مسرح ما بعد 30 يونيو أسئلة لا إجابات

مسرح ما بعد 30 يونيو   أسئلة لا إجابات

العدد 984 صدر بتاريخ 6يوليو2026

فى كل عام، ومع اقتراب الثلاثين من يونيو، يعود إلىّ السؤال نفسه: أين مسرحنا من هذا الحدث؟ أين النص الذى استطاع أن ينفذ إلى قلب تلك اللحظة المصرية الفريدة، لا بوصفها واقعة سياسية فحسب، بل بوصفها تجربة إنسانية ووطنية هائلة عاشها ملايين المصريين؟
أين المسرحية التى التقطت نبض الشوارع المزدحمة بالبشر، وقلق البيوت، وانقسام الأصدقاء، وخوف الأمهات، وأحلام الشباب، وشعور المصريين، للمرة الألف فى تاريخهم، بأن الوطن يقف عند مفترق طرق؟
لا أقصد أن المسرح تجاهل 30 يونيو تمامًا. فقد قُدمت أعمال استحضرت الحدث أو أشارت إليه أو احتفت به. كما شهدت سنوات ما بعد يناير عروضًا عديدة، حاولت أن تمسك بروح اللحظة الثورية. لكنها، فى معظمها، انشغلت بالتسجيل والتوثيق أكثر من انشغالها بالتأمل، وبالحدث نفسه أكثر من انشغالها بما تركه الحدث فى النفس الإنسانية.
وهنا تحديدًا يكمن الفرق بين المسرح الذى يلاحق التاريخ، والمسرح الذى يعيد اكتشافه.
فالتاريخ المسرحى يخبرنا أن الأعمال الكبرى لا تُولد عادة فى قلب العاصفة.
والثورة الفرنسية تقدم مثالًا بالغ الدلالة. فعلى الرغم من اندلاعها عام 1789، فإن المسرح الذى وُلد فى سنواتها الأولى كان فى معظمه مسرحًا دعائيًا مباشرًا، يمجد الثورة أو يهاجم خصومها، ولم يبقَ من تلك الأعمال إلا القليل. أما النصوص الكبرى التى جعلت من الثورة موضوعًا للتأمل الإنسانى والفلسفى، فقد جاءت بعد ذلك بسنوات طويلة، بل وبعد أكثر من قرن أحيانًا.
فالكاتب الألمانى جورج بوشنر لم يكتب مسرحيته «موت دانتون» إلا بعد ما يقرب من نصف قرن من اندلاع الثورة، ولم يكن معنيًا بتسجيل وقائعها بقدر ما كان مشغولًا بأسئلتها: ماذا يحدث للثائر عندما يصل إلى السلطة.. وهل تلتهم الثورة أبناءها؟
ثم جاء الكاتب الفرنسى رومان رولان بعد أكثر من مائة عام ليكتب «14 يوليو»، لا ليستعيد الوقائع، وإنما ليستعيد روح الجماهير وإيمانها بالحرية.
ولعل المثال الأكثر دلالة هو مسرحية «اضطهاد واغتيال جان بول مارا، كما مثله نزلاء مصحة شارنتون بإخراج المركيز دو ساد»، أو كما عرفت اختصارًا بـ«مارا ـ صاد»، للكاتب بيتر فايس. فالمسرحية كُتبت بعد ما يقرب من قرنين من الثورة الفرنسية، لكنها لم تعد إلى الثورة لكى تؤرخ لها، بل لكى تسائلها، لا عن: كيف انتصرت الثورة؟ بل عن ماذا فعلت الثورة بالإنسان؟ وهل تحقق الثورات وعودها؟ وهل يتغير العالم حقًا أم تتغير فقط وجوه السلطة؟
بل إن أحد أعظم العروض المسرحية عن الثورة الفرنسية، وهو عرض «1789» الذى قدمته أريان منوشكين مع فرقة مسرح الشمس، لم يظهر إلا عام 1970، أى بعد مائة وواحد وثمانين عامًا كاملة من اندلاع الثورة. وكأن التاريخ كان يحتاج إلى كل تلك المسافة الزمنية حتى يتحول الحدث السياسى إلى مادة للتأمل الفنى. 
وفى القرن العشرين، احتاجت أوروبا إلى سنوات طويلة كى تستوعب الكارثة الإنسانية التى خلفتها الحربان العالميتان. كتب برتولت بريخت «الأم شجاعة وأبناؤها» و«دائرة الطباشير القوقازية» من موقع التأمل وإعادة القراءة، لا من قلب المعركة.
وحتى حرب فيتنام، التى هزت المجتمع الأمريكى بعنف، لم تفرز أهم أعمالها المسرحية إلا بعد سنوات من انتهائها، عندما أصبح ممكنًا النظر إليها من مسافة تسمح بالفهم والتأمل.
وفى مصر نفسها، لم تنتج ثورة 1919 نصوصها الأكثر نضجًا فى سنواتها الأولى. وظلت ثورة يوليو 1952 لعقود طويلة موضوعًا لإعادة القراءة الفنية. 
هل يعنى ذلك أن السنوات الثلاث عشرة التى مرت على ثورة 30 يونيو غير كافية؟
ربما.
أقول ربما لأننى أميل فى الوقت نفسه إلى أن السبب أعمق من مجرد مرور الزمن.
فالحدث، فى جانب منه، لم يغادر حاضرنا تمامًا. ما زالت تداعياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية ممتدة، وما زالت الأسئلة التى أثارها حاضرة فى الوعى المصرى. 
وهكذا هى الأحداث الكبرى، لا تتحول إلى مادة فنية خالصة إلا عندما تصبح جزءًا من الذاكرة.
هنا سيبرز سببًا آخر - فى رأى - وهو الاستقطاب. فالاستقطاب الذى أحاط بالحدث لسنوات طويلة جعل الاقتراب منه فنيًا أمرًا بالغ الصعوبة. فالكاتب يجد نفسه - وسط هذه الحالة -مدفوعًا، شاء أم أبى، إلى الدفاع أو الإدانة، بينما يحتاج المسرح الحقيقى إلى منطقة أخرى؛ منطقة الأسئلة، لا الأحكام. 
فـ(30 يونيو) كانت حدثًا بالغ التركيب. لم تكن حدثًا يقدم ثنائيات جاهزة بين منتصر ومهزوم، أو بين خير وشر. لقد تداخل فيها السياسى بالدينى، والوطنى بالأيديولوجى، والخوف بالأمل، والقلق بالرغبة فى النجاة.
والأحداث المركبة تحتاج دائمًا إلى كتاب كبار.
فثورة 30 يونيو لا تحتاج إلى مسرح يمجدها ولا إلى مسرح يدينها.
إنها تحتاج إلى مسرح يفكر فيها.
لذلك فإن السؤال الذى يشغلنى حقًا هو:
هل أصبحنا مستعدين، نحن صناع المسرح، لأن ننظر إلى 30 يونيو باعتبارها تجربة إنسانية قابلة للتأمل، لا مجرد موقف سياسى ما زال البعض يختلف حوله؟
كل ما أستطيع الجزم به - حتى الآن - وبخبرة التاريخ الذى ذكرنا بعضه، أنه سيجىء حتمًا كاتب من جيل آخر، لم يعش تلك الأيام إلا طفلًا أو عرفها من حكايات آبائه، ليكتب النص الذى يجعلنا نفهم 30 يونيو أكثر مما فعلت مئات المقالات والخطب والبرامج السياسية.
وعندها.. ربما تولد «مارا ـ صاد» المصرية.


محمد الروبي