قدم قصر ثقافة روض الفرج العرض المسرحى «غيبوبة» المأخوذ عن نص «فندق العالمين» للكاتب إيريك إيمانويل شميث، دراماتورج ياسر أبوالعينين، إخراج عمرو أمين، بطولة مجموعة متميزة من الممثلين.تدور أحداث العرض داخل فندق غريب ومعزول، ولا أحد من النزلاء يعرف كيف وصل إليه، ولا توجد به أبواب للخروج بل مصعد واحد يتحرك لجهة غير معلومة، ويكتشف النزلاء تدريجيًا أنهم جميعًا دخلوا فى حالة «غيبوبة» فى العالم الحقيقى إثر حوادث أو أمراض وأن هذا الفندق يجسد البرزخ بين الحياة والموت، وأن الجميع فى حالة انتظار قرار «المصعد» فإذا نزل بالراكب لأسفل، فهذا يعنى أنه استيقظ من غيبوبته وعاد إلى الحياة، أما إذا صعد به لأعلى، فهذا يعنى أنه مفارق الحياة، وخلال فترة الانتظار، يسقط نزلاء الفندق أقنعتهم ومراكزهم الاجتماعية ويبدأون فى مراجعة حساباتهم، ومناقشة مفاهيم الحب، الخوف، الموت، وقيمة الحياة التى لم يدركوها إلا بعد فوات الأوان.وقد اختار الفنان ياسر أبوالعينين «غيبوبة» عنوانًا للعرض، ليفك به شفرة العرض، فالمتلقى يعلم أن هؤلاء البشر فى حالة غيبوبة منهم من سيشفى ومنهم من سيرحل إلى العالم الآخر، وبذلك فقد أوقف تأويلات المتلقى التى ربما كانت ستذهب إلى أفكار مختلفة، خاصة أن الفكرة فى الأساس تخضع للخيال ولا يوجد دليل علمى يثبت صحتها، وربما يكون قد عمد إلى ذلك، لأن المسرحية تخاطب جمهور بسيط حيث تقدم بقصر ثقافة وليس مسرح. وعلى الرغم من توظيف المسرحية لبعض السمات الشكلية لمسرح العبث مثل غموض المكان وحالة الانتظار والقلق الوجودى، فإنها تختلف عنه فى جوهرها الفكرى، فهى تقدم رؤية إنسانية تؤمن بإمكانية اكتشاف معنى للحياة عبر الحب والتجربة الإنسانية، لذلك فهى تصنف ضمن المسرح الفلسفى التى يتسم بالبعد الوجودى أكثر من انتمائه إلى مسرح العبث بالمعنى الدقيق، ويؤسس هذا العرض المسرحى لجمالية «البرزخ» عبر رؤية دراماتورجية تحول خشبة المسرح إلى فضاء يقع فى التماس الحاد بين الوجود والعدم، المسرحية لا تطرح «الفندق» كفضاء للضيافة، بل كبطل درامى يمارس سلطة العزل المطلق ومحكمة لا مرئية تُجبر النزلاء على التخلى عن «أقنعتهم الاجتماعية» لمواجهة ذواتهم العارية، لذا فإن اختيار هذا «اللا مكان» ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو ركيزة استراتيجية لبناء توتر وجودى يتجاوز السرد التقليدى، حيث يتم تعرية زيف الألقاب البشرية أمام حتمية المصعد الذى يشكل أداة الفصل الميتافيزيقى النهائى.