مسرح الطفل فى مواجهة هوس الشاشات

مسرح الطفل فى مواجهة هوس الشاشات

العدد 976 صدر بتاريخ 11مايو2026

فى زمن تتسارع فيه الصور وتتنافس الشاشات على خطف انتباه الأطفال، لم يعد وعى الطفل يُشكَّل فقط داخل الأسرة أو المدرسة، بل بات رهينة عالم رقمى مفتوح، تتداخل فيه التسلية مع القيم، والمعرفة مع التشتت. وسط هذا الزخم البصرى والإيقاع المتلاحق، يطرح مسرح الطفل نفسه كمساحة إنسانية بديلة، تحاول استعادة العلاقة الحية بين الطفل والفن، بين الخيال والواقع، وبين المتعة والفكرة.
لم يعد التحدى الذى يواجهه مسرح الطفل مجرد تقديم عرض ممتع، بل أصبح معركة حقيقية للحفاظ على انتباه طفل اعتاد السرعة والإبهار الرقمى، وأصبح أكثر ميلاً للتلقى السهل والسريع عبر الشاشات. فكيف يمكن للخشبة، بإمكاناتها المحدودة، أن تنافس هذا العالم الافتراضى الواسع؟ وهل ما زال المسرح قادرًا على التأثير فى وجدان الطفل وتشكيل وعيه أم أنه بات مهددًا بالتراجع أمام سطوة التكنولوجيا؟
هذا التحقيق يحاول الاقتراب من هذه الإشكالية، من خلال رصد آراء صناع المسرح، من مخرجين وكتاب وممثلين، حول واقع مسرح الطفل اليوم، وأدواته فى جذب الجمهور الصغير، ودوره فى بناء وعى مختلف، فى مواجهة عالم رقمى يزداد سطوة يوماً بعد يوم.
د. طارق مهران: مسرح الطفل أداة فاعلة فى تحقيق التوازن الثقافى من خلال ما يقدمه من تجربة حية تعيد للطفل علاقته المباشرة بالفن
يرى الأستاذ الدكتور طارق مهران، عميد المعهد العالى لفنون الطفل، أن تأثير التحول الرقمى وهيمنة الشاشات على وعى الطفل وثقافته ليس تأثيرًا واحدًا ثابتًا، بل يتحدد وفق المرحلة العمرية، حيث تلعب الأسرة فى السنوات الأولى الدور الأهم فى توجيه الطفل وتنظيم وقته، مع ضرورة تقديم بدائل ترفيهية وثقافية قائمة على التفاعل الحى، وترسيخ مبدأ القدوة بوصفه العنصر الأكثر تأثيرًا فى تشكيل وعيه. ومع تقدم الطفل فى العمر، تتكامل أدوار الأسرة مع المدرسة والنادى، ليصبح من الضرورى وضع نظام متوازن يدمج بين الترفيه والتعليم، وصولًا إلى مرحلة ما قبل المراهقة التى تتشكل فيها ملامح الهوية، ويصبح الطفل أكثر وعيًا بطموحاته، مستندًا إلى ما تلقاه من رصيد ثقافى ومعرفى.
وفى هذا الإطار، يبرز مسرح الطفل كأداة فاعلة فى تحقيق التوازن الثقافى، من خلال ما يقدمه من تجربة حية تعيد للطفل علاقته المباشرة بالفن، بعيدًا عن العزلة التى تفرضها الشاشات.
ومن هنا تتضح أهمية الدور الذى يقوم به المعهد العالى لفنون الطفل، الذى يهدف إلى تنمية التذوق الفنى والإبداع لدى الأطفال، وإعداد كوادر متخصصة فى مختلف مجالات فنون الطفل، مثل المسرح والكتابة والعرائس، إلى جانب رعاية المواهب وصقلها، وتقديم دراسة علمية منهجية لثقافة الطفل، بما يسهم فى بناء جيل واعٍ يمتلك الحس الجمالى والقدرة على التفاعل مع الفنون بشكل إيجابى.
