السعيد منسى: «أداجيو» تجربة عن الفقد.. واللحن هو بطل العرض

السعيد منسى: «أداجيو» تجربة عن الفقد.. واللحن هو بطل العرض

العدد 976 صدر بتاريخ 11مايو2026

فى تجربة مسرحية تتكئ على الحس الإنسانى العميق، يقدّم المخرج السعيد منسى عرض «أداجيو.. اللحن الأخير»، المأخوذ عن رواية للأديب الكبير إبراهيم عبدالمجيد، ضمن مشروع «مسرحة الرواية» الذى يشهد حضورًا متزايدًا على خشبة مسرح الغد. تجربة لا تقف عند حدود تحويل نص أدبى إلى عرض، بل تمتد لتقديم حالة شعورية كاملة، تتقاطع فيها الموسيقى مع الدراما، ويصبح فيها الإحساس هو المحرك الأساسى لكل عناصر العمل.
على مدى ثلاث سنوات من الإعداد، سعى منسى إلى تفكيك العالم الروائى وإعادة تركيبه بصريًا ودراميًا، دون أن يفقد معناه الأصلى، معتمدًا على رؤية إخراجية تحافظ على روح النص، وتمنحه فى الوقت نفسه إيقاعًا مسرحيًا خاصًا. وبين تحديات التحويل من السرد إلى الخشبة، وبناء حالة من التناغم بين التمثيل والغناء، وتوظيف السينوغرافيا كعنصر درامى فاعل، يقدّم العرض تجربة تراهن على الصدق الإنسانى بوصفه الطريق الأقصر إلى الجمهور.
فى هذا الحوار، يتحدث السعيد منسى عن كواليس «أداجيو.. اللحن الأخير»، ورحلته مع الرواية، ورؤيته لمشروع «مسرحة الرواية»، وحدود العلاقة بين الأدب والمسرح، فى وقت يشهد فيه المسرح عودة ملحوظة للجمهور.
ما الذى جذبك فى رواية “أداجيو” لتقرر تحويلها إلى عرض مسرحي؟
عندما قرأت الرواية لأول مرة، أكثر ما شدّنى فيها هو الحساسية الشديدة جدًا فى تناول المشاعر الإنسانية. الرواية رقيقة للغاية، ومليئة بحالة من الصدق الإنسانى النادر، وفيها قدر كبير من الرهافة فى التعبير عن الألم والفقد.
وأنا بطبيعتى أميل إلى الأعمال التى تحمل عمقًا إنسانيًا، ووجدت أن “أداجيو” ليست مجرد حكاية، بل حالة شعورية كاملة. نادر جدًا أن تصادف عملًا أدبيًا بهذا القدر من الشفافية والصدق، ولذلك شعرت أن هذه الرواية تستحق أن تُقدَّم على المسرح.
كما أننى منذ سنوات أعمل على تحويل الروايات إلى عروض مسرحية، لأننى أرى أن الرواية تمتلك عالماً أوسع وأكثر ثراءً من النصوص المسرحية التقليدية، وهذا ما يجعل التحدى فيها أكبر، لكنه فى الوقت نفسه أكثر إغراءً. ومن أول قراءة، شعرت بأننى وقعت فى أسر هذا العمل، وقررت أن أبدأ الرحلة معه.
استغرق إعداد العمل ثلاث سنوات.. ما أبرز التحديات التى واجهتك؟
بالفعل، العمل على “أداجيو” استغرق فترة طويلة جدًا، لأننا نتعامل مع رواية غنية بالتفاصيل والمشاهد. أحد أكبر التحديات كان تعدد الأماكن داخل الرواية، فهى تنتقل بين أماكن كثيرة جدًا: داخل الفيلا، فى المستشفى، على الكورنيش، داخل مصر وخارجها.
أنا شخصيًا لا أحب استخدام “البلاك” أو القطع الحاد بين المشاهد، لذلك كان التحدى الأساسي: كيف أخلق خيطًا واحدًا يربط كل هذه المشاهد معًا؟ وكيف أتنقل بينها بسلاسة دون أن يشعر المتفرج بأى انقطاع؟
فاشتغلت كثيرًا على فكرة إيجاد “مفتاح بصرى ودرامي” يسمح بضم كل هذه العوالم فى سياق واحد متماسك، بحيث يشعر المتفرج أنه داخل حالة مستمرة، وليس أمام مشاهد منفصلة. والحمد لله، بعد محاولات وتجارب طويلة، وصلنا إلى حل يحقق هذا التماسك.
 كيف تعاملت مع تحويل النص الروائى إلى نص مسرحى دون فقدان روحه؟
كان أكبر هاجس لدى هو الحفاظ على “روح الرواية”، لأن هذه الروح تحديدًا هى سر جمال العمل. كنت مدركًا أن أى تدخل خاطئ قد يفسد هذه الرقة والعذوبة.
ولذلك حرصت على أن يكون الحوار المسرحى بنفس درجة الرهافة الموجودة فى النص الأصلى، وأن تظل الشخصيات إنسانية وبسيطة، لأن الرواية لا تقدم شخصيات شريرة بقدر ما تقدم بشرًا عاديين يتأرجحون بين الخطأ والصواب.
