض تتنافس على جوائز، بل وطنًا يعيد اكتشاف نفسه فوق خشبات المسرح، ويؤكد أن الثقافة ليست ترفًا، بل أحد أعمدة بقائه.
رأيت مصر التى تمنح أبناءها فرصة الحلم، وتفتح أبوابها للمواهب القادمة من المحافظات والقرى قبل المدن، مؤمنة بأن المسرح مدرسة للوعى، ومختبر للأفكار، وجسر يصل الإنسان بجذوره وهويته.
ولذلك لم أغادر المهرجان وأنا أتذكر أسماء العروض الفائزة وحدها، بل غادرته أكثر إيمانًا بأن الثروة الحقيقية لهذا الوطن هى الإنسان المبدع، وأن الاستثمار فيه هو الاستثمار الذى لا يعرف الخسارة، ما دام هناك من يؤمن بأن الفن رسالة، وأن المسرح أحد أنقى وجوهها.
أنتم صنعتم مهرجانًا يليق بمصر
بعد أيام عشتها بين خشبات المسرح، وقاعات الندوات، وحوارات الفكر، لم أغادر مهرجانًا فنيًا فحسب، بل غادرت تجربة أكدت لى أن المسرح المصرى ما زال قادرًا على تجديد نفسه كلما وجد من يؤمن به ويخلص له.
شكرًا لكل فنان حمل حلمه من أقصى محافظات الوطن إلى خشبة المسرح، ولكل مخرج وممثل ومؤلف ومصمم وتقنى جعل من الإبداع رسالة قبل أن يكون مهنة، ولكل ناقد آمن بأن الحوار سبيلٌ إلى البناء، ولكل إعلامى وثّق هذه الأيام بضمير مهنى، ولكل جندى مجهول عمل بعيدًا عن الأضواء حتى خرجت هذه الدورة بالصورة التى استحقتها.
وأخص بالشكر الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكل القائمين على هذه الدورة، لأنهم أكدوا أن مهرجان فرق الأقاليم ليس مناسبة فنية عابرة، بل مشروع ثقافى متجدد يحمى الهوية، ويكتشف المواهب، ويعيد الاعتبار لدور المسرح فى بناء الإنسان.
وأغادر هذه الدورة أكثر يقينًا بأن مستقبل المسرح المصرى سيظل بخير، ما دام فى هذا الوطن من يدرك أن بناء الوعى هو البداية الحقيقية لكل بناء، وأن المسرح ليس مجرد فن يُقدَّم على خشبة، بل ضمير أمة يراجع نفسه، وذاكرة وطن تحفظ ملامحه، وجسر تعبر عليه الأجيال نحو مستقبل أكثر إنسانية.
تحية لمهرجان فرق الأقاليم.. وتحية لكل من آمن بأن الستارة لا تُفتح لتبدأ الحكاية فحسب، بل لتعلن أن مصر، كلما وقفت على خشبة المسرح، كانت تكتب فصلًا جديدًا من تاريخها الثقافى.