ويؤكد د. طارق مهران أن المعهد لا يكتفى بتخريج فنانين، بل يعمل على إعداد باحثين ومبدعين يمتلكون وعيًا علميًا وثقافيًا قادرًا على إنتاج معرفة تُسهم فى توجيه العاملين مع الطفل. فخريج المعهد، خاصة فى مجال الإخراج، يكون مثقفًا يمتلك أدوات متعددة فى الفنون المختلفة، بما يؤهله للتعامل مع خصوصية الطفل كمتلقٍ.
كما يشير إلى أن التحدى الحقيقى لا يكمن فقط فى تطوير المناهج لتواكب التحولات التكنولوجية، بل فى ربط هذه المناهج بالتطبيق العملى، بحيث تنتقل نتائج الأبحاث إلى الميدان من خلال المعلمين والممارسين. ويتطلب ذلك امتلاك المتخصص فى مسرح الطفل لمجموعة متكاملة من المهارات الفنية والتربوية والتكنولوجية، التى تمكنه من مخاطبة الطفل بلغة العصر دون أن يفقد جوهر الفن المسرحى.
ويرى أن تحقيق التكامل بين الدراسة الأكاديمية واحتياجات سوق العمل ضرورة أساسية، تتحقق عبر التدريب العملى وبناء شراكات مع المؤسسات الثقافية، بما يتيح للطلاب خبرات واقعية تسهم فى تأهيلهم المهنى.
وفى النهاية، يشدد د. طارق مهران على أن التأهيل الأكاديمى المتخصص يمثل حجر الأساس فى تطوير مسرح الطفل، وأن المؤسسات التعليمية مطالبة بدور أكثر فاعلية فى دعم هذا المجال، من خلال تطوير المناهج، وتشجيع البحث العلمى، واحتضان المواهب، بما يمكن صُنّاع مسرح الطفل من مواجهة تحديات العصر الرقمى، وتقديم محتوى يجمع بين المتعة والمعرفة ويخاطب وعى الطفل بعمق.

محمود عامر: أطالب بضرورة دعم هذا القطاع الحيوى، لأنه يمثل استثمارًا حقيقيًا فى وعى الأجيال القادمة.
فيما يرى الفنان محمود عامر أن تجربته مع مسرح الطفل كانت من أكثر محطاته ثراءً وإمتاعًا، إذ شارك فى العديد من الأعمال الموجهة للأطفال فى التلفزيون والمسرح والسينما، وحققت نجاحات ملحوظة، مؤكدًا أن هذه التجارب منحته قدرة خاصة على التواصل مع وجدان الطفل والدخول إلى عالمه بسهولة وصدق.
ويؤكد أن المسرح، رغم سطوة الشاشات والمنصات الرقمية، ما زال يحتفظ بسحره الخاص، خاصة حين يلتقى مباشرة بالجمهور. ويستشهد بتجربته فى مسرحية «حواديت الأراجوز» ضمن مشروع المواجهة والتجوال، حيث جابت القرى، خصوصًا فى صعيد مصر، ولاحظ حجم الشغف والاحتياج الحقيقى لمثل هذه الفعاليات الفنية، التى تسهم فى تشكيل وعى ووجدان الإنسان المصرى، صغيرًا كان أو كبيرًا. فالمسرح، فى رأيه، يظل حالة إنسانية حية ومبهجة تتفوق على الإبهار البصرى المصطنع.
ويشير عامر إلى أن أساس نجاح ممثل مسرح الطفل هو الصدق، والقدرة على التفاعل اللحظى مع الأطفال، من خلال مشاركتهم اللعب والفرح، وهو ما يمنح العرض طاقة حقيقية. كما يلفت إلى أهمية تنويع الأدوات المسرحية، مثل الألوان الجذابة والاستعراضات الغنائية والعناصر التشويقية، مع ضرورة تجنب الإطالة التى قد تؤدى إلى تشتت انتباه الطفل.
وفيما يتعلق بخصوصية الأداء، يوضح أن التمثيل فى جوهره واحد، سواء قُدم للطفل أو للكبار، لكن الاختلاف يكمن فى طبيعة المحتوى؛ فالطفل يحتاج إلى حكاية بسيطة وسلسة تصل إليه بسرعة، بعيدًا عن التعقيد. ومن هنا، يفرض النص نفسه أسلوب الأداء المناسب، دون أن يعنى ذلك وجود «تمثيل صغير» وآخر «كبير».