اعتمد العرض على بنية سردية دائرية تبدأ من لحظة «التعطل» (توقف ساعة جوليان) لتنتهى عند «الإدراك»، وقد نجح الحوار فى كشف الصراع الطبقى العميق، حيث لم يكن الكلام وسيلة للتواصل بقدر ما كان محاولة يائسة من الشخصيات لاستعادة سلطة مفقودة فى عالم لا يعترف بالتراتبية الأرضية. ويتجاوز توظيف الأغاني- التى كتبتها الشاعرة وفاء عبد الله وقام بتلحينها محمود زاكو- فى العرض مجرد كونه فاصلًا موسيقيًا أو ترفيهيًا، ليتحول إلى أداة درامية وفلسفية فاعلة تسهم فى تعميق البعد الوجودى للشخصيات المحاصرة فى منطقة البرزخ؛ إذ تعمل الكلمات كمعادل بصرى وسيكولوجى يترجم الصراع الداخلى للروح بين التمسك بوهم الحياة الدنيا والانصياع لـ«المآب» الحتمى، ويتضح هذا التوظيف جليًا فى الأغنية التى تطرح التساؤل الفلسفى الذروى: «هل أنتِ الحقيقة؟»، حيث لا تكتفى الموسيقى بخلق البيئة السمعية البرزخية التى تملأ جمود الانتظار، بل تصبح مثل «الكورال اليوناني» الذى يعلق على مصير الشخصيات، وتحديدًا فى الخط الرومانسى بين البطلين (جوليان ولورا)، ليتحول التساؤل الغنائى إلى انعكاس مباشر لتحول البطل من العبثية والسخرية إلى إدراك جوهر الحب كحقيقة وحيدة وسط فضاء الموت، بالإضافة إلى ذلك يتكامل توظيف الأغانى مع المؤثرات الصوتية الحركية فى نهاية المقاطع مثل الأصوات الميكانيكية الشبيهة بحركة المصعد لتجسيد لحظات التحول الفاصلة والقدرية التى تنقل الشخصيات بين عالمى الحياة والموت، ما يسهم فى تمصير النص وتحويل الفلسفة الوجودية الغربية الجافة لإيمانويل شميث إلى تجربة شعورية ووجدانية أقرب للمتلقى.وقد لعب ديكور الفنان عبدالحميد مجد الدين دورًا استراتيجيًا فى تأكيد فكرة «الانتظار الأبدى» فى فندق لا مخرج له، فالنوافذ المصمتة التى لا تفتح تشير إلى انعدام الأفق؛ فلا يوجد خارج لأن الشخصيات فقدت المستقبل، والمصعد هو «البرزخ التقنى» الذى يتحكم فى المصائر، وقد اتسم الديكور بكثير من الغرائبية والغموض الذى يلائم طبيعة العرض، لكنه فى ذات الوقت حمل الكثير من الرموز والدلالات التى عبرت بدقة عن كثير من التفاصيل منها: كيوبيد وسهمه الذى أصاب العشاق (جوليان، لورا)، الذبذبات التى تعبر عن حالة القلب، الأشجار التى تمثل المعرفة وكذلك الصلة بين الأرض والسماء. والملابس هنا لم تكن زينة، بل كانت عبئًا يذكر الشخصيات بما فقدوه، ويظهر التباين فى «بدلة» الرئيس التى ترمز لسلطة مفقودة، وتبرمه من «الرداء» الذى يجعله متساويًا مع الخادمة، الملابس فى هذا العرض هى «آخر المعاقل» التى يحاول النزلاء التشبث بها قبل التجرد الكامل، وجاءت إضاءة أحمد أمين من خلال لغتها البصرية التى تسهم فى بناء الدلالة والجماليات داخل العرض، متسقة مع الديكور والملابس والألوان وحركة الممثلين، فضلًا عن دورها الذى يجسد الإنذار بخروج أو دخول نزلاء المكان، وتوجيه انتباه الجمهور من خلال تسليط الضوء على الشخصيات. أما عن الأداء التمثيلى فقد جاء متميزًا جدًا كعهدى دائمًا بالهواة وكثيرًا ما أصفهم بأنهم أكثر احترافية من المحترفين، فقد تجاوز الممثلون فى هذا العرض الأداء التقليدى نحو «تجسيد الهشاشة»، محولين الحوار الفلسفى إلى نبض محسوس عبر تباين حركى يعكس الصراع بين التمسك بالماضى والقبول بالعدم.