الألعاب الشعبية تعيد اكتشاف الهوية الإنسانية فى أكاديمية الفنون

الألعاب الشعبية تعيد اكتشاف الهوية الإنسانية فى أكاديمية الفنون

العدد 979 صدر بتاريخ 1يونيو2026

شهدت أكاديمية الفنون فعاليات الجلسة الثالثة من الندوة العلمية الدولية «الألعاب الشعبية والهوية الإنسانية، كلنا نلعب، كلنا إنسان»، وسط حضور أكاديمى وفنى واسع، حيث تحولت الجلسة إلى مساحة ثرية لاستعادة ذاكرة الطفولة العربية والبحث فى علاقة الألعاب الشعبية بتشكيل الوعى والهوية، وتنوعت الأوراق البحثية بين المسرح والسينما وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتربية، فيما بدت الألعاب الشعبية بوصفها أرشيفًا إنسانيًا حيًا قادرًا على مقاومة العزلة الحديثة واستعادة روح الجماعة، وقد أدارت الجلسة الأستاذة الدكتورة ثناء هاشم، بينما افتتحتها الأستاذة الدكتورة إيمان مهران رئيس المؤتمر بكلمة مطولة استعرضت خلالها رحلتها الشخصية والبحثية مع ملف الألعاب الشعبية، مؤكدة أن علاقتها بهذا المجال بدأت منذ سنوات طويلة داخل جامعة عين شمس، وأنها عاصرت أسماء أكاديمية كبيرة أسست لهذا الحقل المعرفى، مشيرة إلى أن الألعاب الشعبية بالنسبة لها لم تكن مجرد مادة بحثية، بل تجربة حياتية وإنسانية ارتبطت بذاكرة المكان والطفولة وروائح الشوارع والقرى، وأوضحت أن نشأتها وارتباطها ببيئة أبو تيج جعلها قريبة من تفاصيل اللعب الشعبى ومن الروح الجماعية التى تصنعها الألعاب بين الأطفال، معتبرة أن اللعب الشعبى يحمل طاقة إنسانية وروحية تتجاوز التسلية العابرة إلى بناء الوجدان الجمعى وتشكيل العلاقات الإنسانية، كما شددت على أن الحضارة المصرية تشكلت عبر الاستقرار والارتباط بالنهر والزراعة، وأن الفلاح المصرى كان صاحب الفكرة الأولى فى تأسيس مفهوم الجماعة والاستقرار، وهو ما انعكس بصورة واضحة فى الألعاب الشعبية التى نشأت داخل البيئات المستقرة وصارت جزءًا من تكوين الهوية المصرية.
وانطلقت الجلسة بورقة بحثية حملت عنوان «كيف تستفيد فنون المرئيات من ألعاب الأطفال عامة والشعبية خاصة، تأملات فى فيلم الطفل والتشكيل» للمخرج الكبير أحمد فؤاد درويش الذى قدم شهادة إنسانية وفنية ممتدة حول تجربته مع السينما وفنون الطفل، مؤكدًا أنه يفضل وصف نفسه بـ«صنايعى أفلام» لا مجرد صانع سينما، فى إشارة إلى إيمانه بالحرفة الفنية ودور الحرفيين فى تشكيل الوعى البصرى، واستعاد درويش ذكريات دراسته فى المعهد العالى للسينما دفعة عام 1967 والتى ضمت أسماء بارزة مثل داود عبدالسيد وعلى بدرخان وكريم ضياء الدين، كما تحدث عن أزمته الشهيرة مع الكاتب عبد الحميد جودة السحار وما تبعها من صدامات فكرية ومؤسسية، مشيرًا إلى أن دعم الوزير الراحل ثروت عكاشة كان سببًا فى استمراره الفنى، وأوضح أن اهتمامه بألعاب الأطفال جاء من اقتناعه بأن اللعب الشعبى يمثل منجمًا بصريًا وتربويًا يمكن للسينما أن تستفيد منه فى بناء عالم الطفل، خاصة أن هذه الألعاب تحمل تكوينات تشكيلية وإيقاعية قادرة على إثراء الصورة السينمائية وإحياء الخيال لدى الأجيال الجديدة، كما أشار إلى كتابه «فنون الطفل العربي» الذى حاول من خلاله توثيق العلاقة بين الطفل والفنون الشعبية بوصفها مدخلًا لصناعة وجدان عربى أصيل.