أما عن تقديم الرسائل التربوية، فيشدد على أن الطفل لا يتقبل المباشرة أو الوعظ، بل يستوعب القيم من خلال الفعل الدرامى، حين يرى الخطأ ونتيجته داخل السياق المسرحى. فالفن، فى رأيه، يجب أن يُمرر رسائله بذكاء ونعومة، دون فرض أو تلقين.
ويؤكد أيضًا أن ممثل مسرح الطفل يحتاج إلى وعى خاص بطبيعة جمهوره، وقدرته على التعامل مع مختلف المراحل العمرية، إلى جانب الإلمام بعلم نفس الطفل، وهو ما يساعده على تقديم أداء أكثر تأثيرًا. ويستدعى فى هذا السياق تجربته مع الأطفال من ذوى الاحتياجات الخاصة، والتى شكلت له تحديًا إنسانيًا وفنيًا مهمًا.
وفى سياق حديثه، يلفت عامر إلى أزمة حقيقية يعانى منها مسرح الطفل، تتمثل فى ضعف التقدير المادى والمعنوى للفنانين العاملين فيه، وكأنهم يقدمون فنًا أقل قيمة، وهو ما يرفضه بشدة، مطالبًا بضرورة دعم هذا القطاع الحيوى، لأنه يمثل استثمارًا حقيقيًا فى وعى الأجيال القادمة.
ويختتم الفنان محمود عامر بالتأكيد على أن مسرح الطفل ما زال قادرًا على التأثير العميق فى وعى الطفل وترسيخ قيم الانتماء، مهما تطورت الوسائط الرقمية. فالمسرح، بما يملكه من حضور حى وتفاعل مباشر، يظل «أبو الفنون» الذى يجمع بين التمثيل والموسيقى والديكور والاستعراض، ويواكب التطور من خلال توظيف التقنيات الحديثة دون أن يفقد روحه. كما يدعو وزارة الثقافة إلى توسيع الاهتمام بمسرح الطفل، وتقديم عروض صباحية موجهة للمدارس فى المسارح والنوادى والمكتبات، باعتبار ذلك استثمارًا حقيقيًا فى مستقبل الوطن.

محمد ناصف: مواكبة الجيل الرقمى تفرض على صُنّاع مسرح الطفل امتلاك وعى تكنولوجى متقدم
ويرى الكاتب المسرحى محمد عبد الحافظ ناصف أن مسرح الطفل يُعد من أهم الأدوات المتكاملة فى تشكيل وعى الطفل، لما يمتلكه من خصوصية كونه «أبوالفنون»، حيث تتداخل على خشبته عناصر متعددة مثل التمثيل، والإلقاء، والإخراج، والديكور، والسينوغرافيا، والأغانى، والأشعار، والحركة الدرامية. هذا التعدد يخلق حالة ثرية من التلقى، تجعل الطفل يتفاعل بدرجات عالية قد تصل إلى التفاعل الكامل، خاصة فى المراحل العمرية المبكرة التى يرتبط فيها الطفل بالعروسة أو الشكل البصرى كعنصر أساسى فى العرض. وبرغم الانتشار الكبير للشاشات ووسائل التكنولوجيا، يظل المسرح فضاءً مختلفًا لا يمكن مقارنته بهذه الوسائط، لأنه يقدم تجربة حية ومباشرة قائمة على التفاعل الإنسانى.
ويؤكد أن العلاقة بين النص المسرحى الموجه للطفل والعرض على الخشبة علاقة عضوية، لكن نجاحها يتوقف على تحقيق التوازن بين البعد التربوى والبعد الفنى، إذ إن الكتابة للطفل ليست مجرد إبداع فنى خالص، ولا هى خطاب تربوى مباشر، بل هى علم قائم على المزج الدقيق بين التربية والفن، بما يشمله من أبعاد نفسية وتعليمية ومراعاة لمراحل النمو المختلفة. وتكمن مهارة الكاتب أو صانع العرض فى قدرته على الحفاظ على هذا التوازن دون أن يطغى جانب على الآخر.