كما كنت أيضًا قلقًا جدًا من رد فعل الكاتب إبراهيم عبد المجيد، خاصة أثناء حضوره العرض، لكن سعادتى كانت كبيرة جدًا عندما عبّر عن رضاه وقال إننا نجحنا فى نقل روح الرواية. وبالنسبة لى، هذه كانت شهادة مهمة جدًا تؤكد أننا كنا على الطريق الصحيح.
العمل يحمل طابعًا موسيقيًا واضحًا.. كيف وظّفت الموسيقى داخل البناء الدرامى؟
«أداجيو.. اللحن الأخير» قائم فى الأساس على فكرة اللحن. أنا أرى أن العرض كله عبارة عن مقطوعة موسيقية تبدأ من أول مشهد وتنتهى مع آخر لحظة، وكأن المتفرج يستمع إلى لحن ممتد.
لذلك، كان من المهم الحفاظ على «التون» والمقام طوال العرض، حتى لا نفقد هذا الإحساس. الموسيقى هنا ليست عنصرًا إضافيًا بل جزءًا من البناء الدرامى نفسه.
كنا حريصين جدًا على أن تكون الأغانى مكملة للدراما، لا عبئًا عليها. الأغنية يجب أن تضيف إحساسًا، أو تنقل الزمن، أو تعمّق الحالة الشعورية. وقد ساعدنا فى ذلك الشاعر حامد السحارتى والملحن رفيق جمال، حيث استطاعا استلهام روح الرواية بشكل دقيق، وهو ما خلق حالة تناغم حقيقية داخل العرض.
ما الذى يميز “أداجيو.. اللحن الأخير” عن غيره من العروض المسرحية؟
ما يميز العرض فى رأيى هو طابعه الإنسانى والرقيق جدًا. هو عمل يعتمد على المشاعر أكثر من الأحداث، وعلى الحالة أكثر من الصراع التقليدى.
الحوار نفسه مكتوب كأنه لحن، يبدأ بهدوء ويتصاعد تدريجيًا، ثم يعود للهدوء مرة أخرى. كنا نحاول طوال الوقت الحفاظ على هذا الإيقاع، لأن أى كسر فيه كان سيؤثر على التجربة بالكامل.
العمل أيضًا لا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك مساحة للمشاهد ليشعر ويتفاعل ويعيد التفكير فى تجربته الخاصة مع الفقد والحياة.
 كيف تم بناء حالة التناغم بين التمثيل والغناء داخل العرض؟
هذه النقطة كانت حساسة جدًا. لم نكن نريد أن يكون الغناء منفصلًا عن التمثيل، بل جزءًا منه.
اختيار الممثلين لعب دورًا كبيرًا، لأن الفنانة هبة عبد الغنى والفنان رامى الطمبارى يمتلكان قدرة حقيقية على الغناء، ويقدمانه بإحساس صادق.
هذا ساعدنا جدًا، لأن الأداء الغنائى خرج بشكل طبيعى، وليس مصطنعًا، واندمج داخل السياق الدرامى بسلاسة، وهو ما جعل الأغانى تبدو كامتداد طبيعى للمشهد، وليس عنصرًا دخيلًا عليه.
إلى أى مدى لعبت السينوغرافيا دورًا فى دعم الحالة الشعورية؟
السينوغرافيا كانت عنصرًا أساسيًا فى نجاح العرض، خاصة مع تعدد الأماكن داخل الرواية. كان علينا أن ننقل هذا العالم الكبير داخل مساحة محدودة.
وبالتعاون مع مهندس الديكور أحمد الألفى، ومصمم الإضاءة أبو بكر الشريف، ومصمم الفيديو مابينج مصطفى فجل، عملنا على خلق حالة بصرية متكاملة.
فالإضاءة كانت تنقلنا من مكان لآخر، والديكور ساعد فى تحقيق الإحساس بالمكان، خاصة فكرة الفيلا القديمة ذات الجدران المتآكلة، بينما جاء الفيديو مابينج ليكثف الحالة الشعورية ويوصل المعنى بشكل بصرى.
فكل هذه العناصر كانت تعمل معًا كأنها “لحن بصري” يوازى اللحن الموسيقى.
هل كان لديك تصور بصرى محدد منذ البداية؟
نعم، كان لدى تصور واضح منذ البداية، لكن بطبيعة الحال أى عمل فنى يتطور أثناء التنفيذ.
خلال البروفات، ومع وجود فريق العمل، تطورت الرؤية بشكل كبير جدًا. كنا نعيد التفكير، ونجرّب، ونحل مشاكل، ونضيف أفكارًا جديدة حتى قبل ليلة الافتتاح.
الفضل فى هذا التطور يعود لفريق العمل بالكامل، لأن العمل المسرحى فى النهاية عملية جماعية، وكل عنصر يضيف ويؤثر.
كيف تم اختيار فريق التمثيل؟ وما الذى يميز كل فنان؟
اختيار الفريق جاء بشكل سلس، لأننى كنت أرى بعض الممثلين فى أدوارهم منذ البداية.