وتواصل المؤتمر بتقديم الدكتور نادر محمد على رفاعى وفى ورقته البحثية «صورة الألعاب الجماعية فى السينما المصرية بالتطبيق على فيلمى الحريف 1983 والحريفة 2024» قدم الدكتور نادر محمد على رفاعى قراءة مقارنة بين صورتين زمنيتين للألعاب الجماعية فى السينما المصرية، موضحًا كيف استخدمت السينما الألعاب الشعبية باعتبارها مرآة للتحولات الاجتماعية والثقافية، وكيف تغير حضور الشارع واللعب الجماعى بين الثمانينيات والعصر الراهن، بينما ناقش الباحث وسام عادل فى دراسته «من الترفيه إلى تجليات الهوية فى الألعاب الشعبية، إعادة صياغة الوعي» الدور العميق الذى تمارسه الألعاب الشعبية فى تشكيل وعى الطفل وإعادة إنتاج منظومة القيم داخل المجتمع، مؤكدًا أن اللعب الشعبى ليس فعلًا ترفيهيًا بريئًا فقط، بل بنية ثقافية تعيد تعريف الإنسان داخل جماعته وتمنحه إحساس الانتماء.
وشهدت الجلسة حضورًا لافتًا للدكتور محمد جمال الدين أمين الذى قدم ورقته البحثية «سيميولوجيا اللعبة الشعبية وصناعة الهوية فى عروض مسرح الطفل المصرى المعاصر، مسرحية لعب ولعب أنموذجًا»، حيث ألقى كلمة مطولة اتسمت بالطابع الفكرى والبلاغى، مؤكدًا أن الألعاب الشعبية لم تكن يومًا مجرد وسيلة للهو، بل مدرسة للأخلاق وميدانًا لتعلم الشهامة والتعاون والانتماء، وأضاف أن العرض المسرحى «لعب ولعب» للمخرج الدكتور حسام عطا استطاع أن يحول الألعاب الشعبية إلى خطاب بصرى وفلسفى يعيد تعريف علاقة الطفل بالمجتمع والوجود، مشيرًا إلى أن العرض قدم اللعب باعتباره فعلًا وجوديًا يرمم تصدعات الإنسان المعاصر ويواجه العزلة التى تفرضها التكنولوجيا الحديثة، كما أوضح أن العرض اعتمد على توظيف الرموز والدلالات البصرية بصورة جعلت الخشبة تتحول إلى فضاء فكرى مفتوح، وأن الدكتور حسام عطا مارس ما وصفه بـ«الإخراج التفسيري» الذى يوظف كل مفردة مسرحية لخدمة رؤية سيميولوجية متكاملة، وأضاف أن العرض قام على ثنائية بين عالم التكنولوجيا المنغلق وعالم الشارع المفتوح الذى يحتضن الجماعة واللعب والدفء الإنسانى، مؤكدًا أن التحول الدرامى من الاستلاب إلى التشارك داخل العرض كان تعبيرًا عن إعادة بناء الروابط الاجتماعية المهددة بالانهيار.
كما ناقش الدكتور محمد رفعت فى بحثه «الألعاب الشعبية والاندثار، دراسة سيسيولوجية لأسباب التراجع وإمكانيات الإحياء» المخاطر التى تهدد استمرار الألعاب الشعبية، مرجعًا ذلك إلى تغير أنماط الحياة وهيمنة الوسائط الرقمية وغياب المساحات العامة الآمنة للأطفال، داعيًا إلى إطلاق مشاريع توثيقية وتربوية لإحياء هذا التراث داخل المدارس والمؤسسات الثقافية، بينما تناول الفنان رمضان شهاوى فى دراسته «من مبارزة العصا عند قدماء المصريين إلى رقصة التحطيب الشعبية، دراسة فى الاستمرارية الثقافية» الامتداد التاريخى لفنون اللعب والقتال الشعبى فى مصر، موضحًا أن رقصة التحطيب ليست مجرد أداء استعراضى بل امتداد حضارى لطقوس مصرية قديمة حافظت على حضورها عبر القرون.