كما يشدد على أن مواكبة الجيل الرقمى تفرض على صُنّاع مسرح الطفل امتلاك وعى تكنولوجى متقدم، إلى جانب أدواتهم الفنية، بما يشمل فهم الواقع الافتراضى والواقع المعزز، اللذين أصبحا جزءًا من تجارب الإخراج الحديثة، سواء فى تصميم الديكور أو بناء المشهد البصرى. ويرى أن الجهل بهذه الأدوات يمثل فجوة حقيقية يجب تجاوزها بالمعرفة والتدريب المستمر.
ويضيف ناصف أن جذب الطفل إلى المسرح يتحقق من خلال فهم دقيق لخصائصه العمرية واهتماماته، وطرح سؤال جوهرى قبل الكتابة: “لمن أكتب؟”، لأن اختلاف المرحلة العمرية يفرض اختلافًا فى اللغة، والموضوع، وأسلوب التقديم. ومن هنا يصبح تحقيق التوازن بين الترفيه والتعليم والتوعية عملية واعية، تستهدف تنمية الحس الفنى لدى الطفل دون إغفال البعد المعرفى والتربوى.
وعلى مستوى مشاريعه الحالية والمستقبلية، يشير إلى عدد من التجارب التى يعمل على تقديمها، منها عرض مسرحى بعنوان “سكين الهاء والواو” يُقدَّم فى الحديقة الثقافية بالسيدة زينب، إلى جانب تعاونات أخرى قيد الإعداد داخل مصر وخارجها. كما يعمل على تطوير تجربة مسرحية تمزج بين الكتابة السينمائية والعرض المسرحى، حيث تُدمج المشاهد المصورة داخل السياق الدرامى، وهى تجربة سبق أن قدمها من خلال عرض “أحلام شتوية” على مسرح الشمس، بمشاركة أطفال من ذوى الاحتياجات الخاصة، فى محاولة لخلق شكل فنى جديد يجمع بين الرؤية البصرية السينمائية وروح المسرح الحى.

أحمد صادق: المنصات الرقمية أصبحت منافسًا قويًا لمسرح الطفل، ويمكن تحويلها إلى أداة داعمة إذا أُحسن استخدامها
يرى الفنان أحمد صادق أن العمل فى مسرح الطفل يفرض على الممثل طبيعة خاصة فى الأداء، تقوم على الجمع بين خفة الظل وروح المرح، مع الاعتماد على الإبهار البصرى والإيقاع السريع، إلى جانب التمثيل والغناء والاستعراض، بحيث تُقدَّم رسالة واضحة ومحببة تصل إلى الطفل دون تعقيد.
ويؤكد أن من أهم أدوات الممثل فى هذا النوع من المسرح قدرته على بناء علاقة قائمة على الود والحب مع الطفل، سواء من خلال شخصيته الحقيقية أو الشخصية التى يجسدها على الخشبة. فحتى إذا قدّم دورًا شريرًا، ينبغى أن يُؤدَّى بشكل يجعل الطفل يتقبله ولا ينفر منه، ليظل خيط التواصل قائمًا حتى نهاية العرض، حيث يتحقق التصالح وتكتمل دائرة التفاعل.
ويشير إلى أن الأداء فى مسرح الطفل يختلف عن مسرح الكبار، فالمسرح بشكل عام يحمل طابعًا فلسفيًا، بينما تميل السينما إلى الحلم، ويتسم الباليه بالشفافية. أما مسرح الطفل، فيعتمد على البساطة والمرح، ويقدم رسائل تعليمية وتربوية فى إطار ممتع، يوجه الطفل نحو القيم الإيجابية مثل الخير والجمال، دون أن يشعر بأنه يتلقى درسًا مباشرًا.
كما يوضح أن المسؤولية لا تقع على عاتق الممثل وحده، بل يشارك النص المسرحى بدور أساسى فى تقديم الرسالة، إذ يجب أن يجمع بين الترفيه والتوجيه بشكل غير مباشر، يعتمد على اللعب والتفاعل، بحيث يشعر الطفل أنه جزء من التجربة، لا مجرد متلقٍ لها.
