الملك لير وناقد البلاغ!

الملك لير وناقد البلاغ!

العدد 977 صدر بتاريخ 18مايو2026

تحدث الناقد المحامى «إبراهيم عز الدين» - فى جريدة «الجهاد» - عن دور كل من جورج أبيض وعزيز عيد فى تمثيل شخصية «الملك لير» بالتناوب! وبالرغم مما ذكره فى مقارنته بين تمثيلهما للشخصية نفسها، إلا أن ناقد جريدة «البلاغ» خصص جزءًا من مقالته لهذه المقارنة، موضحًا أمورًا مختلفة، بالإضافة إلى رؤية نقدية عامة للعرض المسرحى «الملك لير»! وقد بدأ الناقد مقالته بمقدمة هجومية على إدارة «الفرقة القومية المصرية» كونها لم تحترم الصحافة الفنية، فلم ترسل إلى نقادها التذاكر المجانية كما هو متبع! ولكنه بعد المقدمة شرع فى الكتابة عن الإخراج والمقارنة بين البطلين جورج وعزيز، قائلًا:
إن إخراج «الملك لير» عُهد إلى الأستاذ عزيز عيد فاختار لنفسه دور الملك وتشبت به ونازع فيه الأستاذ جورج أبيض، ولم يستطع أحد ممن يشرفون على الفرقة القومية أن ينتزع منه هذا الدور وتوقف تحكمه عند حده على الرغم من أنه قيل إن بعض أعضاء لجنة تشجيع التمثيل سيرون تمثيل كلًا منهما للدور على حدة لاختيار الأصلح! ولكن يظهر أن هؤلاء الأعضاء وغيرهم ممن يملكون حق الاختيار والإدارة فى هذه الفرقة لم يستطيعوا إحلال النظام محل الفوضى فلم يتمكنوا من اختيار أحد الاثنين للملك لير. ولهذا ترك الدور لهما وعهد إلى الأستاذ عزيز عيد ثلاثة أيام، وإلى الأستاذ جورج أبيض ثلاثة أيام أخرى. ودلت هذه الحادثة على نوع آخر من الفوضى فى الفرقة القومية لم يستطع أحد التغلب عليها فظلت الأهواء والرغبات تحتل المحل الأول وتطغى على المصلحة العامة للفرقة. ولا يمكن الاعتذار عن تقديم ممثلين لدور واحد على اعتبار أنه يخلق بينهما منافسة شديدة ويرى الناس فنين مختلفين فى رواية واحدة وكل هذا يعود بالخير على الفن المسرحي! لا يمكن الاعتذار بهذا لأن تحكم الأستاذ عزيز عيد قائم واعتداده بنفوذه موجود رغم كل اعتراض آخر، وهذا هو السبب الأصلى أما المنافسة الشديدة التى تعود بالخير على الفن المسرحى فهى علة اختلقت بعد ذلك لإخفاء ما يُراد إخفاؤه. 