الفنان رامى الطمبارى كان متحمسًا جدًا للعمل، وهو يمتلك خبرة مسرحية كبيرة، بينما الفنانة هبة عبد الغنى كانت عودتها للمسرح خطوة مهمة، خاصة أن لديها ارتباطًا شخصيًا بموضوع العمل بعد تجربة فقد قريبة مرت بها.
كما شارك فى العمل مجموعة مميزة من الممثلين الشباب، وكلهم قدموا أداءً قويًا ومؤثرًا، وكان هناك انسجام واضح بينهم، وهو ما انعكس على العرض.
 كيف كانت كواليس العمل مع النجوم؟
الكواليس كانت قائمة على الاحترام المتبادل والحب بين جميع أفراد الفريق.
فكانت هناك حالة تقدير واضحة بين الفنانين، سواء بين هبة عبد الغنى ورامى الطمبارى، أو بين باقى الفريق، وهو ما خلق بيئة عمل صحية جدًا.
هذا الجو الإيجابى انعكس بشكل مباشر على جودة العرض، لأن أى عمل فنى ناجح يبدأ من كواليس جيدة.
هل واجهت تحديات فى تدريب الممثلين على الأداء الغنائى؟
لم تكن هناك صعوبة كبيرة، لأننا كنا محظوظين بوجود ممثلين لديهم قدرات غنائية بالفعل.
لكن التحدى الحقيقى كان فى تحقيق التوازن بين الغناء والتمثيل، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، بل يكمل كل منهما الآخر.
رفع لافتة «كامل العدد» مبكرًا.. كيف استقبلت هذا النجاح؟
بالتأكيد كان شعورًا مبهجًا جدًا، خاصة أننا قدمنا عدة ليالٍ كاملة العدد.
لكن فى الوقت نفسه، طموحى أكبر من ذلك، لأننى أتمنى أن يستمر العرض لفترة طويلة، وأن يُعرض فى أماكن متعددة، حتى يصل إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور.
هذا النجاح أعطى دفعة قوية لفريق العمل، وجعل الجميع يسعى للحفاظ على هذا المستوى وتقديم الأفضل دائمًا.
كيف ترى عودة الجمهور للمسرح فى الفترة الحالية؟
عودة الجمهور دليل واضح على أن هناك أعمالًا جيدة تُقدَّم.
فالجمهور لا يعود إلا إذا وجد ما يستحق المشاهدة، ووجود نجوم كبار على خشبة المسرح يساعد بالتأكيد فى جذب الانتباه، لكنه ليس العامل الوحيد.
ولكن الأهم هو جودة العمل نفسه، وقدرته على التواصل مع الناس.
ما أكثر تعليق من الجمهور أثر فيك؟
أحد أكثر المواقف تأثيرًا كان مع أحد المشاهدين الذى قال لى بعد العرض إن العمل “وجعه جدًا”، لأنه يعيش نفس تجربة الفقد.
قال إنه شعر وكأنه هو بطل المسرحية، وأن كل ما شاهده على الخشبة يعبر عنه شخصيًا.
هذا النوع من التفاعل هو ما يجعل أى مجهود يستحق العناء، لأنك تشعر أن العمل وصل بصدق.
العرض هو أولى خطوات مشروع «مسرحة الرواية».. ماذا يعنى لك؟
هذا المشروع مهم جدًا بالنسبة لى، لأنه يمثل اتجاهًا أؤمن به منذ سنوات.
تجربة «أداجيو» تحديدًا لها خصوصية، لأنها أول مرة يتم فيها تحويل عمل للكاتب إبراهيم عبدالمجيد إلى عرض مسرحى، وهو ما يمثل مسئولية كبيرة.
وأعتبر هذه التجربة خطوة مهمة، ليس فقط على المستوى الشخصى، بل على مستوى المسرح المصرى بشكل عام.
هل يمكن أن يجذب تحويل الروايات إلى المسرح جمهورًا جديدًا؟
بالتأكيد، لأن الرواية تمتلك جمهورًا واسعًا، وعندما يتم تقديمها بشكل جيد على المسرح، يمكن أن تجذب هذا الجمهور.
لكن الأمر ليس سهلًا، لأن تحويل الرواية يتطلب حرفية عالية، نظرًا لاتساع عالمها وصعوبة اختزاله.
إذا تم ذلك بشكل جيد، أعتقد أنه يمكن أن يكون مدخلًا مهمًا لجذب جمهور جديد للمسرح.
ما الأعمال التى تتمنى تقديمها مستقبلًا؟
بصراحة، لا أحب أن أخطط بشكل مسبق.
أفضل أن أترك نفسى للقراءة، وعندما أجد عملًا يشدنى ويستفزنى فنيًا، أبدأ التفكير فيه.
حتى الآن، هناك بعض الأعمال التى تثير اهتمامى، لكن لا يوجد مشروع محدد أستطيع الإعلان عنه، لأن الاختيار بالنسبة لى مرتبط بالإحساس الحقيقى بالعمل.


صوفيا إسماعيل