غريب أمر هذا المقال الذي نحن بصدده. فمنذ أن شاهدت عرضي «محكمة الحواديت» و«مدينة الألعاب» لفرقتي أطفال قصر ثقافة الطفل بدمياط، وقصر ثقافة دمياط الجديدة، وأنا أجد نفسي في حيرة حقيقية بشأن الطريقة التي يمكن الاقتراب بهما من خلالها. فكلما شرعت في كتابة مقال نقدي عن العرضين، وجدتني أستبعد التناول الفني جانبًا؛ إذ كيف يمكن تفكيك عناصر الإخراج أو الموسيقى أو الأداء في عرضين لم تتوافر لهما أصلًا الحدود الطبيعية التي يُنتج المسرح داخلها؟ ثم أعود فأقرر تجاهل ظروف الإنتاج والتركيز فقط على النصوص والتمثيل والاستعراضات بوصفها عناصر فنية يمكن ملاحظتها بمعزل عن سياقها، لكنني سرعان ما أستبعد ذلك أيضًا؛ فكيف يمكن تقييم مسرحيتين خارج سياق خشبة المسرح أصلًا؟ وبين الانحياز لطرح القضية، أو تناول كل عرض على حدة، أو التردد في كتابة الأمر برمته، انتهيت إلى هذا الشكل المرتبك للمقال ليتماس مع الواقع المرتبك نفسه، مقال يحمل حكاية الأماكن المرتبكة التي احتضنت العروض، والطاقات الفنية المهدرة للأطفال، والإحباط الناتج عن استنزافها قبل أن تجني ثمار جهدها. هكذا بدا الأمر منذ البداية: عرضان للأطفال بدمياط، لكنهما يفتحان بابًا أوسع بكثير من مجرد الحديث عن عرضين مسرحيين.المسرحية الأولى كانت عرض «محكمة الحواديت» لفرقة قصر ثقافة دمياط الجديدة، للكاتب هاني قدري، الذي يقدم حكاية تبدو في ظاهرها بسيطة؛ جدة تعيد رواية الحواديت الشعبية لأحفادها بصيغ مختلفة عما اعتادوه، قبل أن يتحول الأمر تدريجيًا إلى لعبة مسرحية تقوم على “محاكمة” أبطال تلك الحواديت، وإعادة النظر في صورة البطولة التقليدية التي صنعتها المصادفات والسحر والتدخلات الخارقة. وقدّم المخرج أحمد الغزلاني العرض من خلال بناء غنائي واستعراضي مناسب لطبيعته، مستعينًا بأشعار أحمد سلامة، وألحان توفيق فودة، وتوزيع أحمد العجمي، واستعراضات صممها عبد الرحمن آدم، بينما بدا ديكور إسلام جمال واحدًا من العناصر التي لم تتح لها ظروف العرض فرصة الظهور الكامل، في ظل غياب خشبة مسرح حقيقية تحتمل التكوينات البصرية التي صُمم من أجلها. واعتمد العرض على الحضور والقبول الواضح الذي اسم به أطفال الفرقة، وعلى الحركة المستمرة التي حاولت تعويض محدودية المكان وإمكاناته التقنية وإمكاناته التقنية التي لم تكن مساعدة على معايشتهم الحالة، وهي محاولة نجح الأطفال في تجاوز صعوباتها بقدر لافت من الحماس والطاقة. ومن المواهب التمثيلية المشاركة نذكر: جلال الغزلاني، ميريام صلاح، عزمي عاشور، ملك صلاح، مي الهندي، حنان الغزلاني، مهيب السعيد، محمد داود، عصام السيد، چودي علي، جميلة فوزي، أكرم سليم، أماني كمال، أمنية رضا، محمد الشيتوي، أحمد شمول، كريم قريش، أحمد الديب، مريم السعيد، وترتيل البسطويسي، إلى جانب أسماء البلتاجي، وهاني البسطويسي، ومحمد رزق. كما شارك في عناصر العرض كل من سارة للملابس، ومحمد شعلان للماسكات والإكسسوارات، وبسملة الهندي للماكياج، بينما تولى عبده الديب مهمة الإخراج التنفيذي.