بدأت الفرقة التمثيل يوم الخميس الماضى مبتدئة بالأستاذ عزيز عيد وشاءت الإدارة أن نشاهد الرواية يوم الجمعة يوم الأستاذ جورج أبيض، ولهذا سنتحدث عن تمثيله وحده تاركين الأستاذ عزيز عيد يفعل بالملك لير ما يشاء ويشد الكلمات ويمطها مطًا وهو قزم ضئيل والدور المكلف بتمثيله دور ملك كبير هو ملك إنجلترا! لقد ألف هذه الرواية نابغة كتاب الإنجليز وليم شكسبير وأظهر فيها صفات المكر والخداع والخيانة والغدر مجسمة فى شخص كريمتين لهذا الملك هما جورنيل وريجان ثم فى أدمون الأمين غير الشرعى من دوق جلوستر فقد جبلت نفوسهم على الشر وقابلوا الاستحسان بالإساءة وبرهن شكسبير على لسان هؤلاء الأشخاص أن النفس إذا تغلبت عليها الشريرة الأمارة بالسوء أصبح الإنسان صورة صادقة من اللؤم والغدر وزالت من نفسه كل صفة إنسانية وعاطفة طيبة نحو أقرب الناس إليه وهو الأب. ثم ترك شكسبير هذه الصور السيئة وعرض أمامها صورًا أخرى للناحية التى تقابلها وهى ناحية الوفاء والإخلاص والشعور بالحب العميق الدائم الذى لا تثبته الكلمات المعسولة الخادعة ولا ينكره العجز عن الإفصاح عنه أو الصراحة فى الحق وإن آلمت الغير ونالت منه، هاتان الصورتان المتناقضتان تنازعتا حوادث الرواية ومصير شخصياتها فكان عرضها شائقًا وتصوير النفوس الإنسانية فى أثنائها تصويرًا صادقًا شديد الواقع عميق الأثر إلى حد كبير. ولكنى ألاحظ أن هذه القصة فلسفية إلى حد كبير يعرض مؤلفها لهذه العواطف المتناقضة فى هدوء واتزان وفلسفة عميقة هادئة قد لا تصادف من الجمهور العادى ما صادفته من طبقة الأدباء والشعراء من إعجاب وحماسة فى التقدير ولهذا لاحظت أنها رغم متانتها وقوتها قد مرت على الناس فى هدوء وكان تقديرهم لها فاترًا وتصفيقهم لمواقفها ناقصًا وعلى كل حال فقد وضح لى أنهم لم يعجبوا بالقصة الإعجاب المنشود من هذه الناحية فقط وإن كان طولها وكثرة مشاهدها قد ساعدا على إيجاد الإعجاب.
هذا فيما يختص بالرواية الأصلية أما ترجمتها إلى اللغة العربية فقد لاحظت أن الأستاذ إبراهيم رمزى قد حشد فيها الألفاظ الرنانة الكثيرة وعنى باللفظ كل العناية فأكثر من السجع وزاد من التعبيرات التى لا يراد منها إلا حُسن الواقع فى النفوس والتأثير بها على المتفرجين قبل أن يؤثر المشهد نفسه أو التمثيل نفسه وقد كنت أسمع ألفاظًا هائلة متراصة بجوار بعضها البعض تدل على حدوث أشياء لا أجدها فى المشهد نفسه كمشهد الأمطار والزوابع التى ثارت فى وجه الملك لير وهو يهيم على وجهه فى الفيافى والقفار وأظن أن مشاهدين كثيرين قد لاحظوا معى هذه الملاحظة ورأوا الشعر المقفى مبعثرًا فى الرواية كأن النقل يجب أن يكون أمينًا كل الأمانة. إننى أرجو أن تكون اللغة العربية التى تكتب بها روايات الفرقة القومية متفقة مع أسلوب النهضة الأدبية الحالية التى تميزت بالأسلوب البسيط فى كل شيء.