ويشدد على أهمية دراسة علم النفس لكل ممثل، ليس فقط لفهم الطفل، بل لفهم الإنسان بشكل عام، مما يمنحه وعيًا أعمق فى التعامل مع الشخصيات والجمهور. ويضيف أن ممثل مسرح الطفل يحتاج إلى حساسية خاصة، لأن الطفل سريع التأثر، يلتقط كل ما يُقدَّم له ويخزنه فى وعيه.
وفيما يتعلق بتأثير السوشيال ميديا والمنصات الرقمية، يرى أنها أصبحت منافسًا قويًا لمسرح الطفل، لما تقدمه من محتوى سريع وجذاب بصريًا، لكنها فى الوقت نفسه يمكن أن تتحول إلى أداة داعمة إذا أُحسن استخدامها. فالمسرح، من وجهة نظره، يمتلك ميزة لا تستطيع الشاشات تعويضها، وهى التواصل الحى والمباشر، لذلك ينبغى توظيف وسائل التواصل الاجتماعى فى الترويج للعروض، وجذب الأطفال وأسرهم، وخلق حالة من التشويق قبل العرض، بدلاً من الاكتفاء باعتبارها منافسًا فقط.
وفيما يتعلق بواقع مسرح الطفل، يرى أنه لا يزال قادرًا على التأثير فى وعى الأجيال الجديدة، خاصة لما يمتلكه من رصيد ثقافى وتربوى عريق، لكنه يعانى من ضعف الدعاية والترويج، وهو ما يؤدى إلى غياب الوعى بوجوده لدى كثير من الجمهور، رغم ما يقدمه من عروض ذات قيمة فنية وإنسانية كبيرة.

د. هانى كمال: قوة النص والتفاعل الإنسانى المباشر يظلان الأساس الذى يقوم عليه مسرح الطفل والتقنيات الحديثة مُكملة
يرى المخرج الفنان د. هانى كمال أن تجربة التمثيل أمام الأطفال تمثل ركيزة أساسية فى تشكيل وعى المخرج وأسلوبه فى تصميم العرض المسرحى، إذ تتيح له فهمًا عميقًا لطبيعة التلقى لدى الطفل، سواء كان متفرجًا أو مشاركًا فى الأداء. فالتعامل المباشر مع الأطفال، عبر سنوات طويلة من الخبرة، يكشف عن طاقات تلقائية مدهشة لديهم، وقدرتهم على تقديم لحظات عفوية صادقة تفوق أحيانًا ما يمكن تلقينه أو تدريبه. هذه الخبرة التفاعلية تجعل المخرج أكثر مرونة وانفتاحًا على مفاجآت الأداء، وأكثر إدراكًا لقيمة التلقائية فى بناء المشهد.
وفى ظل هيمنة الشاشات والإبهار الرقمى، يؤكد كمال أن الطفل المعاصر بات محاطًا بوسائل جذب بصرى وسمعى هائلة، ما يفرض على المسرح أن يواكب هذا الواقع دون أن يفقد جوهره. فالمحتوى الجيد يظل الأساس، بدءًا من الكلمة المختارة بعناية، وصولًا إلى طريقة تقديمها بما يتناسب مع وعى الطفل ومرحلته العمرية. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أهمية توظيف التقنيات الحديثة وعناصر الإبهار، ولكن بشكل متوازن، حتى لا يعتاد الطفل على مستوى مبالغ فيه من الإثارة البصرية، فيفقد قدرته على تقدير الأعمال التى تعتمد على القيمة الفكرية والجمالية وحدها. ومن هنا، تبرز أهمية تربية الطفل على التمييز بين مسرح بسيط فى إمكانياته لكنه غنى فى مضمونه، وآخر مبهر شكليًا لكنه فارغ من المعنى.