أما التجربة الثانية فجاءت من خلال عرض «مدينة الألعاب» لفرقة قصر ثقافة الطفل بدمياط، عن نص للمبدع محمود جمال الحديني، وإعداد وإخراج كريم خليل، حيث ينتقل العرض إلى عالم فانتازي داخل مدينة ألعاب تدب الحياة في مكوناتها وألعابها خلال يوم استثنائي من كل عام. ومن خلال هذا العالم البسيط ظاهريًا، يطرح العرض صراعًا بين الألعاب القديمة التي تخشى التهميش والنسيان، والألعاب الحديثة التي تتباهى ببريقها وقدرتها على جذب الأطفال، في معالجة تميل إلى الدفاع عن قيمة المكان والذاكرة والعمل الجماعي، بعيدًا عن الاستعراض البصري المجرد. واعتمد العرض بصورة واضحة على الحركة الجماعية والاستعراضات، مستفيدًا من أشعار علاء زيان، وألحان أحمد الدمنهوري، وتوزيع تامر نور، بينما قدمت «ملك كريم» استعراضات حملت روحًا طفولية مناسبة لطبيعة العالم الذي يتحرك فيه العرض. أما ديكور خلود أبو العينين، فقد بدا واحدًا من العناصر التي ظلمتها طبيعة الفضاء نفسه، بعد أن فرض المكان توزيعًا مختلفًا لمفرداته البصرية بعيدًا عن الرؤية التي صُمم على أساسها، في حين نجحت ملابس أسماء الخضري في خلق حالة بصرية قريبة من عالم الألعاب والمدينة المتخيلة، رغم تقديم العرض بصحن مدخل مبنى مكتبة مصر العامة، وسط حالة من التشتت فرضتها حركة المارة والزائرين والمكاتب المفتوحة على المكان. وقد شارك في البطولة مجموعة من الأطفال الذين ميزهم الحضور وخفة الظل والقدرة على الحفاظ على حيوية العرض، من بينهم: سلمى الحجري، إلين أكرم، ملك المساوي، نور الدين الحجري، كارمن كريم، ريماس أسامة، عبد الرحمن علي، مايا الجبري، جولي الطنطاوي، حازم مورو، لوجي الصعيدي، ومحمد سليم، إلى جانب عدد آخر من الأطفال الذين حملوا عبء العرض بحماس واضح، قام بالبطولة الفنان محمد والي المخرج المنفذ للعرض.ورغم ذلك، خرج العرضان محملين بقدر واضح من الجهد الفني والوعي الفكري، بما يكشف أزمة لم تكن أبدا مرتبطة بقدرة مسرح الطفل على إنتاج عروض جيدة، بقدر ما ترتبط بغياب الحد الأدنى من الشروط التي تسمح للمسرح بأن يكون مسرحًا فعلًا. فالقائمون على هذه التجارب لا يفتقدون الموهبة، ولا الرغبة في تقديم خطاب تربوي وجمالي يتجاوز التسلية المباشرة إلى بناء وعي الطفل وتوسيع علاقته بالعالم، بل إن العرضين يكشفان عن محاولات جادة للاشتغال على الفكرة، والصورة، والموسيقى، والحركة، والعمل الجماعي، رغم كل ما يحيط بالتجربة من ارتباك إنتاجي وبصري. لكن المفارقة القاسية أن هذا كله يحدث داخل محافظة كان لها يومًا حضورها الواضح في الحركة المسرحية المصرية، وقدمت أسماءً مثل يسري الجندي، وأبو العلا السلاموني، وسعد أردش، ومحمد شيحة، وعبد الرحمن أبو زهرة، وسهير البابلي، وغيرهم من الفنانين الذين امتد تأثيرهم إلى مختلف عناصر الفن المسرحي. لذلك لا تبدو تجربة هذين العرضين مجرد مناسبة للحديث عن عرضين للأطفال، بقدر ما تبدو علامة كاشفة على أزمة ثقافية أوسع، يواصل فيها المسرحيون الدفاع عن فكرة المسرح نفسها، في مدينة فقدت خشباتها تدريجيًا، بينما يصر أطفالها على الوقوف فوق أي مساحة متاحة وكأن المسرح ما يزال موجودًا بالفعل.هل اعتادت دمياط على إهدار طاقاتها الفنية؟ يبدو أن التاريخ يعيد نفسه بصورة أكثر قسوة كل مرة. فالأزمة الحالية ليست جديدة على المسرحيين بالمحافظة، إذ عاشت دمياط ما بين عامي 1997 و2007 واحدة من أصعب فترات تأزم النشاط المسرحي، بعد إغلاق قصر الثقافة لسنوات طويلة بدعوى الترميم، وهي السنوات التي شهدت انصراف عدد من المسرحيين والمبدعين عن المجال، مقابل استمرار شكلي باهت لا يملك مقومات الحياة الحقيقية. ثم تحركت الأمور نسبيًا مع بدايات الألفية الجديدة، قبل أن تعود الأزمة بصورة أكثر اتساعًا منذ عام 2021 وحتى اليوم، لتشمل كل المواقع الثقافية بالمحافظة. وكان هناك يومًا مسرح قديم تابع لمجلس المدينة يحمل اسم «المسرح القومي»، محدود الإمكانيات، لكنه ظل قائمًا وقادرًا على احتضان العروض والبروفات في سنوات الأزمة الأولى، سبق وأن وقف على خشبته يوسف وهبي مع فرقة رمسيس في أربعينيات القرن الماضي، وكانت من بين أعضائها ابنة دمياط الفنانة عزيزة أمير. هذا المسرح نفسه، الذي احتوى بروفات وعروض الفرق خلال سنوات الإغلاق الطويلة، لم يعد له وجود الآن بعد هدمه ضمن خطط التطوير الحضاري، ليصبح المشهد أكثر قسوة: لا مسرح، ولا مكان للبروفات، ولا حتى فضاء مؤقت يمكن الاحتماء به. وحتى المساحة المفتوحة باستاد دمياط التي كانت تلجأ إليها الفرق خلال السنوات الأخيرة كبديل اضطراري لبروفاتها، أُزيلت هي الأخرى منذ شهور قليلة، لتزيد من تضييق كل الاحتمالات أمام أي محاولة للبقاء.وأعرف جيدًا أن هذه الأزمة لا تخص دمياط وحدها، وأن عشرات فرق قصور الثقافة بالمحافظات المصرية تعمل داخل ظروف متشابهة، تتدرب في قاعات محدودة، وتقدم عروضها في فضاءات ليست مسارح بالمعنى الحقيقي. لكن دمياط تبدو هنا نموذجًا أكثر قسوة ووضوحًا؛ لأن الأمر لم يعد متعلقًا بمسرح مغلق أو عرض يبحث عن مكان مؤقت، بل بانهيار تدريجي أصاب الحركة المسرحية بالمحافظة كلها. ففرقة كفر سعد المسرحية، التي شاركت مرتين في المهرجان القومي للمسرح المصري وحصدت إحدى جوائزه، لم يعد لها وجود فعلي منذ سنوات بسبب غياب المكان الذي يحتويها، والخطر نفسه يهدد فرق دمياط القومية، ودمياط الجديدة، وفارسكور، إلى جانب الفرق الفنية الأخرى للغناء والفنون الشعبية. أما المواقع التي كان يمكن أن تمثل متنفسًا للمسرحيين، فإما مغلقة بدعوى الحماية المدنية، أو متوقفة داخل ترميمات بلا نهاية، أو أزيلت تمامًا. وتمتد المأساة إلى رأس البر نفسها، ذلك المصيف السياحي الذي طالما استقبل عروض النجوم والمهرجانات الكبرى على مسارحه منذ الخمسينيات والستينيات، قبل أن تختفي مسارحها الواحد تلو الآخر؛ من مسرح وسينما الجمهورية، إلى مسرح وسينما رأس البر، وصولًا إلى مسرح 6 أكتوبر الذي ظل قائمًا حتى أواخر التسعينيات قبل إزالته هو الآخر. وهكذا لا يبدو ما يحدث مجرد تعثر إداري أو أزمة مؤقتة، بقدر ما يبدو وكأنه تبدد تدريجي لفكرة المسرح نفسها بالمحافظة.هذا هو القتل البطيء للموهب؛ ليس بضربة واحدة، بل عبر تكرار الإهانة اليومية للفن، واستنزاف الفنانين الصغار قبل أن يصلوا أصلًا إلى اللحظة التي يختبرون فيها معنى الوقوف الحقيقي على خشبة المسرح. فهؤلاء الأطفال الذين يقفون اليوم وسط ضجيج القطارات، أو داخل مداخل المباني المزدحمة، لا يشاركون في نشاط عابر بقدر ما يحاولون اكتشاف علاقتهم الأولى بالفن، واختبار قدرتهم على التعبير والعمل الجماعي والوجود. لكن استمرار العمل في مثل هذه الظروف يجعل الموهبة نفسها في مواجهة دائمة مع الإحباط، حيث يصبح على الطفل أن يقاوم المكان قبل أن يفكر في تطوير أدواته أو تنمية خياله. وهنا لا تبدو الأزمة مجرد نقص في الإمكانيات، بل شكلًا من أشكال الفقد البطيء لأجيال كان يمكن أن تجد في المسرح مساحة حقيقية للتكوين والإبداع، لو امتلكت فقط الحد الأدنى من المساحة التي تسمح لها بأن تحلم وتجرّب وتخطئ وتتعلم داخل بيئة مسرحية حقيقية.