وعندما تحدث الناقد عن الإخراج، قال: إن مناظر الرواية والملابس التى أعدت لها لم تتفق مع العصر الذى وضعت فيه فمن البديهى أن يعرف المخرج أن هذه الحوادث وقعت قبل ميلاد المسيح حتى من ألفاظ الأشخاص أنفسهم فهم يناجون الشمس والنجوم ويعتبرونها آلهة لهم. أما المناظر والملابس فقد كانت متأخرة عن عصر الرواية بمئات السنين وخاصة فى الملابس. وأظن أن كل شخص لاحظ أن ملابس القواد والسيدات كان يلبس فى عصور متأخرة فى فرنسا وإنجلترا وقد تكون هذه النقطة معقدة على المخرج وخاصة إذا لم يكن له إلمام تام بتاريخ الحوادث ولم يكن ذا ثقافة عامة تدله على الملابس والمناظر المناسبة ولكنه مخطئ على كل حال لأنه كان فى إمكانه أن يبحث وأن يسأل وأن يبذل مجهودًا ينير له الطريق ويمهد له السبيل لإخراج صحيح موفق وليست هذه هى المرة الأولى التى تخرج فيها الفرق المسرحية رواية (الملك لير) خاصة فى أوروبا. وهناك هفوات أخرى بسيطة فى الإنارة والترتيب يُحسن بى أن أدون بعضها فقد كنت ألاحظ أن كثرة عدد المشاهد سبب بعض الاضطراب فى تسلسلها فكنا نرى الستار ينزل ثم يرفع دون أن يحدث أى تغيير فى المشهد ثم يسدل الستار مرة ثانية فيتغير المشهد بعد هذا الاضطراب، وكان الملك لير وبهلول وإدجار يريدون من الخوف فى أثناء المنظر الذى مثلت فيه السماء صاخبة تنزل مطرها المتدفق ورعدها المخيف المتوالى وبرقها الكثير دون أن ترى فى المشهد كل ما يدعو إلى هذا الخوف الشديد.. وكنت أرى بعض أشخاص الرواية يدخلون المسرح فيفاجئون أشخاصًا آخرين ويقولون لهم (من أنتم) أو ما يشبه ذلك كدلالة على أنهم يجهلون أشخاصهم ومن ذلك كنت أعرفهم وأنا فى الصف الثانى من المقاعد أى إنى بعيد عنهم بمسافة تزيد بكثير على المسافة التى يبعدها الأشخاص المفاجئون وسبب هذا أن النور لم يكن قليلًا إلى هذا الحد بل كان المسرح واضحًا فى كل ناحية منه. ويجب أن يعرف المخرج وغيره إذا مثلت الرواية على المسرح خرجت من أيديهم وتركت لحكم الجمهور ولهذا فلا يجوز أن يحوم المخرج حول المسرح حتى يكاد يشترك مع الممثلين فى الظهور وأن يلقى إليهم نصائحه ونواهيه فقد كنت أرى شخصًا بمعطف أبيض يظهر فى مواقع كثيرة من خشبة المسرح ويلاحظ جملة ملاحظات على الممثلين وعلى الضوء وعلى غيره كأنه لا يطمئن إلى عمله حتى فى أثناء التمثيل. 
وحول التمثيل قال الناقد: سأبدأ بالأستاذ جورج أبيض، قائلًا إنه نجح كل النجاح فى تمثل دور الملك لير، ولا غرو فقد عرف هذا الممثل بإجادة الأدوار التاريخية خاصة أدوار الملوك. أذكر له بصفة خاصة إجادة النطق وصحة الإلقاء وحسن التعبير عن العواطف المختلفة التى وضعها المؤلف لهذه الشخصية الكبيرة وفى الواقع أن دور الملك لير هو أهم شخصيات الرواية وأكثرها تعقدًا وطولًا وحاجة إلى الإجادة وبذل الجهود ولهذا كانت مهمة الأستاذ جورج عسيرة شاقة استطاع أن يقوم بها بنجاح تام وأن يفوز بإعجاب المشاهدين وتصفيقهم غير إننى أنصحه ألا يكون قويًا فى إلقائه وتمثيله فى جميع الأحوال حتى إذا كان يمثل دور رجل عجوز تقدمت به السن حتى أصبح غير قادر على حمل أعباء الحكم ثم تتعاون خديعة ابنتيه وخيانتهما على زيادة شيخوخته واعتلال صحته وقد كان الأستاذ جورج أبيض قويًا حتى مات ولم يظهر عليه الوهن والضعف فى كل أدوار الرواية. أما الآنسة فردوس حسن فقد كنت أود أن أراها فى دور أشق من هذا وأطول ليكون حكمى عليها أقرب إلى الحقيقة وأكثر تقديرًا، ومع ذلك فقد اندمجت فى دور جورنوبل كل الاندماج وكانت