أما على مستوى الأدوات الإخراجية، فيشير إلى أن الطفل ينجذب بشدة إلى كل ما هو بصرى وحيوى، خاصة الشخصيات الكرتونية والعرائس، حيث يمثل مسرح العرائس عنصرًا سحريًا بالنسبة له، إذ يثير دهشته حين يرى كائنات غير بشرية تتكلم وتتحرك. كما تلعب الأزياء والماسكات، خصوصًا التى تجسد الحيوانات والطيور، دورًا كبيرًا فى شد انتباه الطفل وتعزيز تفاعله مع العرض، إلى جانب أهمية النص الجيد القادر على مخاطبة عقله ووجدانه بلغة بسيطة وجذابة.
ويؤكد أن أهم المهارات التى يجب أن يمتلكها المخرج أو الممثل فى مسرح الطفل هى القدرة على التواصل الإنسانى الحقيقى مع الأطفال، والتحلى بالصبر والمرونة، وفهم طبيعتهم النفسية. فالتعامل القاسى أو العصبى قد يخلق حاجزًا من الخوف، بينما التشجيع والدعم - حتى بأبسط الوسائل- يفتحان أمام الطفل آفاقًا للإبداع والتفاعل. ويشدد على أن بناء علاقة ودية قائمة على الحب والثقة يجب أن يسبق أى عملية تعليم أو تدريب، لأن ذلك هو المفتاح الحقيقى لاستخراج أفضل ما لدى الطفل.
وفيما يتعلق باستخدام التكنولوجيا، يرى أن قوة النص والتفاعل الإنسانى المباشر يظلان الأساس الذى يقوم عليه مسرح الطفل، حيث ينبغى أن يُقدَّم النص بلغة بسيطة قريبة من وجدان الطفل، مع تضمين عناصر تفاعلية تشركه فى الحدث المسرحى. ثم تأتى بعد ذلك التقنيات الحديثة، سواء البصرية أو السمعية، كعناصر مكملة تعزز التجربة دون أن تطغى على جوهرها. ويخلص إلى أن تحقيق هذا التوازن هو ما يضمن جذب الطفل إلى المسرح، والحفاظ على انتباهه، وفى الوقت نفسه غرس القيم الجمالية والفكرية داخله بسهولة ويسر.

ناصر عبدالتواب: مسرح العرائس فن الدهشة القادر على جذب الطفل رغم تحديات الإنتاج
فيما قال مخرج مسرح العرائس ناصر عبد التواب: أن أبرز التحديات التى تواجه عروض مسرح العرائس اليوم لا تتعلق فقط بمنافسة الشاشات وثقافة الصورة السريعة، بقدر ما ترتبط بصعوبات الإنتاج نفسها. فارتفاع أسعار الخامات وتعقّد الإجراءات المرتبطة بالعملية الإنتاجية، مثل رسوم الملكية الفكرية ومتطلبات الفاتورة الإلكترونية وآليات التمويل، تمثل عوائق حقيقية تبدأ منذ مرحلة التحضير ولا تنتهى إلا بوصول العرض إلى الجمهور.
ويؤكد أن العرائس تمتلك فى حد ذاتها قوة جذب خاصة، بل قد تكون أكثر تأثيرًا من كثير من أشكال المحتوى الرقمى، لأنها تتواصل بشكل مباشر مع الطفل دون وسيط إلكترونى، وتمنحه إحساسًا بالدفء الإنسانى. كما أن مسرح العرائس قائم فى جوهره على عنصر الدهشة والإبهار، وهو ما يجعله قادرًا على التأثير فى الصغار والكبار على السواء.
وعن توظيف التكنولوجيا، يوضح أن سحر الدمية التقليدية لا يزال قادرًا على جذب المشاهد، لكن استخدام المؤثرات البصرية أو الصوتية يمكن أن يمثل إضافة فنية مهمة إذا جاء فى إطار يخدم العرض. ويشير إلى أن المؤثرات الصوتية تُستخدم منذ سنوات طويلة داخل العروض العرائسية لدعم الأداء التمثيلى وخلق المناخ الدرامى المناسب للمشاهد.
ويشير عبد التواب إلى أن نجاح العرض العرائسى يعتمد على وعى المخرج بكيفية توظيف عناصره المختلفة، بدءًا من اختيار نص جيد، مرورًا بتصميم العرائس والديكور، وتحديد نوع العرائس المناسب مثل عرائس القفاز أو العصا أو الماريونت أو خيال الظل أو الماسكات، وصولًا إلى الأداء الصوتى والموسيقى والأشعار، بما يحقق التكامل الفنى للعمل.