مؤمن عيد الذى يجسد شخصية جوليان الصحفى العدمى الذى كان يطارد الحياة وانتقل ببراعة من «الغرور النرجسى» (الركض خلف النساء وسرعة 200 كم) إلى «الهشاشة الكلية» عند مواجهة الدكتورة سين، جسده الذى كان يتحرك بعصبية فى البداية انتهى إلى حالة من السكون الانكسارى، هذا التحول الدرامى يمثل الانتقال من «السرعة العبثية» إلى «بطء المسئولية» والإيمان بالحب كقيمة منقذة، واتسم أداؤه بحركات عصبية متسارعة، انكسار الظهر عند المواجهة.يارا نصار التى تجسد شخصية لورا الملاك الملهم فهى التى تتحول فى الفندق إلى المحرك الروحى لتطهير روح جوليان، مجسدة التضحية فى أرقى صورها، وتميز أداؤها بالمرونة والبساطة وتوحدها مع الشخصية، حتى بدت وكأنها تعيش موقف حقيقى وليس تمثيلًا.وليد عصام الذى يجسد شخصية الرئيس ويمثل التمسك المرضى بالسلطة والمال، صراعه نابع من «فقدان السيطرة المادية» فى عالم لا يعترف بالشيكات المصرفية، وقد تميز أداؤه بالغطرسة والتمسك بالسلطة والجسد المتصلب والمطالبة بالخدمة طوال الوقت والتبرم من الرداء. إمام الطائى الذى يجسد شخصية المنجم راجابور الذى يقدم رؤية متفائلة، مؤكدًا أن جوهر الإنسان يكمن فى وجوده لا فى ممتلكاته، ويتسم أداؤه بالانتهازية والزيف والحركات المتلصصة، ومحاولة استعراض المعرفة.سلمى رضوان التى تجسد شخصية الخادمة مارى قدمت أداءً يجسد «الفلسفة الفطرية» من خلال حركاتها المرتبطة بالتنظيف القهرى (ترتيب السرير، صقل الحوض) ليست مجرد فعل آلى، بل هى تعبير عن «سجن الوظيفة» الذى استوطن جسدها حتى بعد الرحيل، ما جعلها الأكثر تصالحًا مع «حقيقة المكان»، تعاملت مع الموت كاستمرار طبيعى لخدمتها للإنسانية، مؤكدة أن الموت هدية لمن يقدر قيمة الحياة.دعاء الخولى التى تجسد شخصية دكتورة (س) هى الشخصية المحورية الأكثر غموضًا، والذى يبدأ من الاسم فهى الشخصية الوحيدة التى يتكون أسمها من حرف واحد (س)، كما أنها تجسيدًا للقدر فهى التى تمتلك سجلات النزلاء والمتحكمة فى مصائرهم من خلال تنفيذ تعليمات سلطة ما لم تظهر مطلقًا طوال الأحداث، وقد تجسدت كـكيان تقنى بارد؛ أداؤها اتسم بـ«التغريب البريختى»، حيث لا تتعاطف ولا تجامل، بل تقدم الحقيقة العارية كأنها قاضٍ آليًا يفصل بين الحياة والموت.عبده جيمى الذى يجسد شخصية مساعد دكتورة (س) ويتسم أداءه بالألية فهو ينفذ تعليمات الدكتورة من دون تدخل إطلاقًا.الجميع على قدر المسئولية والأداء المتمكن والمتميز خاصة الثنائى الرائع مؤمن عيد ويارا نصار اللذان جسدا حالة حب ورومانسية وقدما معًا رقصات رقيقة وحالمة صممها على جيمى.فى النهاية فقد نجح العرض فى تقديم رؤية فلسفية حادة تتجاوز فكرة «الخوف من الموت» إلى «الخوف من زيف الحياة»، وقد أثبت أن المسرح قادر على تفكيك القضايا الوجودية المعاصرة عبر تحويل الموت إلى «محكمة أخلاقية» للسلوك البشرى.