قد تبدو هذه الأزمة، في ظاهرها، مجرد مشكلة تتعلق بالمباني أو التجهيزات أو تأخر أعمال الترميم، لكنها في جوهرها تتعلق بالسؤال الأهم: أي مساحة نتركها للأطفال والشباب كي يختبروا الفن، ويتعلموا التعبير، ويكتشفوا علاقتهم بالخيال والجماعة والمكان؟ فالمسرح ليس رفاهية ثقافية يمكن تأجيلها أو التعامل معها بوصفها نشاطًا هامشيًا، بل أحد المساحات القليلة القادرة على تكوين الحس الجمالي والوعي النقدي والإنساني معًا. ولهذا تبدو المفارقة قاسية؛ فبينما يواصل المسرحيون في دمياط الدفاع عن حقهم في البقاء، والوقوف فوق أي مساحة متاحة وكأنها خشبة مسرح، يختفي المسرح نفسه تدريجيًا من مدينة كانت يومًا واحدة من المدن المصرية الأكثر حضورًا في الذاكرة الفنية والثقافية. وبين ضجيج القطارات، والمداخل المزدحمة، والبروفات المؤقتة، يواصل هؤلاء الأطفال والشباب تقديم عروضهم، لا بوصفها فعلًا فنيًا عابرًا، بل كمحاولة أخيرة للدفاع عن فكرة المسرح نفسها قبل أن تختفي تمامًا.على واقع كامل، وإلى محاولة عنيدة لمقاومة اختفاء المسرح من المجال العام بالمحافظة. ولذلك لم يكن أكثر ما يلفت الانتباه في التجربتين هو النصوص أو الاستعراضات أو الأداءات الفردية، بقدر ما كان ذلك الإصرار الواضح لدى الأطفال وصناع العرض على الاستمرار، رغم كل ما يدفع نحو التراجع أو الانطفاء.وربما لهذا السبب يصبح من الصعب النظر إلى «محكمة الحواديت» و«مدينة الألعاب» باعتبارهما مجرد تجربتين لمسرح الطفل يمكن تقييمهما وفق معايير فنية خالصة. فالعرضان، بما لهما وما عليهما، تحولا هنا إلى شهادة حية على واقع كامل، وإلى محاولة عنيدة لمقاومة اختفاء المسرح من المجال العام بالمحافظة. وربما لهذا السبب أيضًا، كان أول ما فكرت فيه عقب مشاهدتي للعرضين هو التواصل مع مخرجيهما، مطالبًا بعدم تقديم التجربتين للجنة المشاهدة بهذا الشكل، حرصًا على جهد الأطفال والفرق المشاركة، وهو ما حققته رئاسة إقليم شرق الدلتا الثقافي، حين تقرر تقديم العرضين على مسرح المركز الثقافي بكفر الشيخ، ليكون العرض الأول المكتمل لكل منهما هو عرض لجنة المشاهدة نفسها. وهي خطوة لا تغيّر من أصل الأزمة بالطبع، لكنها على الأقل منحت الأطفال فرصة عادلة كي يُشاهد عملهم في ظروف أقرب إلى المسرح الحقيقي، وأتمنى أن يحالف العرضين الحظ في الوصول إلى المهرجان الختامي، بما يليق بحجم الجهد المبذول فيهما.وربما تبقى المفارقة الأكثر قسوة أن أطفالًا ما يزالون يتعلمون اليوم كيف يحبون المسرح في مدينة لم تعد تملك مسرحًا حقيقيًا. ومع ذلك يواصلون الوقوف، والغناء، والحركة، وترديد الجمل، وكأنهم يدافعون - ببراءتهم وحدها - ليس عن حقهم في التعبير عن موهبتهم وتأكيده بل يدافعون عن حق محافظة كاملة في ألا تفقد علاقتها القديمة بالفن. وهنا، وسط كل هذا التآكل والإغلاق والغياب، تبرز ومضة الضوء الوحيدة؛ في وجود هؤلاء الأطفال أنفسهم، وفي استمرارهم، وفي ذلك الإصرار البسيط الذي يحمل داخله وعدًا بأن المسرح، مهما ضاقت مساحاته واختفت خشباته، لا يمكن أن ينتهي تمامًا.