كما يشدد عيد التواب على أن مسرح الطفل لا يقدم الترفيه فقط، بل يؤدى دورًا مهمًا فى بناء وعى الطفل، مؤكدًا أن تحقيق التوازن بين المتعة والرسالة التربوية لا يتحقق عبر المباشرة، بل من خلال كتابة جيدة تُعد الأساس الحقيقى لأى عرض ناجح.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن مسرح العرائس يمتلك مساحة خيال أوسع من المسرح البشرى، حيث يمكن فيه أن تتحرك كل الأشياء، من شجرة أو طائر إلى نافذة أو أى عنصر جامد، كما يمكن للدمية أن تقوم بحركات غير تقليدية تضيف عنصر الإبهار. ويؤمن بأن سر بقاء المسرح يكمن فى قدرته على إدهاش جمهوره، لأن المسرح - كما يقول - إذا فقد عنصر الدهشة، فقد قدرته على جذب الجمهور، بينما يظل مسرح العرائس فنًا مدهشًا بطبيعته، بما تمتلكه الدمية من جاذبية فى شكلها وحركتها وأدائها.

عيد مسعد: سحر الدمية لا يزال قائمًا وقادرًا على جذب الطفل، حتى فى ظل غياب التقنيات المتقدمة
ويرى المخرج الفنان عيد مسعد أن إخراج عرض مسرح العرائس للأطفال يواجه تحديات معقدة فى ظل منافسة الشاشات وثقافة الصورة السريعة، وفى مقدمتها ضرورة إدراك خصوصية هذا الفن. فالعرض الذى يصلح للممثل البشرى لا يصلح بالضرورة للعرائس، إذ يتطلب الأمر كتابة نصوص تراعى طبيعة حركة الدمية وإيقاعها، مع تقسيم المشاهد بشكل دقيق يتناسب مع تركيز الطفل. ويؤكد أن الطفل لا يمكن جذبه عبر الحكى المطوّل أو الدراما الثقيلة، بل يجب تقديم جرعات متوازنة من الغناء والموسيقى والحوار، بحيث لا يطول المشهد الواحد دون تنويع، لأن انتباه الطفل سريع التشتت، ويحتاج دائمًا إلى عنصر إيقاعى يحافظ على حضوره الذهنى.
ويشدد على أن العروسة تظل هى العنصر الأساسى فى هذا الفن، فهى القادرة على تحقيق ما قد يعجز عنه الممثل البشرى، نظرًا لما تتيحه من خيال بصرى غير محدود. فمسرح العرائس يفتح آفاقًا أوسع للصورة والدهشة، ويمنح المخرج حرية كبيرة فى تشكيل عوالم غير مقيدة بالمنطق الواقعى. ومن هنا تأتى أهمية توظيف العرائس بشكل ذكى، واختيار حركاتها وتعبيراتها بعناية، مع تقديم صورة متكاملة مشبعة بعناصر الجذب، تتضمن صراعًا واضحًا بين الخير والشر، حتى وإن قُدم الشر فى قالب خفيف لا يثير الخوف، بل يثير التفاعل.
وفيما يتعلق بالتكنولوجيا، يوضح أن إدخال المؤثرات البصرية يظل مرهونًا بالإمكانات الإنتاجية، حيث تعانى عروض العرائس من ضعف الميزانيات، وهو ما يحدّ من تحقيق طموحات إخراجية أكبر. ومع ذلك، يؤكد أن سحر الدمية لا يزال قائمًا وقادرًا على جذب الطفل، وأن العروسة نفسها تظل محور الإبهار الرئيسى، حتى فى ظل غياب التقنيات المتقدمة.