وشهدت الجلسة أيضًا تقديم عدد من الأبحاث بالنيابة عن أصحابها، حيث قدم الدكتور محمد رفعت بحث الدكتورة ناهد الطحان بعنوان «توظيف الألعاب الشعبية فى المسرح المصرى، مسرحية لعب ولعب نموذجًا»، بينما قدم الدكتور جهاد أبو العينين دراسة الدكتورة سماح السعيد «دور الألعاب الشعبية فى تشكيل الرؤية الإخراجية فى المسرح المصرى المعاصر، دراسة تحليلية»، كما شارك الدكتور على بزى من لبنان ببحث «ألعاب الأطفال الشعبية فى منتصف القرن العشرين، جنوب لبنان أنموذجًا»، مستعرضًا الألعاب التراثية التى كانت تشكل ذاكرة الطفولة اللبنانية قبل تغير أنماط الحياة الحديثة.
وامتدت الجلسة إلى البعد التربوى والتعليمى، حيث قدم الدكتور صالح بن على الفالحى من تونس بحث «مزايا دمج الألعاب والرياضات التقليدية فى البرامج التربوية بالمؤسسات التعليمية»، مؤكدًا أن الألعاب الشعبية يمكن أن تتحول إلى أدوات تعليمية فعالة تسهم فى تنمية مهارات التواصل والانتماء والعمل الجماعى لدى الأطفال، بينما ناقش الأستاذ الدكتور رشيد أمحجور من المغرب فى بحثه «التربية باللعب بفنون الدمى ومسرح العرائس» العلاقة بين اللعب والفنون التشكيلية والمسرحية ودورها فى بناء الخيال والوعى الجمالى لدى الطفل العربى.
كما حظيت التجربة السودانية بحضور مميز من خلال بحث الدكتورة رجاء موسى عبد الله عبد الخير بعنوان «الألعاب الشعبية بوصفها مختبرًا للهوية والتشكيل الموسيقى لأطفال السودان»، حيث أوضحت أن الألعاب التقليدية فى السودان ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والحركة الجماعية، وأسهمت فى تكوين الحس الجمالى للأطفال، فيما قدمت الدكتورة ميرفت عادل ميرغنى دراسة بعنوان «فاعلية برنامج قائم على الألعاب الشعبية فى تنمية قيم الهوية الوطنية لدى طفل الروضة» أكدت خلالها أن اللعب الشعبى لا يزال قادرًا على غرس قيم الانتماء والتعاون والهوية الوطنية إذا ما أُعيد دمجه تربويًا بصورة حديثة ومدروسة.
واختتمت فعاليات الجلسة بقيام الأستاذة الدكتورة إيمان مهران بإعلان التوصيات النهائية للندوة العلمية الدولية، والتى أكدت ضرورة توثيق الألعاب الشعبية العربية، وإدماجها داخل البرامج التعليمية والثقافية، وتشجيع الدراسات البينية التى تربط بين اللعب والفنون والهوية والتربية، كما شددت التوصيات على أهمية دعم مسرح الطفل والسينما الموجهة للصغار بوصفهما وسيلتين أساسيتين لإحياء الذاكرة الشعبية، وفى ختام الجلسة تم تكريم فريق مسرحية «لعب ولعب» تقديرًا لدور العرض فى إعادة الاعتبار للألعاب الشعبية داخل المسرح المصرى المعاصر، وسط إشادة واسعة من الحضور الذين اعتبروا أن الندوة نجحت فى إعادة فتح ملف الهوية الشعبية العربية عبر بوابة اللعب، لتؤكد أن الإنسان مهما تغيرت الأزمنة يظل محتاجًا إلى اللعب بوصفه فعلًا إنسانيًا وجماعيًا يعيد اكتشاف ذاته والعالم من حوله.
 


حسن عبد الهادي