إمارات السوء ظاهرة على محياها وعلامات الإمارة واضحة وجلال السلطان ظاهرًا فى حديثها وحركاتها وأرجو كما قلت أن أراها فى مناسبة أخرى أكثر إظهارًا لمواهبها. يأتى بعد ذلك الأستاذ حسين رياض ممثل دور إدجار الأمين الشرعى لدوق جلوسستر وقد أعجبت به كل الإعجاب خاصة عندما انتحل شخصيته توما المشعوذ المتهم بالخبل والجنون فقد صعد إلى القمة فى هذا الموقف وكان أكثر أشخاص المشهد نجاحًا وتوفيقًا ولا شك أنه من عوامل نجاح الرواية. وكان الأستاذ منسى فهمى ممثل دور دوق جلوستر مجيدًا لأن الدور يناسبه ويتفق مع قدرته الفنية فهو مثال الرجل المخلص الحكيم الذى تنزل به النوائب فيبقى مخلصًا وتزيده المصائب وفاء وحكمة وقد كان الأستاذ مسنى فهمى هذا الرجل. ومثل الأستاذ عباس فارس دور دوق كنت فكان موفقًا خاصة فى ناحية الإلقاء والتعبير فقد كان يعنى بالنطق أكثر مما يعنى بتجسيم الشخصية التى عهدت إليه ولا شك أن حفظ دوره عن ظهر قلب ساعده على إتقان الإلقاء ولم يكن كالأستاذ جورج أبيض الذى كان كثير الاستعانة بالملقن شديد الإنصات له لينقذه بما لديه من كلمات. ومثلت السيدة زينب الحكيم دور كوردليا الأبنة الصغرى للملك فلم تصلح له ولم تجد تمثيله وكان الدور كبيرًا عليها يناقض شخصيتها ويغايره فهى فى الرواية أميرة مخلصة تحب والدها كل الحب ولكنها لا تريد التعبير عنه بالكلمات كما فعلت أختاها وقد حزنت لأن والدها لم يقدر عاطفتها حق قدرها ثم ظلت على وفائها رغم حرمانها من كل الحقوق حتى حق الأبوة ولم تكن السيدة زينب الحكيم هذه الشخصية فلم تستطيع أن تندمج فى دور كوردليا وأن توضح للناس هذه العواطف التى يطلب منها أن تحسن أداءها للناس. وقد سمعتها تتحدث مرات كثيرة فلم أفهم ما تقول لأنها شاءت أن تأكل الكلمات وأن تحتفظ بها لنفسها. وأقول بمناسبة حديثى عن هذه الممثلة أن المخرج وقع فى أخطاء الإخراج وهفواته وهو أنه جعل الملك بعد تنفيذ حكم الشنق عليها ثم يدخل المسرح بها ويضعها على الأرض وهو شيخ فانٍ سيموت بعد دقائق معدودة فهل يستطيع هذا الشيخ العجوز حمل هذه الشابة المتزوجة وهو لا يستطيع حمل نفسه. 
ويكمل الناقد حديثه، قائلًا: انتقل بعد هذا إلى الأستاذ فؤاد شفيق ممثل دور أدمون الابن غير الشرعى لدوق جلوستر وهو من خير من يمثلون أدوار الغدر والخيانة ولهذا كان مجيدًا مع ملاحظة أنه كان يبالغ بعض المبالغة فى إظهار غدره وسوء فعله فكان متحمسًا دائم التحمس ولو تطلب الموقف منه هدوءً وهو يعرف أن الغادر الخائن لا يكون متحمسًا دائمًا ولا يكون كثير الإشارات والحركات. ولم تصادف الآنسة زينب عثمان نجاحًا يذكر فى دور بهلول ولولا الكلمات الطيبة الكثيرة التى أحسن المؤلف وضعها وصياغتها لهذا الدور لكانت ظاهرة السقوط، أما الآنسة نجمة إبراهيم فأجادت دورها وكانت تناسبه. ومثل الأستاذ حسن البارودى دور الطبيب والأستاذ فتوح نشاطى دور ملك فرنسا والأستاذ أنور وجدى دور دوق بورجانديا والأستاذ محمود المليجى دور دوق ألبانى والأستاذ على رشدى دور دوق کورنويل وهى أدوار بسيطة وخاصة دور الممثلين الأولين فلم تستنفد منهم مجهودًا طويلًا ومع ذلك فقد أحسنوا وأجادوا.


سيد علي إسماعيل