ويضيف أن نجاح عرض مسرح العرائس لا يعتمد على عنصر واحد، بل هو نتاج تكامل جميع العناصر، بدءًا من النص الجيد، مرورًا بتصميم العرائس والديكور، ووصولًا إلى الأداء الصوتى والموسيقى. ويبرز أهمية الاستعانة بأصوات تمتلك خبرة تمثيلية كبيرة، لما تضيفه من عمق وإحساس للشخصيات، مشيرًا إلى أن حضور نجوم فى الأداء الصوتى يمنح العرض قوة وتأثيرًا إضافيين. فالعرض فى النهاية هو لوحة بصرية وسمعية متكاملة، تقوم على تناغم كل مكوناته، وهو ما يشكل جوهر تميز مسرح العرائس وقدرته على التأثير فى وجدان الطفل.

إسلام إمام: دمج التكنولوجيا والعناصر البصرية الحديثة لم يعد خيارًا بل ضرورة حتمية
كما يرى المخرج إسلام إمام أن تجربة التمثيل أمام الأطفال تفرض على المخرج رؤية مختلفة تمامًا فى تصميم المشهد والعرض، إذ لا يمكن التعامل مع مسرح الطفل بالآليات التقليدية نفسها المستخدمة فى مسرح الكبار. فالتعامل هنا يكون مع فئة عمرية تمتد حتى 11 أو 12 عامًا، وهى مرحلة تتميز بخيال واسع وقدرة عالية على التلقى، ما يفرض على صانع العرض أن يوازن بين مخاطبة هذا الخيال الثرّى وبين شد انتباه الطفل ذهنيًا ليستمر فى متابعة العرض دون ملل.
ويؤكد أن الطفل المعاصر لم يعد ذلك المتلقى البسيط، بل أصبح أكثر وعيًا وانفتاحًا بفعل التطور التكنولوجى الهائل، حيث باتت الأجهزة الذكية والمنصات الرقمية جزءًا من يومياته، يشاهد من خلالها محتوى متنوعًا ومبهرًا بصريًا، من أفلام خيال علمى إلى ألعاب تفاعلية متقدمة. هذا الواقع خلق منافسة شرسة أمام المسرح، الذى لم يعد كافيًا أن يقدم محتوى تقليديًا، بل أصبح مطالبًا بأن يكون أكثر إبهارًا من حيث الصورة، من خلال توظيف عناصر إنتاجية قوية تشمل الاستعراضات، الأغانى، الملابس، والتقنيات البصرية الحديثة، حتى يستطيع أن يجذب الطفل ويقنعه بمتابعة العرض بدلًا من الاكتفاء بما يقدمه له العالم الرقمى فى المنزل.
ويشير إلى أن العنصر الإنتاجى بات عاملًا حاسمًا فى نجاح مسرح الطفل، ربما يفوق فى أهميته ما يُنفق على عروض الكبار، لأن الهدف لم يعد مجرد تقديم عرض، بل خلق تجربة متكاملة تنافس ما يتعرض له الطفل يوميًا من محتوى عالى الجودة. ومع ذلك، تظل أزمة النصوص واحدة من أبرز التحديات، حيث يطرح تساؤلًا مهمًا حول طبيعة الموضوعات التى ينبغى أن تُقدم للأطفال اليوم. فالنصوص الوعظية المباشرة لم تعد صالحة، لأن الطفل لم يعد يتقبل هذا الخطاب الساذج، بل أصبح يناقش قضايا حياتية معقدة ويطّلع بنفسه على كم هائل من المعلومات عبر الإنترنت، ما يتطلب نصوصًا أكثر عمقًا وذكاءً، تحترم وعيه وتواكب تطوره الفكرى.
ويختتم رؤيته بالتأكيد على أن دمج التكنولوجيا والعناصر البصرية الحديثة لم يعد خيارًا بل ضرورة حتمية، إلى جانب قوة النص والتفاعل المباشر، مشددًا على أن المخرج أو الممثل فى مسرح الطفل اليوم يحتاج إلى امتلاك مهارات متعددة، تجمع بين الوعى بالتقنيات الحديثة، والقدرة على الإبداع البصرى، وفهم عميق لسيكولوجية الطفل، حتى يتمكن من تقديم عرض حيّ قادر على المنافسة والبقاء فى زمن تتسارع فيه أدوات التأثير وتتنوع.


سامية سيد